العالم بين مؤتمري وارسو وميونخ

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 744
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ماجد محمد الأنصاري
 هل يكون التباين بين مؤتمري وارسو وميونخ سمة المرحلة القادمة في ميزان القوة والتأثير الدولي؟
بين مؤتمري وارسو وميونخ العالم على مفترق طرق والقطبية الأحادية لم تعد يناسب الغرب و تحديات الأمن الدولية
عقد مؤتمر وارسو دون مخرجات واضحة في تشكيل جبهة ضد إيران أو تحقيق تقدم في "صفقة القرن" أو توافق حول أي قضية!
* * *
خلال أسبوع واحد التقى العديد من صناع القرار في العالم في مدينتي وارسو أولاً ثم ميونخ تلبية لدعوتين مختلفتين:
الأولى كانت عبر الولايات المتحدة الأمريكية التي دعت وبشكل مفاجئ وبدون وجود أجندة واضحة إلى مؤتمر يجمع العديد من حلفاء واشنطن لغرض كان يبدو أنه تشكيل جبهة موحدة ضد إيران ثم تحول إلى مؤتمر هش حول قضايا الشرق الأوسط المختلفة.
الدعوة الثانية كانت لمؤتمر ميونخ للأمن الفعالية الدولية التي أكملت عقدها الخامس والتي تجمع العديد من صناع القرار عبر العالم للحوار حول القضايا الأمنية المختلفة ويمثل منصة مهمة لطرح أزمات العالم وتحدياته على طاولة حوار دولية، الفرق بين هاتين الفعاليتين وطبيعة الخطاب في كل منهما ربما يمثل وضع العمل الدولي الحالي.
بدأت الدعوة لوارسو بالحديث عن مؤتمر كان يفترض أن يجمع دولاً عربية وأخرى إقليمية والكيان الصهيوني لتحديد الخطوة القادمة ضد إيران، ذلك الهدف الذي ما زالت إدارة ترمب تعتبره الأول على قائمة أهدافها في المنطقة.
تطور الأمر بعد فشل إدارة ترمب في الوصول لتوافق قبل انعقاد المؤتمر حول مخرجاته حيث تحول مؤتمر وارسو فجأة إلى مؤتمر جامع بحضور موسع لمناقشة مختلف قضايا الشرق الأوسط، عقد المؤتمر دون أن يكون له مخرجات واضحة في تشكيل جبهة ضد إيران ولا في تحقيق تقدم في تطبيق صفقة القرن الأمريكية ولا حتى في تشكيل توافق جديد حول أي قضية تذكر.
بل إن العديد من الأطراف اختار خفض التمثيل أو عدم الحضور إما لعدم القناعة بموضوع المؤتمر وأهدافه أو اعتراضاً على مواقف الولايات المتحدة الأخيرة، لذا لم يجد المنظمون إلا التباهي بأنهم تمكنوا من إجلاس نتنياهو إلى جوار وزراء خارجية عرب.
وطبعاً ليست هذه المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك فقد حدث في محادثات السلام في أوسلو وغيرها ويحدث بشكل دوري في المؤتمرات واللقاءات الأممية، الجديد الوحيد في هذا المؤتمر هو حضور وزراء خارجية خليجيين وعرب جنباً إلى جنب مع نظيرهم الإسرائيلي دون أن يكون ذلك في إطار القضية الفلسطينية!
أي إنه مثل قبولاً ضمنياً بالكيان الصهيوني كطرف في قضايا المنطقة وإمكانية التفاعل معه بعيداً عن إطار الصراع العربي الإسرائيلي، ولكن حتى ذلك لم يحقق المراد الأمريكي حيث اقتصر التفاعل الحقيقي على دول أمضت السنتين الماضيتين في التقرب من واشنطن عبر بوابة تل أبيب واكتفت الدول الأخرى بإرضاء واشنطن عبر الحضور الصامت.
عبر الحدود التأم شمل مدعوي مؤتمر ميونخ للأمن بحضور المستشارة الألمانية والعديد من القادة الأوروبيين وقادة الشرق الأوسط وعلى رأسهم أمير قطر ومختلف دول العالم، في ميونخ كانت النقاشات تتعرض للتحديات الحقيقية التي تواجه العالم.
هناك فشلت واشنطن في فرض أجندتها، معظم المتحدثين الرئيسيين وجهوا سهامهم نحو الإدارة الأمريكية وسياستها الخارجية.
الحديث ركز على ضرورة الحفاظ على أوروبا والعمل الدولي في مواجهة الولايات المتحدة ومنهجها الأحادي، وأهمية مواجهة أخطار الاحتباس الحراري الذي ينكره ترمب وضرورة التفكير في أمن العالم برؤية أوروبية لا تعتمد على قيادة أمريكية بالضرورة.
كل ذلك وضع أوروبا ومعها قادة العالم القلق من ترمب في مواجهة المشاركين الأمريكيين الذي وجدوا أنفسهم محاصرين، وحتى إشارة نائب الرئيس الأمريكي إلى نقله لتحيات رئيسه لاقت صمتاً مطبقا.
ميركل من ناحيتها قدمت خطاباً ربما يكون الأهم في تاريخها حيث مثلت صوت الحكمة الدولية بمواجهة ضوضاء البيت الأبيض، تحدثت عن التحديات التي تواجه العالم اليوم بكل وضوح.
تكلمت المستشارة الألمانية عن أهمية العمل الدولي المشترك وسخرت من ترمب وحروبه التجارية، وضجت القاعة التي حوت المئات من صناع القرار العالمي بالتصفيق مع استثناء ابنة الرئيس الأمريكي التي وجدت معظم الحديث يستهدف والدها وسياسته الخارجية.
في ميونخ كذلك أكدت قطر على الموقف الراسخ من القضية الفلسطينية بعيداً عن أجواء وارسو المصطنعة وعلى أهمية التعامل الشامل مع جذور الإرهاب والتعامل بواقعية مع ما تمثله الأزمة الخليجية من تهديد، وغابت السعودية التي تتصاعد أزمتها مع الاتحاد الأوروبي وألمانيا تحديداً.
بين وارسو وميونخ يقف العالم على مفترق طرق، القطب الأوحد لم يعد مناسباً لبقية العالم الغربي وللتعامل مع تحديات الأمن الدولية، والشركاء الذين صنعوا عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يجدون أنفسهم دون رعاية أمريكية حقيقية.
أوروبا اليوم والتي تواجه تحديات جمة لمشروعها الوحدوي أمام تحد مركزي وهو كيف ستواجه القوى الصاعدة وتحديداً روسيا والصين في ظل الانسحابية الأمريكية والقرار الدولي المنفرد لواشنطن.
فهل يمكن أن نعتبر أن التباين بين وارسو وميونخ هو سمة المرحلة القادمة في ميزان القوة والتأثير الدولي؟

* د. ماجد محمد الأنصاري أستاذ الاجتماع السياسي بجامعة قطر
المصدر | الشرق القطرية