إغتيال أو إختطاف “جمال خاشقجي” محاولة مقصودة لإستهداف تركيا وتعميق أزماتها والتبعية العمياء للأجندة الأمريكية تقود السعودية للمجهول

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 141
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

د. طارق ليساوي
 قبل فترة ليس بالبعيدة أشرنا في مقال لنا، له صلة بإنخفاض قيمة العملة التركية، إلى أن تركيا مستهدفة، وهناك سعي من قبل العديد من البلدان لإسقاط هذه التجربة التنموية، و ما توالي الأزمات بدءا بالإنقلاب العسكري الفاشل، ومرورا بالأزمة مع روسيا و إنفجار الوضع على الحدود مع سوريا، ووقوف تركيا إلى جانب قطر بعد الحصار، و الثوثر مع مصر و إسرائيل و اليونان على ترسيم الحدود البحرية، و الخلاف الحاد مع الولايات المتحدة على خلفية القس الأمريكي، و العقوبات الأمريكية على الصادرات التركية، و استهداف الليرة التركية عبر مضاربات مشبوهة، و الخلاف مع روسيا حول أدلب…كلها أحداث تؤكد على أن تركيا مستهدفة، وأن هناك حلف دولي يحاول إسقاط التجربة التنموية التركية، و التي هي بالأساس تجربة شعب بأكمله ، وليست حكرا على شخص أو حزب..
و إذا كانت القيادة التركية قد إستطاعت إدارة هذه الأزمات و التوصل إلى مهادنات و حلول وسطى، عبر إستغلال التناقضات الدولية و الإقليمية خاصة بين أمريكا وروسيا، إلا أنها اليوم تجد نفسها في قلب أزمة جديدة مصدرها المملكة السعودية، و ذلك على خلفية ما حدث للصحفي و الإعلامي السعودي” جمال خاشقجي ” بالقنصلية السعودية بإسطنبول، فتصفية الرجل أو إختطافه من قلب الأراضي التركية، و عبر إرسال وفد أمني مكون من 15 شخصا، دخلوا و خرجوا من تركيا في نفس الوقت، و مهمتهم الأساسية الدخول للقنصلية بهذا الشكل الاستعراضي، يعد إستهداف مباشر لتركيا و إنتهاك لسيادتها الوطنية ، ومحاولة لإحراج النظام السياسي التركي داخليا ودوليا..
فالسيناريو الذي نفذت به عملية إختطاف او اغتيال “جمال خاشقجي” ، فيه إهانة واضحة لتركيا و محاولة لزعزعة الإستقرار الهش، خاصة وأن البلاد لم تتعافى بعد من تبعات انخفاض قيمة الليرة، و حدث كهذا فيه إضرار بصورة تركيا كوجهة سياحية آمنة، و الحد من جاذبيتها لأفواج المعارضة لأنظمة الطغيان و الإستبداد العربي…و استغلال أيضا للوضع الحرج الذي تمر به تركيا، فكما وضحنا في بداية هذا المقال، أن تركيا تعرف توثرا في علاقاتها مع العديد من بلدان الإقليم و القوى العظمى بما في ذلك روسيا و أمريكا، و فتح جبهة جديدة مع السعودية لن يخدم المصالح التركية على المدي القصير و المتوسط…
لذلك، نلاحظ أن القيادة التركية في وضع حرج، و تحاول التعامل مع قضية “جمال خاشقجي” بنوع كبير من الحيطة والحذر و بدبلوماسية فائقة ، فهي بالرغم من تلويحها بأنها تتوفر على أدلة قطعية، تؤكد إغتيال جمال بداخل القنصلية، و ربما سربت بعض هذه الأدلة لبعض الجهات الدولية، إلا أنها تُبْقي على شعرة معاوية مع النظام السعودي، وتحاول قدر الإمكان الابتعاد عن الصدام المباشر معه، وذلك يعود بنظرنا ليس خوفا من السعودية، بقدر ماهو إدراك من قبل القيادة التركية لخطورة ما أقدم عليه النظام السعودي الذي جانب الصواب، فواقعة القنصلية سوف يتم تضخيمها و إستغلالها لتأكيد الإتهامات التي وجهت للسعودية من قبل العديد من الجهات الغربية بأنها داعمة الإرهاب..
فالأسلوب المتبع في هذه العملية إلى جانب كم الإعتقالات للمعارضين السياسيين و للعلماء ، يؤكد أن المملكة تدار بشكل غير عقلاني، و أن الطبقة الحاكمة و تحديدا ولي العهد محمد بن سلمان يقود البلاد إلى الهاوية، ففي سبيل كرسي الحكم عرض موارد البلاد الإقتصادية للتبديد، عبر شراء تأييد ترامب ، كما أن مواقف السعودية من العديد من القضابا القومية والإسلامية عرف تحولا دراماتيكيا، فالسعودية كانت إلى وقت قريب الأخ الأكبر لمختلف البلدان العربية والإسلامية و أهم الداعمين للقضية الفلسطينية و لمعظم قضايا الأمة، لكن بعد ثورات الربيع العربي تغيرت البوصلة، و إنقلب الموقف السعودي..
فأصبحت السعودية داعمة للثورات المضادة و لأنظمة الفساد و الإستبداد ، و نصبت نفسها إلى جانب الإمارات العربية عدوا للشعوب المتطلعة للحرية والكرامة، فتدخلت في مصر عبر تمويل الإطاحة بالرئيس الشرعي المنتخب، ونفس الأمر تم في ليبيا و سوريا و اليمن و الغاية وقف صعود التيار الإسلامي، واستهداف تركيا يتم لهذه العلة، على اعتبار أن التجربة التركية نموذج تحاول باقي الحركات الإسلامية في العالم العربي محاكاته…و الغريب أن هذا السلوك المعادي للإسلام السياسي يصدر من المملكة العربية السعودية، وهي أول من أسس لفكرة الإسلام السياسي منذ نشأتها الأولى في مطلع القرن العشرين عبر التحالف الذي تم بين أل سعود و الحركة الوهابية…
و مكانة السعودية و استهدافها أمر لا يحتاج إلى تأكيد، و جرها إلى حلف الشيطان يهدد عموم الأمة الإسلامية، فالسعودية هي موطن الحرمين الشرفين، و هي موطن الرسالة المحمدية، التي تعد من دون شك الرسالة السماوية التي لازالت تحتفظ بمشروعيتها وبصدقيتها، فانحراف السعودية للهاوية او جرها إلى هذا الحلف الشيطاني الذي تقوده الصهيونية العالمية أمر في غاية الخطورة..فانحراف النظام السعودي وتهوره و إندفاعه في إتجاه تنفيذ أجندة معادية تماما لروح الإسلام و تعاليمه الداعية للعدل و الرحمة والوحدة و التناصح، يعد جرما كبيراً ليس في حق شعوب الجزيرة العربية فحسب ، بل في حق المسلمين قاطبة في مشارق الأرض و مغاربها.. فمن غير المقبول عقلا و لاشرعا، تعريض إنسان للقتل أو التعذيب بهذا الأسلوب الوحشي، و تعريض بلد إسلامي للتهديد و العدوان و الإهانة…
نعم هناك إهانة مقصودة، ف”جمال خاشقجي” كان مستقرا في الولايات المتحدة منذ فترة و تنقل إلى أكثر من بلد أوروبي، فلماذا لم يتم إغتياله او إختطافه في واحدة من هذه البلدان، أم أن النظام السعودي يخاف و لا يستحي؟ لكن شاء الله تعالى أن يكشف للأمة نفاق حكامها يوما بعد يوم، و أن ولاءهم ليس للإسلام و الأمة، وإنما للغرب و حكامه في خلاف صريح لعقيدة الولاء و البراء، قال تعالى: {لَّا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً ۗ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ۗ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران : 28]
و الواقع أن تركيا في موقف لا تحسد عليه، فهي من جهة لا تريد تصعيد الموقف مع السعودية، و من جهة أخرى هناك ضغوط على القيادة التركية في الداخل و الخارج لكشف الحقيقة ، لكن الأدهى من ذلك أن الأدلة التي سربتها أو أعلنت عليها السلطات التركية تؤكد تورط النظام السعودي..
فالنظام السعودي إرتكب خطأ جسيما سيكلفه الكثير من التنازلات، و ما نراه من إهتمام دولي غير مسبوق بقضية “جمال خاشقجي” ، مع غض الطر عن المذابح و جرائم الحرب التي ينفدها التحالف العربي بقيادة السعودية في اليمن، دليل على أن القادم أسوأ، و تركيا وحدها من تملك إنقاذ رأس النظام السعودي، و منحه طوق النجاة و المخرج الأمن للنجاة من الإبتزاز الأمريكي، خاصة وأن “ترامب” هو المستفيد من هذه القضية ، وسيحاول جاهدا توظيفها لحلب “البقرة الحلوب” كما وصف السعودية في تصريحاته…وكلامنا هذا ليس خوفا على النظام الحاكم في السعودية، فإنه نظام أثبت فساده و إستبداده و صهيونيته، لكن حرصنا على شعب الجزيرة العربية و موطن الحرمين الشريفين و قبلة المسلمين.. فإذا غابت الحكمة في تنفيذ الجريمة فعلى الأقل فلتسود الحكمة في تسوية الأثار المتوقعة، فمن الحكمة الإسراع في إعلان حقيقة إختطاف أو قتل “جمال خاشقجي”، بغرض طي الملف بتعاون مع الأتراك، قبل أن يتم تدويل القضية و إستدراج السعودية إلى مجلس الأمن و العدالة الدولية، و ليس ذلك حبا في “جمال خاشقجي” او بغرض القصاص من قتلته أو خاطفيه، و الكشف عن الحقيقة وإقامة العدل، و إنما للضغط على النظام السعودي لتقديم المزيد من التنازلات.. أما الإستمرار في سياسة الإستعلاء و الإرتكان لمظلة الحماية الأمريكية و للحب “الترامبي” ، فذلك جنون لا يضاهيه إلا الجنون الذي نفذت به عملية القنصلية، وصدق من قال “السلطة المطلقة مفسدة مطلقة”…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون…
إعلامي و أكاديمي متخصص في الإقتصاد الصيني و الشرق آسيوي..