هل سَيكون تَجميد الوَدائِع والاستثمارات مِن بَين العُقوبات التي يُهَدِّد بِها ترامب السعوديّة؟ ولماذا لا يَستبْعِد الكَثيرون رَدًّا “انتحاريًّا” سُعوديًّا على هَذهِ التَّهديدات؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 185
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

وهَل أجبَرت المُؤسَّسة الأمريكيّة “العَميقة” البيت الأبيض على التَّراجُع؟ وماذا يَنتَظِر أردوغان قبل إعلان الأدِلَّة المُصَوَّرة؟
عبد الباري عطوان
 البَيان الذي أصْدَرته الحُكومة السعوديّة اليوم ورَفَضَت فيه التَّهديدات الأمريكيّة بفَرضِ عُقوباتٍ اقتصاديّةٍ، وربّما سياسيّة، عليها في حالِ ثَبات تَورُّطها في خَطفِ وقتل الصِّحافي جمال خاشقجي، يَعكِس جِديّة هَذهِ التَّهديدات أوّلًا، والقَلق مِنها ثانِيًا، والنَّزعَة “الانتحاريّة” في التَّصدِّي لها ثالثًا، فهَذهِ المَرّة الأُولى، ومُنذُ ثمانين عامًا، يتبادَل فيها “الحَليفان” هَذهِ التَّهديدات علانيّةً، وبالصُّورةِ التي نُشاهِدها.
الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب خَضَعَ لضُغوطِ “المُؤسَّسة” أو الدَّولة الأمريكيّة العَميقة ومُؤسَّساتِها فيما يبدو، واضطرَّ للتَّراجُع عَن مَواقِفه السَّابِقة التي قَلّل فيها مِن أهميّة الجَريمة، وأوحَى بغًسل يديه مِن أيِّ تَحَرُّكٍ ضِدها، عندما قال في حَديثٍ مع مَحطّة “فوكس” أنّ “خاشقجي ليس أمريكيًّا، والجَريمة لم تقع على أرضٍ أمريكيّة، وأنّ هُناك صَفقَة أسلحة مع السعوديّة بأكثَر مِن 110 مِليار دولار لا يُمكِن التَّراجُع عنها لأنّها تَعنِي الوظائِف، واستمرار ازدِهار الاقتصاد الأمريكيّ”.
ترامب غيّر لهجته، وتَوعّد بأنّه سَيكون هُناك “عِقاب شديد” إذا تبيّن أنّ خاشقجي قُتِل داخِل القنصليّة السعوديّة في إسطنبول، دُونَ أن يُحَدِّد طبيعَة هذا العِقاب، وأوحَى في الوقتِ نَفسِه، بأنّ جريمَة القَتل وقَعت فِعلًا، وأن “حُلفاءه” الأتراك القُدامى الجُدد زَوّدوه بالأدلِّةِ الدَّامِغَة.
***
الأمر المُؤكَّد أنّ ترامب الذي هاجَمَ المملكة العربيّة السعوديّة بطَريقةٍ ابتزازيّةٍ وَقِحَة أكثَر مِن أربع مرّات في أقل مِن أُسبوعَين، واستخدم العِبارات نفسها حول امتلاكِها ثَرَوات ضَخمة، وتَمَتُّعِها بالحِماية مَجّانًا وهِي الحِماية التي لولاها لاحتلّتها إيران في 12 دقيقة، ترامب كانَ يُوَظِّف هذا الابتزاز في حَملةِ حزبه الجمهوريّ الانتخابيّة مع اقترابِ مَوعِد الانتخابات التشريعيّة النِّصفيّة (بَعد ثلاثَة أسابيع)، ولا بُد أنّه أدرَكَ، وفي الإطار نَفسِه، أنّ الرأي العام الأمريكيّ يعيش حاليًّا حالةً مِن الصَّدمة مِن جرّاء تَواتُر الأخبار في إعلام بِلادِه عَن خَطف الصحافي خاشقجي، وتَقطيع أوصالِه داخِل قُنصليّة بِلادِه في إسطنبول، ولذَلِك يُريد، أي ترامب، تَوظيف حالةَ الصَّدمة هَذهِ المَمزوجة بالغَضب، في خدمة مصالِحِه الانتخابيّة، والظُّهور بمَظهَر الرَّجُل القويّ الذي لا يَتردَّد في مُعاقَبة المَسؤولين عَن الجَريمة.
ترامب لا يُحِب السُّعوديّين، ويَكرَه العرب والمُسلمين، ولكنّه لا يُخفِي غَرامُه بالثَّرَوات السعوديّة والخليجيّة، ويَعتقِد أنّه يَجِب أن يَحْصُل على نِسبةٍ كَبيرةٍ مِنها باعتبارِ بلاده تُوفِّر الحِماية ولِما يَقرُب مِن ثَمانين عامًا لهَذهِ الثَّروات، والدُّوَل التي تتربّع على عَرش آبارِها، ولن يتردَّد في نَهبِها، بطُرق البَلطَجة، سواء استغلالًا لهَذهِ الأزَمَة، أو في مَرحلةٍ لاحِقَة.
لاري كوديو، المُستشار الاقتصاديّ للبيت الأبيض، الذي لا يَقِل عُنْصريّةً تُجاه العَرب والمُسلمين عَن رئيسِه، حَذَّر مِن أنّ الرئيس ترامب “جادٌّ جِدًّا جِدًّا” في تَهديداتِه هَذهِ، وهذا يعني أن هناك إجراءات ربّما جرى الاتِّفاق عليها في حالِ ثَبات تَورُّط السعوديّة في الجَريمة، ومِن غَير المُستَبعد أن يكون مِن بينها تَجميد الأموال والودائِع والاستثمارات السعوديّة في أمريكا التي تَزيد عَن ترليونيّ دولار على الأقَل، تمامًا مِثلَما حَصَلَ للأموال والودائِع الإيرانيّة في البُنوك الأمريكيّة بعد إسقاط الشَّاه، ونَجاح ثورة الإمام الخُميني عام 1979.
المُغَرِّدون السُّعوديّون “الكِبار” شَرحوا بعض جوانِب الرَّد السعوديّ المُحتَمل، والذي قال البَيان الرسميّ أنّه سَيكون أكثَر صرامَةً، وسيَستخدِم القُوّة الاقتصاديّة والماليّة السعوديّة كسِلاح، ولمَّحوا إلى أنّ بلادهم قد تتوجَّه إلى روسيا والصين لشِراء صفقات الأسلحة، ورُبّما تذهب إلى ما هو أبعد مِن ذلك، أي المُصالَحة مع إيران والتَّحالُف مَعَها في وَجهِ أمريكا والغَرب.
أن تُوفِد الحُكومة السعوديّة الأمير خالد الفيصل على رأسِ وَفدٍ إلى أنقرة للتَّباحُث مع نَظيرَتها التركيّة حول كيفيّة التَّعاون لإيجادِ مَخْرَجٍ مِن هَذهِ الأزَمَة، فهذا يَعنِي أنّها تتجنَّب المُواجَهة مع أنقرة، وتُفَضِّل الدبلوماسيّة، فالأمير خالد الفيصل، مُستشار العاهل السعودي يُوصَف بأنّه مِن أكثر الأُمَراء تَعَقُّلًا وحِكمَةً، فعَلاوةً على كَونِه شاعِرًا ورسّامًا، ومُثقَّفًا، وأميرًا لمِنطَقة مكّة المُكرَّمة، تَربِطه صداقة قَويّة بالمَسؤولين الأتراك، وبالخاشقجي أيضًا، الذي عَمِل رَئيسًا لتحرير صحيفة “الوطن” التي أسَّسها في أبها، وأرادَها أن تكون صُورةً للإعلام السعوديّ الجَديد، وهي رغبة لم تتَحقَّق إلا لفَترةٍ قَصيرةٍ، ولكن ماذا تستطيع أن تفعل الحِكمَة والتَّعقُّل في حَلِّ أزمَةٍ تتعلَّق بجَريمةٍ شِبه مُؤكَّدةٍ، ومُنَفِّوذها “هُواة” ورأي عام محلّيّ ودوليّ مُعَبّأ ضِد “الدَّولة” المُتَّهَمة بالوُقوفِ خَلفَها؟
القِيادَة السعوديّة تُواجِه مأزَقًا لم تُواجِه مِثله مِن قَبل، فالتَّعاطُف مع الخاشقجي، سُعوديًّا وعَربيًّا ودَوليًّا، فاقَ كُل الحُدود، والتُّهمَة المُوجَّهة إليها بقَتلِه تكاد تكون شِبه مُؤكَّدة، والدِّفاع عنها يبدو مَحدودًا، باستثناءِ بعضِ المُقرّبين جِدًّا، ولا نَعتقِد أنّ إرسال وفد إلى أنقرة يُمكِن أن يُغيِّر كثيرًا مِن هَذهِ الحَقائِق، والشَّيء نَفسِه يُقال أيضًا عَن الهَجَمات الشَّرِسَة التي جرى شنّها ضِد خُصومِها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهَذهِ الهَجَمات أعْطَت وتُعطِي نتائِج عكسيّةً تمامًا، وتُبَدِّد أيّ تَعاطُف، وتُحرِج الأصدِقاء، أو مَن تَبقَّى مِنهُم.
***
13 يَومًا مَرّت على “اختفاءِ” الخاشقجي، والأمن التركيّ يُهَدِّد بأنّه يَمْلُك شَريطًا مُصَوَّرا لعمليّة القَتل داخِل القُنصليّة، ويُنتَظر مِن الوفد السعوديّ الزائِر أن يُقَدِّم له الجُثمان، أو بقاياه، قَبل اقتحام القُنصليّة ومَنزِل القُنصل، وإصدار نتيجة التَّحقيقات وتَوجيه الاتِّهامات رَسميًّا، أو هكذا تقول أجهِزَة إعلاميّة، وتَحويلِها إلى قضيّةٍ دوليّةٍ ربّما تُؤدِّي إلى المُطالَبة بِرُؤوسٍ كَبيرةٍ جِدًّا في الدَّولةِ السعوديّة.
33 مِليار دولار خَسائِر البُورصة والأسهُم السعوديّة اليوم الأحد فقط، وهُناك العَديد مِن الشَّرِكات والشَّخصيّات العالميّة الاقتصاديّة والإعلاميّة أعلَنت انسحابَها مِن المُشارَكة في مُؤتمرٍ استثماريٍّ عالميٍّ يُعقَد في الرياض الأُسبوع المُقبِل تحت اسم “دافوس الصَّحراء” احتجاجًا على اختفاءِ الخاشقجي، وجاءَ البيان الثُّلاثيّ البِريطانيّ الألمانيّ الفرنسيّ الصَّادِر عَن وزراء الخارجيّة الذي يُطالِب بتَحقيقٍ موثوقٍ لمَعرفَة حقيقة ما حَدَث في القُنصليّة السعوديّة وتَحديد هُويّة المَسؤولين وتَقديمِهم إلى العَدالة، ليَرُش المَزيد مِن المِلح على جُرح الأزَمَة، وربّما يَجعل مِن حُصول السعوديّة على صَفقات أسلحة أكثَر صُعوبةً، ممّا يَنعكِس سَلبًا على الحَربِ في اليمن.
لَعنَة جمال خاشقجي سَتُطارِد المملكة والمَسؤولين الكِبار فيها لأشْهُرٍ، وربّما لسَنواتٍ قادِمةٍ، خاصَّةً إذا رفعت أمريكا والدُّوَل الأُوروبيّة الغِطاءَ الأمنيّ الحِمائيّ، ويَبدو أنّ هُناك مُؤشِّرات تُوحِي بِذلِك.
هَذهِ الجَريمة إذا تأكَّد تَورُّط المَسؤولين السُّعوديّين فيها، ستُحدِث تغييراتً كبيرةً وربّما جَذريّةً في المملكة، داخِليًا وخارِجيًّا، وسَتكون علامَةً فارِقةً بين مَرحَلتين مُختَلِفَتين كُلِّيًّا، والسعوديّة بعد هَذهِ الأزَمَة، لن تكون مِثلَما كانَ عليهِ الحال قَبْلَها.. والأيّام بَيْنَنَا.