المُباراة السِّياسيّة بين الرئيس بوتين والأمير بن سلمان سَتكون أكثَر أهميّةً مِن نَظيرَتها الكَرويّة في كأسِ العالم..

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 407
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

والأمير السُّعودي الضَّيف لن يُصافِح خَصمِه القَطريّ الذي سيَجلِس على بُعدِ أقدامٍ مَحدودةٍ مِنه.. لكن صَفقة صواريخ “إس 400” والأزمة الخليجيّة سَتكون حاضِرةً بقُوّة.. وإليكُم قراءَتنا غير الكَرويّة للحَدث الأهَم عالِميًّا ومُفارقاتِه السِّياسيّة
عبد الباري عطوان
 الأمْر المُؤكَّد أنّ جَدول أعمال الزِّيارة التي سَيقوم بِها الأمير محمد بن سلمان، وليّ العَهد السعوديّ لموسكو سَيكون مُزدَحِمًا، ولن يَقتَصِر على حُضور المُباراة الافتتاحيّة التي سَتُقام بين مُنتَخَب بِلادِه ونَظيرِه الروسي بحُضور الرئيس الروسي المُضيف فلاديمير بوتين، وعَددٍ كَبيرٍ من الزُّعماء المَدعوين من مُختَلف أنحاءِ العالم، وسيكون من بينهم الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر الوالِد الذي سيُمَثِّل بِلاده في الاحتفالات.
من المُستَبعد أن نَرى مُصافَحةً بين وليّ العَهد السعودي والأمير القطريّ السَّابِق، الذي يَقِف خلف فوز بِلاده بشَرف تنظيم تَصفِيات كأس العالم المُقبِلة عام 2022، وهو الفَوز الذي يُشَكِّل أحد أبرَز الأسباب غَير المُباشِرة، وغير المُتوقَّعة، للأزمةِ الخليجيّةِ الحاليّة بين بِلادِه والدول الأربَع المُقاطِعة لها بزَعامَة السعوديّة، لكن هذه الأزمة سَتكون أحد القضايا الرئيسيّة على مائِدة اللِّقاء بين الأمير السُّعودي الشَّاب والرئيس الروسي في الغُرَف المُغلَقة على هامِش الاحتفال، بطَريقةٍ أو بأُخرَى.
***
نَشرح أكثر ونقول أنّ هُناك ثلاثة مَحاوِر رئيسيّة على جَدوَل أعمال المُباحَثات لا يُمكِن تَجاهُلها بأيِّ شَكلٍ من الأشكال حيث سَتكون قطر حاضِرة في اثنَتين مِنها، بِصِفةً مُباشرةٍ أو غَير مُباشِرة:
ـ الأوّل: بحث تَجديد الاتِّفاق النِّفطيّ الذي جَرى التَّوصُّل إليه مَطلع عام 2017 وينتهي في كانون الأول (ديسمبر) الحاليّ، ويَنُص على تَخفيض الإنتاج النِّفطيّ لكُل من منظمة “أوبك” وروسيا بمُعدَّل 1.8 مليون برميل يَوميًّا وهو الاتِّفاق الذي أدَّى إلى وَقف تدهور الأسعار، وبِدء عَودَتِها إلى الارتفاع، وهُناك من يقول أنّ روسيا لن تُجَدِّد هذا الاتِّفاق مجَّانًا ودُونَ مُقابِل.
ـ الثَّانِي: بحث صفقة صواريخ “إس 400” التي تُفاوِض الأمير محمد بن سلمان مع روسيا على شِرائِها أثناء زِيارته السَّابِقة لموسكو بحُكم كَونِه وزيرًا للدِّفاع في بِلاده، وتَردَّد أنّ الإدارة الأمريكيّة نجحت في إلغائِها بعد مُمارَستها ضُغوطًا كَبيرةً على المملكة.
ـ الثَّالِث: تَحذير المملكة العربيّة السعوديّة لروسيا بعدم بيع هذه الصَّواريخ المُتطوِّرة لدولة قطر عبر فرنسا، حسب ما قالت صحيفة “لوموند” الفرنسيّة، التي نشرت هذا التَّحذير الذي أُرسِل إلى الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون وتَضمَّن أيضًا تَهديدًا سُعوديًّا بقَصف هذه الصَّواريخ في قَواعِدها القطريّة في حالِ حُدوث التَّسليم فِعلاً، لأنّها تُشَكِّل خَطَرًا مُباشِرًا على الأمن القَوميٍ السُّعوديّ.
العقيد قسطنطيني سيفكوف، رئيس أكاديميّة عُلوم الصَّواريخ والمِدفعيّة الروسي فاجَأ الكثيرين ونحن من بينهم، عندما كشف في مُقابلةٍ مع برنامج “قُصارى القول” الذي يُقدِّمه الزميل سلام مسافر عبر قناة “روسيا اليوم” الحُكوميّة الروسيّة “أنّ المملكة العربيّة السعوديّة رضخت للضُّغوط الأمريكيّة، وتَخلَّت عن شِراءِ مَنظومة صواريخ “إس 400”.
العقيد سيفكوف أكَّد أيضًا في المُقابلةِ نَفسِها أنّ تركيا تَعرَّضت لضُغوطٍ أمريكيّةٍ مُماثِلةٍ، لكن الرئيس رجب طيب أردوغان رَفَضَ الخُضوع لها، وقرَّر المُضِي قُدُمًا في الحُصولِ عليها، أمّا فيما يَتعلَّق بالطَّلب القَطريّ لشِرائِها، فأكَّد أنّ روسيا سَتُوافِق على بيع كَتيبةٍ واحِدةٍ من هذه الصَّواريخ فقط بسبب صُغر مساحة قطر، “لأنّ أكثر من كتيبة يعني دُخول مساحاتٍ واسِعةٍ من الأراضي السعوديّة ضِمن نِطاق تِلك الصَّواريخ الأمر الذي يُهَدِّد المِلاحة الجويّة بين البَلدين كَون المملكة لدَيها قواعِد جويّة ستَقع ضِمن نِطاق المَنظومة القطريّة من هذهِ الصَّواريخ”.
ما يُمكِن استخلاصه من أقوالِ العقيد سيفكوف أنّ الرئيس بوتين الذي يُوصَف بالدَّهاء في نَظَرِ خُصومِه وحُلفائِه مَعًا، قد يَستخدِم “الوَرقة القَطريّة”، هَذهِ بفاعِليّة أثناء مُباحثاتِه مع ضَيفِه السُّعوديّ، ويُحاوِل تَسجيل أكثر من هَدفٍ سِياسيٍّ في مَرماه بالتَّوازي مع الأهداف المُحتَملة التي قد يُسَجِّلها هدّافوا فَريقِه الكرَويّ في المُباراةِ الافتتاحيّة ضِد المُنَتخَب السُّعوديّ.
القِيادَة السعوديّة أرادَت شِراء مَنظومة الصَّواريخ الرُّوسيّة المُتطوِّرة جِدًّا بعد إدراكها فَشَل الصَّواريخ الأمريكيّة من طِراز “باتريوت” في التَّصدِّي بكَفاءةٍ عالِيةٍ للصَّواريخ الباليستيّة الحُوثيّة التي وصلت إلى العاصِمَة السعوديّة الرِّياض والمَطار الدَّوليّ فيها إلى جانِبِ مَطاراتٍ مدنيّةٍ وعسكريّةٍ أُخرى في جدّة والطائف وأبها وجازان وخميس مشيط.
التَّقارير العسكريّة المُوثَّقة تُؤكِّد أنّ حركة أنصار الله الحوثيّة أطلقت أكثر من 120 صاروخًا باليستيًّا على أهدافٍ سُعوديّةٍ، جَرى إطلاق أكثر من 500 صاروخ من نوع “باتريوت” للتَّصدِّي لها، كُلفَة كُل صاروخ تَصِل إلى سَبعة ملايين دولار، وهو مَبلغٌ مُكلِفٌ جدًّا، بالنَّظَر إلى صواريخ “إس 400” الروسيّة التي تُعتَبر أقَل كُلفَةً وأكثَر فاعِليّة، وتستطيع التَّصدِّي لهَذهِ الصَّواريخ فَوْر إطلاقِها على بُعد 300 كيلومتر، وإسقاطِها حتى قبل دُخولِها الأجواء السعوديّة في بَعض الحالات، ولهذا السَّبب مَضَت تركيا قُدُمًا في شِرائِها ضارِبةً عَرض الحائِط بالضُّغوط الأمريكيّة، وتَحذيرات حِلف “الناتو”.
أمريكا هَدَّدت تركيا بوَقف بيعها طائِرات الشَّبح من طِراز “إف 35” التي لم تَحْصُل عليها إلا دولةً واحِدة غير سِلاح الجَو الأمريكيّ، وهي إسرائيل، ولكن الرئيس أردوغان لم تُرهِبه هَذهِ التَّهديدات، ورَد عليها بإظهار عَزمِه شِراء طائِرة سوخوي الروسيّة من طِراز “سو 57” التي تُضاهيها قُوَّةً وفاعِليّة.
***
الشَّق السِّياسيّ والاستراتيجيّ لزِيارة الأمير بن سلمان لموسكو سَيكون أكثر أهميّة من شَقّها الكَرويّ، مع تَمنّيَاتِنا بفَوز المُنتخب السُّعوديّ غدًا، وسيَنعكِس بصُورةٍ أكثر وُضوحًا في الأهداف التي سيُحاوِل الرئيس الروسي طَرْحَها في غُرفَة الاجتماعات المُغلَقة مع الضَّيف السعوديّ، والحاكِم الفِعلي للمملكة، وهو بِلا شَك هَدَّافٌ أثبَت براعَته في أكثرِ من مَلعَبٍ، سواء في سورية أو أوكرانيا، ناهِيك عن ملعب “أوبك” النِّفطيّ.
مَنظومة صواريخ “إس 400” هِي أحَد العَناوين الدِّفاعيّة الأبْرَز، وستكون صَفقاتِها السُّعوديّة والقَطريّة والتُّركيّة، وربّما الإيرانيّة مُستَقْبَلاً هي الأوراق الرُّوسيّة الأهَم في مُعادَلات القُوَّة في مِنطَقة “الشَّرق الأوسَط” في المَرحلةِ المُقبِلة.. والأيّام بَيْنَنَا.