قمة مكة الرباعية في ميزان الأزمة الخليجية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 142
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

عمر الردّاد
 يتحاشى الإعلاميون والكتاب والسياسيون وأوساط عديدة في الأردن الإشارة إلى قطر ،عند مناقشة ارتباط قمة مكة بالأزمة الخليجية ،ويبدو أن هذا الموقف مرتبط بادراك بان قطر تعاملت مع الأزمة الاقتصادية في الأردن والحراك الذي وقع قبل أسبوع من منظور قطري بإخضاع تداعيات هذه الأزمة، بما فيها قمة مكة، لما يخدم توجهاتها وأهدافها في إطار أزمتها مع دول الخليج الأخرى ومصر، لذا كان التأكيد على تأييد قطر لحماية الأردن والحفاظ على استقراره، رغم بعض الغمز هنا وهناك ،خاصة عند الحديث عن الثمن الذي دفعه او سيدفعه الأردن مقابل الدعم السعودي الإماراتي في إطار القبول بشروط صفقة القرن، إضافة لانشغالات الأردنيين بتشكيلة الحكومة الجديدة التي كلف الملك شخصية اقتصادية معروفة بتشكيلها ،والتساؤل حول إمكانيات نجاحه في قيادة المرحلة.
يدرك المتابعون لتطورات الحراك في الأردن واتجاهاته ،وعلاقات الأردن بأشقائه ،أن الهبة الخليجية لمساعدة الأردن، التي قادتها المملكة السعودية ،جاءت في إطار إدراك للدول الخليجية الثلاث للرسائل الأردنية التي أطلقها الملك عبدا لله، بعد أن أعلن (إما حل الأزمة أو الذهاب للمجهول) في أوضح تعبير حول حجم الأزمة وتداعياتها، وإدراك خليجي أعمق بان الأردن قد يذهب، في ظل أزمته الاقتصادية ،والبحث عن خيارات دعم بديلة إلى المحور الإيراني التركي ،في ظل إشارات أردنية متكررة ، وعروض سخية إيرانية وتركية لمساعدة الأردن ،خاصة وان هناك أوساطا أردنية تطرح مثل هذه المقاربة كحل للازمة، بالإضافة لأسباب مرتبطة بالأمن القومي السعودي والخليجي، والذي يشكل استقرار الأردن احد ابرز معاييره.
الهبة السعودية الإماراتية الكويتية لمساعدة الأردن ،والتي تجلت بالقمة التي عقدت في مكة بحضور جلالة الملك وولي العهد، أربكت أوساطا إعلامية ،في ظل رسائل إعلامية تتضمن تحميل المملكة السعودية جزءا من أسباب الأزمة ،بوقف المساعدات عن الأردن، فانتقلت تلك الأوساط بين عشية وضحاها من توصيف الحراك الأردني الذي تم على خلفية مشروع الضريبة،بأنه مؤامرة حاكتها السعودية والإمارات ضد الأردن ، لضرب استقراره وتعميق أزمته ، إلى أن قمة مكة،وحتى قبل انعقادها وبعده، تستهدف الأردن،وإنها جاءت في سياقين وهما :مساومة الأردن على تقديم دعم مالي له، مقابل انضمامه لصفقة القرن وانصياعه لشروطها، ومحاولة لاحتواء الحراك الأردني وتداعياته ،في ظل مخاوف سعودية وإماراتية من انتقال مخرجات الحراك الأردني إليها، وبالتالي فان أية مساعدة تقدم للأردن ستكون مشروطة بتنازلات أردنية مفصلية بوقف المشروع الإصلاحي.
وبعيدا عن مخرجات الإعلام الموجه ، فان القواسم المشتركة بين الأردن والأشقاء الخليجيين حقيقة قائمة تجاه السلام ،بدءا من الدعوة الى الحل العادل والشامل للقضية الفلسطينية،ورفض نقل السفارة الأمريكية الى القدس، وتأييد إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس،رغم ما يتردد حول دور سعودي قيادي في صفقة القرن، أما المزاعم بمخاوف سعودية ومن دول الخليج من انتقال الحراك الأردني إليها،فالحراك الأردني انطلق منذ عام 2011، وحراك أيار 2018، هو استمرار له بمعطيات وقوى واليات وأهداف جديدة،أهم ما يميزه حضور وفاعلية التيار المدني ،مقابل غياب الإخوان المسلمين عنه، وهو ما دفع جهات محددة لترديد مقولة ان مؤامرة سعودية إماراتية حيكت بليل ضد الأردن.
ولم يذهب الأردن إلى قمة مكة الرباعية في إطار المغالبة،وهو ليس على خصومة مع أشقائه الخليجيين ،ولا يبحث عن انتصارات في الخليج، وأدرك منذ البداية أن أزمة قطر مع جيرانها، أزمة يجب أن يتم حلها في البيت الخليجي والعربي، رغم ان مواقفه تجاه إيران والإرهاب، تتقاطع مع مواقف المملكة السعودية والإمارات والكويت، كما انه لم يتخذ موقفا منحازا ضد قطر،واكتفى بتخفيض التمثيل الدبلوماسي ،إذ أن العلاقة الثنائية بين البلدين، كانت “قبل الأزمة”تسير تحت عنوان شمول الأردن في قائمة المستهدفين من قبل قطر، وخاصة من قبل قناة الجزيرة، وان قطر هي الدولة الخليجية التي تخلفت عن دفع حصتها للأردن في المنحة الخليجية، ورغم ذلك فان حصول الأردن على مساعدة من الأشقاء الخليجيين في قمة مكة لا يعني أن الأردن أصبح ضد قطر، فوسطية الأردن واعتداله وصبره ثوابت بالسياسة الأردنية، تمت ترجمتها بموقف يتقاطع مع الموقف الكويتي من الأزمة الخليجية.
ربما كان الأردنيون يأملون من أشقائهم بأكثر من ذلك(2,5مليار دولار على مدى أربع سنوات ،إضافة لضمانات للبنك الدولي بتقديم قروض للأردن)،في ظل الأزمة الاقتصادية الطاحنة،لكنهم يقدرون تلك المساعدات وتلك الهبة، مدركين الفرق بين الأقوال والأفعال،بين من قدم وأعطى ،وبين من يريدون “توظيف” أزمتهم لأجنداتهم، ويدركون أكثر أن لا مناص من سياسات اقتصادية جوهرها الاعتماد على الذات في التنمية بمفهومها الشامل، ويترقبون ليس فقط انعكاسات هذه المساعدات على اقتصاديات بلدهم الكلية ،بل على قدرة تلك المساعدات بالتخفيف عن كواهلهم.
كاتب ،وباحث بالامن الاستراتيجي