«بن سلمان» بأمريكا.. زيارة حاصرتها ملفات الحرب والفساد

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 136
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

محمد المنشاوي
 جاءت زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان للولايات المتحدة -التي استغرقت أسبوعين كاملين- علامةً فارقةً في تاريخ العلاقات بين واشنطن والرياض؛ إذ يمكن اعتبارها بمثابة التأسيس الثاني لعلاقات خاصة، تجمع الدولة الأقوى اليوم بالمملكة التي تحتضن أراضيها أهم مقدسات المسلمين بمكة المكرمة والمدينة المنورة.
قبل 75 عاما جاء التأسيس الأول للعلاقات الأميركية/السعودية على أساس معادلة بسيطة، خلاصتها توفير الدعم الأميركي لأمن وحدود الدولة السعودية وعائلتها الحاكمة، مقابل ضمان ضح البترول السعودي إلى الولايات المتحدة والأسواق العالمية.
ومع التطورات العالمية والإقليمية المتسارعة والمتشابكة؛ أصبحت هذه المعادلة بمثابة ماضٍ بعيد، ولذا كان من الضروري تدشين أساس جديد لعلاقات واشنطن بالرياض.
من هنا جاء ابن سلمان مروجا ومناديا بعلاقات مختلفة تجمع واشنطن بمملكته، تلك المملكة التي تشهد تغيرات داخلية هامة، وتسعى -في الوقت نفسه- للعب دور خارجي نشط دبلوماسياً وعسكرياً، وهو يتناقض بدوره مع ما عُرف عنها من تبني سياسة خارجية محافظة.
من ناحيتها؛ احتفت إدارة الرئيس دونالد ترمب بالأمير السعودي الشاب الذي تراه عنصرا هاما في تنفيذ تصوراتها لشرق أوسط جديد يخدم بصورة مباشرة أهداف واشنطن، ويضمن لحليفها الإسرائيلي علاقات دافئة علنية مع إحدى أهم الدول العربية والإسلامية.

دعاية بلا حدود
رغم ما صاحب الزيارة من حملات دعائية وأنشطة ترويجية لا تتوقف قدمتها شركات اللوبي والعلاقات العامة، ممن تعاقدت معهم الحكومة السعودية خلال العامين الأخيرين؛ فإنه من المبكر الحكم على نجاح زيارة ابن سلمان في تغيير الصورة الذهنية السلبية عن السعودية في أميركا.
لكن من المؤكد أن زيارة ولي العهد السعودي لم تقلل من مخاوف أغلب دوائر النخبة الأميركية -ممثلةً في الإعلام ومراكز الأبحاث والأكاديميين والسياسيين- من مخاطر التحالف التام مع الأمير الشاب، الذي تظهر ضآلةُ خبرتِه في تبني سياسات خارجية متهورة كما حدث تجاه اليمن وقطر ولبنان.
وقد ساهم في تشكيل هذه الرؤية المتحفظة ما تشهده واشنطن نفسها من انقسامات حادة، واستقطاب سياسي غير مسبوق بين معسكر ترمب المؤيد لابن سلمان والمعارضين له، سواء كانوا الحزب الديمقراطي أو بعض دوائر المؤسسة الجمهورية التقليدية.
ومع اهتمام كبريات وسائل الإعلام الأميركية بالزيارة لأسباب عديدة، تم التعبير عنها في لقاءات صحفية كثيرة مع ابن سلمان (في برنامج "ستون دقيقة"، ومجلة "ذي أتلانتيك"، ومجلة "نيويوركر")؛ لم تكن ردود ابن سلمان وحججه السياسية أو التاريخية مقنعة. وحتى إنه عندما حاول الخروج عن النص السعودي التقليدي المحافظ، كانت لبعض إجاباته ردود أفعال جاءت بعكس ما تمناه.
فقد اعتقد بن سلمان أن تكراره مقولات من قبيل أن بلاده وإسرائيل يجمعهما هدف مشترك يتمثل في العداء للمشروع الإيراني في المنطقة، ومعارضتهما الشديدة للاتفاق النووي الذي أبرمته طهران مع القوى الكبرى؛ كفيل بقبوله من دوائر اللوبي اليهودية النافذة وقوى اليمين الجمهوري المحافظ.
وجاءت كلماته لمجلة "ذي أتلانتيك" -التي قال فيها "أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أراضيهم الخاصة"- لتكون المرة الأولى التي يتحدث فيها زعيم عربي عن "أراضٍ خاصة" بإسرائيل.
إلا أن ما ذكره -في نفس المقابلة- من تشبيه المرشد الأعلى للثورة الإيراني علي خامنئي بأدولف هتلر أفقده تعاطف دوائر يهودية مؤثرة، لا تحبذ أن يشبَّه أي حاكم مهما كان حجم طغيانه أو ظلمه بأدولف هتلر.
فحين قال ابن سلمان: "أعتقد أن الزعيم الإيراني الأعلى يجعل هتلر يبدو جيدا"؛ جاء رد محاوره جيفري غولدبيرغ ساخرا: "حقا"، فأضاف ابن سلمان "إن هتلر لم يفعل ما يحاول المرشد الأعلى القيام به، لقد حاول هتلر إخضاع أوروبا. هذا سيئ، لكن المرشد الأعلى يحاول غزو العالم، فهو يعتقد أنه يملك العالم. كلاهما من الأشرار".
ومع انفتاح ابن سلمان على إسرائيل، وعدم ذكره كثيرا القضية الفلسطينية أو حقوق شعبها المستباحة، أو حتى اعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل؛ إلا أن بوابة واشنطن للتطبيع مع إسرائيل لها محدداتها.
وبعدما التقى ابن سلمان مجموعة من زعماء الديانة اليهودية في نيويورك، وهو الاجتماع الذي ضم أيضا قادة اللوبي اليهودي (منهم ممثلون عن منظمة آيباك، ومؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية، ورابطة مكافحة التشهير، واللجنة اليهودية الأميركية)؛ لم تغير هذه الدوائر موقفها المتشدد تجاه السعودية، وما زالت تطالب ابن سلمان بالمزيد تجاه إسرائيل وبالضغط على الفلسطينيين.

سكوت عن «جاستا»
خلال وجود ابن سلمان في الولايات المتحدة؛ رفض قاضٍ أميركي إلغاء مجموعة دعاوى قضائية ضد الحكومة السعودية وفقا لـ"قانون جاستا"، الذي يتيح محاكمة دول وأشخاص يتمتعون بحصانات سيادية في جرائم تتعلق بعمليات إرهابية وقعت داخل الأراضي الأميركية.
وجاء قرار القاضي ليسمح لعائلات ضحايا هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 بطلب تعويضات من الحكومة السعودية، على خلفية اتهاماها بدور مباشر وغير مباشر في دعم وتمويل منفذي هذه الهجمات، التي فقد فيها ثلاثة آلاف أميركي أرواحهم.
لم يُعلق ابن سلمان ولا المسؤولون الأميركيون على قرار المحكمة، وبدلا من ذلك انبرى الأمير السعودي لاتهام جماعة الإخوان المسلمين بالإرهاب، ونفى أن تكون بلاده تتبع الفكر الوهابي المتشدد. فخلال حواره مع مجلة "ذي أتلانتيك"؛ ادعى ابن سلمان أنه لا يمكن لأحد تعريف "الوهابية"، وقال "نحن لا نعتقد أن لدينا فكراً وهابياً".
ولم يكن مقنعا ادعاء ابن سلمان وجود علاقات بين أسامة بن لادن وجماعة الإخوان المسلمين، وافترض أن الأميركيين نسوا أن من بين التسعة عشر إرهابيا -ممن ارتكبوا هجمات 11 سبتمبر/أيلول- كان هناك 15 سعوديا.
في ملف اليمن؛ لم يسلم ولي العهد السعودي -خلال زيارته الطويلة لأميركا- من أسئلة تتعلق بالأوضاع الإنسانية المتدهورة هناك، ولم ينس الإعلام الأميركي أن الحرب السعودية في اليمن حدثت بتوقيع كامل من محمد بن سلمان بوصفه وزير الدفاع، لتصبح مستنقعا للمملكة وعبئا كبيرا على حليفها الأميركي.
ولم يستطع ابن سلمان أن يُذكر الأميركيين بأن بلاده تقود -بلا توقف منذ ثلاث سنوات- عملية عسكرية باليمن لم يكتب لها النجاح، وهو ما يزيد النفوذ الإيراني هناك، ناهيك عن المعاناة الإنسانية بسبب مقتل ما لا يقل عن عشرة آلاف شخص، وانتشار الأوبئة والمجاعات. كما أنه لم يعرض أي خطط لإنهاء المأساة اليمنية التي يراها أعضاء كثر في الكونغرس مغامرة عسكرية غير محسوبة من ابن سلمان.
ويعتقد الباحث في معهد بروكينغز بروس رايدل أن "معدل إنفاق الرياض على العمليات العسكرية في اليمن يقارب 700 مليون دولار شهريا". ومع مرور الذكرى السنوية الثالثة للتدخل السعودي في اليمن، وإذا صحت تقديرات الخبير الأميركي؛ فإن السعودية فقدت أكثر من 25 مليار دولار في مغامرات عسكرية مستمرة بلا توقف.
وخلال وجود ابن سلمان بأميركا؛ حاول مجلسُ الشيوخ الأميركي إنهاءَ الدعم المقدم للحملة العسكرية السعودية في اليمن، وذلك بتصويته على مشروع قرار يقضي بوقف الدعم الأميركي العسكري هناك.
ورغم رفض مشروع القرار بعد تصويت 55 عضوا ضده مقابل تأييد 44 عضوا؛ فإنه أعاد التركيز على الفشل السعودي وفشل رؤية ابن سلمان للأزمة اليمينية، وأظهر تزايد المعارضة للحرب التي تقودها السعودية هناك.
ومن المعروف أن واشنطن تقدم -منذ بدء المعارك في اليمن قبل ثلاث سنوات- دعما غير قتالي للسعودية، يتمثل في تبادل المعلومات الاستخبارية وإعادة التزود بالوقود جوا لطائراتها الحربية.

قائد ومصلح.. لكن!
رُوّج لابن سلمان في الولايات المتحدة بخطاب يصفه بأنه "قائد شاب ومصلح"، فهو قائد يطمح إلى فكّ أغلال 32 مليون مواطن سعودي (بينهم 16 مليون امرأة سعودية)، كي ينطلقون بلا حدود في مجالات الاقتصاد والابتكار وريادة الأعمال، والأنشطة الاجتماعية الحديثة كالسينما وقيادة السيارات. ويتحدث بن سلمان عن فتح الآفاق المختلفة أمام شعبه، لكن دون السماح بأي حقوق سياسية أو حريات ديمقراطية.
إلا أن أخبار بذخه الشخص سبقته إلى أميركا، ولم يكن من الحكمة الترويج لنهجه سياسات اقتصادية تقشفية، إضافة لدعواته المتكررة لكبريات الشركات الأميركية بالقدوم والاستثمار في بلاده؛ في وقت قبض فيه على المئات من كبار رجال المال والأعمال السعوديين، واحتجزهم في فندق الريتز بالرياض وابتزّهم للحصول على أكثر من مئة مليار دولار، بعيدا عن أي إجراءات قضائية أو قانونية.
فقد أعادت وسائل الإعلام المختلفة التذكيرَ بشرائه يختاً من رجل أعمال روسي بأكثر من نصف مليار دولار، وشرائه لوحة في مزاد علني بما يقارب 450 مليون دولار، إضافة إلى شرائه قصر لويس الرابع عشر في الريف الفرنسي بأكثر من 300 مليون دولار.
وركزت تحليلات على أن هذا ليس بسلوك مصلح اقتصادي في القرن الواحد والعشرين، ومن ثم كانت إجابة ابن سلمان -عندما واجهته مذيعة برنامج "ستون دقيقة" بسؤال مباغتٍ عن نمط بذخه وإنفاقه- هي قوله: "أما ما يتعلق بإنفاقي الشخصي؛ فإنني شخص غني ولست فقيرا، كما لست غاندي أو مانديلا، أنا فرد من العائلة الحاكمة الموجودة منذ مئات السنين قبل تأسيس المملكة العربية السعودية".
وادعى ابن سلمان أن أمام شباب بلاده فرصا لا تعدّ للانطلاق والابتكار، إلا أن جيفري غولدبيرغ أنهى لقاءه معه بقوله: "إن ستيف جوبز كان يتمتع بالحرية، فقد عاش في بلد يُمكّنه من فعل أي شيء؛ ولا أعتقد أن أحداً سيصف المملكة العربية السعودية بأنها مكان يمكنك فيه القيام بأي شيء، من ناحية حقوق الإنسان والحرية".
لقد سألت بعض المعلقين الأميركيين المتابعين للزيارة عما رأوه في الأمير السعودي الشاب، فقالوا إنهم رأوا "شخصا نرجسيا يتوهم أنه مُخلص ومُنقذ للعرب وللإسلام"، وخطورة هذا الطرح غير الواقعي تكمن في أن إدارة ترمب لا تمانع فيه، بل تراه مناسبا لتنفيذ رؤيتها المتطرفة لشرق أوسط جديد!!

- محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأميركية من واشنطن.
المصدر | الجزيرة نت