«فورين أفيرز»: مخططات وأحلام الملك السعودي المقبل

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 576
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 لا يتحول ريتز كارلتون في كثير من الأحيان لمنشأة احتجاز. لكن في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما تم القبض على شريحة كبيرة من النخبة السعودية بتهمة الفساد، أصبح الفندق الفخم في الرياض سجنا مذهّبا لمئات من الأمراء والمليارديرات والمسؤولين الحكوميين رفيعي المستوى وكان يقف وراء هذه الحملة ولي العهد الشاب «محمد بن سلمان»، الذي يحاول إعادة تشكيل اقتصاد المملكة والحياة الاجتماعية، وحتى عائلة آل سعود نفسها.

ويعد «بن سلمان» بالفعل الشخصية الأقوى في التاريخ السعودي المعاصر، حيث همش أعضاء آخرين من العائلة الحاكمة بدعم كامل من والده الملك «سلمان» حيث إن سلطته المركزة والواضحة على النظام تجعل من الممكن له أن يفعل أشياء عظيمة لكنه أزال أيضا القيود التي جعلت السياسة الخارجية والداخلية السعودية حذرة ومحافظة وناجحة في نهاية المطاف وسط أزمات الشرق الأوسط الحديث. وستبقى الإجابة مفتوحة عما إذا كان بإمكان ولي العهد إدارة الرهانات العالية التي وصفها خبير الشرق الأوسط «برنارد هيكل» بـ«ثورة فوقية»، من دون زعزعة استقرار بلاده وإضافة المزيد من الفوضى في المنطقة.

وتقول الحكمة التقليدية إن النظام السعودي يرتكز على ميثاق اجتماعي بين العائلة الحاكمة والمؤسسة الدينية والنخبة الاقتصادية ويوجد لدى النظام بما يكفي من الثروة النفطية لتمويل دولة الرفاهية لكن هذا الرأي هو نصف الحقيقة فقط. وعلى مر العقود، جعلت الثروة النفطية الأمراء الحاكمين فوق الأعضاء الآخرين في بيت آل سعود الممتد وتتبع النخب الدينية الآن لبيروقراطية الدولة، ولا تعد من الشركاء المتساوين في الحكم. كما أن مجتمع الأعمال هو أيضا شريك صغير جدا في حصة السلطة اليوم.

وتعيد حملة ولي العهد تعريف دور أعمدة الدعم التقليدية للنظام، بينما تستقطب بطرق غير عادية، الرأي العام السعودي. وحتى الآن، يبدو أن «بن سلمان» يحظى بشعبية بين العديد من السعوديين (على الرغم من أن المقاييس الدقيقة للرأي العام يصعب فهمها في الأنظمة الاستبدادية). ولكن المشكلة هي أن الرأي العام متقلب والمصالح المؤسسية تعتبر أكثر موثوقية للحكم الملكي.

ويعد هدف ولي العهد الأكثر طموحا، والذي حدده في خطة رؤيته لعام 2030، هو تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل اعتماده على النفط حيث أقنعه انهيار أسعار النفط في عام 2014 بأن المملكة لم تعد قادرة على دعم دولة الرفاهية التي كانت قائمة منذ السبعينيات، وخفض بالفعل الدعم على المرافق التي كانت مجانية عمليا في الماضي مثل المياه والكهرباء، وفرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5% على العديد من المعاملات التجارية. ويعتبر القطاع الخاص هو المفتاح لنجاح الخطة.

وفي الوقت الحالي، يتم توظيف الغالبية العظمى من العمال السعوديين من قبل الدولة ولكن رؤية 2030 تدعو القطاع الخاص إلى الاستثمار أكثر في الاقتصاد ليصبح مصدرا أكبر للعمالة وتهدف خصخصة 5% من شركة النفط الحكومية أرامكو السعودية - العنصر الأكثر شهرة في رؤية 2030 - إلى توليد إيرادات لصندوق الاستثمار الحكومي الحكومي، الذي سيستثمر في الداخل وفي الخارج.

وبالنظر إلى كل هذه المقدمات، يبقى ما حدث في ريتز كارلتون محيرا، فلماذا اعتقل ولي العهد أركان القطاع الخاص الذين يحتاجهم إلى تشغيل رؤية 2030 ؟ ويؤكد المسؤولون السعوديون أن مكافحة الفساد ستساعد على تسريع المنافسة وتشجع على زيادة الاستثمار في المستقبل إلا أن أساليب القمع والتعتيم التي تتبعها الحملة والمفاوضات المالية التي تم التفاوض بشأنها لجرائم غير محددة، والاستخدام المزعوم للتكتيكات القسرية الوحشية، يمكن أن يقود البلاد إلى الاتجاه المعاكس.

وسوف يحدد المسار الذي اختاره «بن سلمان» في أعقاب الحملة ريتز كارلتون مستقبل بلاده.

بوتين أم تشي؟

سيتوقف التأثير طويل المدى على طبيعة القائد الذي يتمثله «بن سلمان»، وهل هو مثل الرئيس الصيني «شي جين بينغ»، سوف يستخدم حملة مكافحة الفساد ليس فقط من أجل تصفية الحسابات السياسية، بل وأيضاً لإصلاح الاقتصاد، وفي هذه الحالة، قد يصبح القطاع الخاص المعاد تكوينه مع الحوافز الصحيحة والسياسة الحكومية السليمة محركًا للنمو.

ومن ناحية أخرى، إذا اختار «بن سلمان» التشبه بالرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، فإنه سيستبدل القلة الحاكمة القديمة بأخرى جديدة من اختياره ومن المؤكد أن هذا النهج يبدو أكثر سهولة.

ومن شأن هذا النهج أن يعزز قوة ولي العهد، لكنه يقوض إمكانات الإصلاح الجاد. وبشكل أكثر إثارة للقلق قد يكون نهج ولي العهد أشبه بالملك «هنري الثامن»، الذي اختار مواجهة تصاعد النفقات بسبب تصاعد الحروب في الخارج، عبر الاستيلاء على الأديرة وغيرها من الأوقاف الدينية وبيعها. وهناك بعض المؤشرات على أن «بن سلمان» يشعر بضغوط مالية مماثلة، وذكرت صحيفة وول ستريت جورنال أن الملك «سلمان» لم ينجح في حث رجال الأعمال البارزين للمساهمة في خزائن الحكومة، كما أن خطط ولي العهد الأكثر طموحا، مثل بناء مدينة مستقبلية يطلق عليها «نيوم»، لم تثر حماسة كبيرة لدى نخبة رجال الأعمال السعوديين.

ولكن الضغط على زعماء الأعمال من شأنه أن يدر المال للمشاريع، لكن هذا التكتيك لا يمكن استخدامه إلا مرة واحدة فإذا اعتقد المستثمرون الأجانب ونخبة رجال الأعمال المحليين بأنهم يتعرضون دومًا لخطر الاعتقال أو مصادرة أصولهم، فسيقل احتمال استثمارهم في البلاد.

على الأقل، أعاد ولي العهد تعريف معنى الفساد في المملكة لكن المشكلة هي أن المراقبين، سواء المحليين أو الأجانب، لم يتضح لهم بعد ما هو التعريف الجديد، وسوف يحدد المسار الذي اختاره «بن سلمان» في أعقاب حملة ريتز كارلتون المستقبل.

نخب تابعة

على الصعيد الاجتماعي، اتخذ ولي العهد بالفعل قرارات جريئة. ففي سبتمبر/أيلول، عالج أكثر القضايا الاجتماعية السعودية إثارة للاهتمام من خلال إعلان منح المرأة السعودية الحق في قيادة السيارة.

ومع ارتفاع مستويات التعليم وخوض المزيد من السعوديين لتجربة الحياة في الخارج، فإن الحجة القائلة بأن المملكة لم تكن لهذا التغيير، أصبحت جوفاء، كما أن اعتراضات بعض رجال الدين بأن القيادة من شأنها تعريض الموقف الأخلاقي للمرأة السعودية للخطر هي الأخرى ليست منطقية، نظرًا لأن البديل هو أن توظف المرأة السعودية السائقين الذكور الذين ليسوا من محارمها. وكان المجتمع السعودي جاهزًا لهذا التغيير منذ بعض الوقت لكن قادة البلاد كانوا يفتقرون ببساطة إلى الإرادة السياسية لإطلاق القرار وولي العهد الحالي لديه هذه الإرادة السياسية.

ويبدو أن وجود نساء وراء عجلة القيادة سيجلب تغييرات هائلة إلى البلاد حيث سيتمكن عدد أكبر من النساء من الانضمام إلى قوة العمل ولن يعود هناك حاجة لمئات الآلاف من العمال الأجانب الذين يعملون كسائقين، ولن يضطر الرجال لإنفاق ساعات عمل منتجة لنقل زوجاتهم وأمهاتهم وأخواتهم إلى مواعيد الطبيب والاجتماعات الأخرى.

وتحدث ولي العهد أيضا عن «العودة إلى الإسلام المتسامح المعتدل المنفتح على العالم». وفي مساعيه نحو ذلك، قيد صلاحيات الشرطة الدينية وفتح الحياة الاجتماعية السعودية، وسوف تساعد الحفلات الموسيقية ودور السينما وحضور النساء في مباريات كرة القدم وعدد أكبر من المناسبات الاجتماعية العامة في جعل البلاد أكثر طبيعية.

ومما لا شك فيه أن البعض في الدوائر الدينية الأكثر تحفظًا سيعترضون على كل هذا، وقد تكون هناك حالات معزولة من ردات الأفعال العنيفة، كما حدث عندما سمحت البلاد بالتليفزيون والتعليم للفتيات في الستينيات لكن التاريخ يظهر أن هذه التغييرات ستصبح طبيعية في القريب العاجل وستكون زوجات رجال الدين من بين أوليات النساء خلف عجلة القيادة.

ويعطي كل هذا التغيير الاجتماعي صورة أكثر دقة عن العلاقة بين المؤسسة الدينية والأسرة الحاكمة. ففي نهاية المطاف، فإن النخب الدينية هم موظفون حكوميون يتلقون الأوامر، وليسوا لاعبين متساويين لهم حق النقض على سياسة الحكومة.

وبخلال كل أزمة كبيرة في التاريخ السعودي الحديث، دعمت المؤسسة الدينية قرارات الحكومة، بما في ذلك تنفيذ التغييرات الاجتماعية في الستينيات، واستعادة المسجد الحرام في مكة من المتعصبين في عام 1979، وكذلك دعوة القوات الأجنبية في التسعينيات.

قد لا تحب النخب الدينية سياسات ولي العهد، لكنها لن تقود معارضة ضده حيث يمكن أن تأتي المعارضة الدينية للنظام من خارج الدوائر الرسمية، من الإسلاميين الذين يدعون إلى مزيد من التقيد بالشريعة الإسلامية والمزيد من الحرية السياسية وقد تمكنت الدولة من قمع هذه الحركات في القرن الماضي ويعتقد أنها ما زالت تستطيع ذلك.

سلطة غير مشروعة

وكان تعزيز ولي العهد للسلطة داخل الأسرة الحاكمة غير مسبوق منذ ستينيات القرن العشرين، فقد حكّمت المملكة نخبة من الأمراء الكبار تقاسموا السلطة وسعوا جميعًا إلى الحصول على إجماع حول القرارات المهمة. وكان لهذا النمط من الحكم آثاره البيروقراطية المتمثلة في البطء والروتينية والمحافظة ولكنه كان فضائله أيضا فقد كانت قراراته مدروسة جيداً، وتحظى بإجماع كبير.

ولكن الأمور لم تستمر على ذلك. وعندما تولى الملك «سلمان» العرش عام 2015 ، عين أخاه غير الشقيق الأمير «مقرن بن عبد العزيز» لكنه سرعان ما أطاح به لصالح أحد أبناء أخيه وهو «محمد بن نايف» وهو ابن الجيل الثالث للأسرة العائلة المالكة السعودية، وابن وزير الداخلية السابق وقد ورث قيادة تلك الوزارة من والده. وكان «بن نايف» هو نقطة الاتصال الرئيسية مع المسؤولين الأمريكيين في مجال مكافحة الإرهاب، لذا بدا اختياره للحكم خطوة آمنة وحظيت بتأييد كبير في واشنطن.

لكن في يونيو/ حزيران 2017، عزله الملك «سلمان» من منصبه كولي للعهد ومن منصبه الوزاري ووضع ابنه المفضل ليصبح ولي العهد والوريث للعرش. كان صعود ولي العهد الجديد سريعًا بشكل ملحوظ، إذ أصبح «بن سلمان» وزيرا لأول مرة قبل عامين فقط، كوزير للدفاع.

واليوم، تضم الحكومة السعودية عدد أقل من أعضاء العائلة الحاكمة مقارنة بأي وقت مضى منذ الخمسينات، ولا يزال الملك رئيساً للوزراء، وولي العهد هو وزير الدفاع ونائب رئيس الوزراء، لكن المنصب الوزاري الآخر الوحيد الذي يشغله أحد أفراد الأسرة هو وزارة الداخلية، الذي يحتفظ به ابن أخ لـ«محمد بن نايف» وهو من الجيل الرابع (هناك أيضا وزيرا دولة ملكيين، أحدهما ابن آخر للملك سلمان ، لكنهما يفتقران إلى حقيبة وزارية).

في الواقع، أزاح ولي العهد عددا كبيرا من أبناء عمه الأكبر سناً، الذين كان العديد منهم يشغلون مناصب رفيعة في الحكومة وكانوا يتطلعون إلى وراثة مقاعد آبائهم على طاولة صنع القرار. وتسبب هذا في الكثير من التذمر في الأوساط العائلية، والتي تسرب بعضها إلى الصحافة الغربية ولكن لا توجد مؤشرات، على الأقل علنا، على وجود تعبئة جادة داخل عائلة آل سعود لعرقلة «بن سلمان».

وحدثت انقسامات خطيرة في العائلة سابقا في أواخر الخمسينات وأوائل الستينيات، عندما كان الملك «سعود» وولي العهد الأمير «فيصل» في السلطة، وتم استدعاء مجالس العائلة للفصل في النزاع، وفي النهاية، عزلت العائلة الملك «سعود» عام 1964 ولكن لا شيء يقترب من هذا النوع من المنافسة المفتوحة على السلطة يحدث الآن.

ولكن من الوارد أن يواجه «بن سلمان» معارضة عائلية عندما يموت والده. وتحسبا لأي حركة ضده، يسعى ولي العهد لاستقطاب أفراد الأسرة الأصغر سنا، خاصة في الجيل الرابع ، الذين هم دونه في التسلسل الهرمي ولكن قريبين من عمره من خلال تعيين العديد منهم في المناصب الوزارية وفي مواقع في المحافظات الإقليمية ويمكن أن يصبح هؤلاء أنصاره إذا ظهرت مشكلة. ولكن في الوقت الحالي، يبدو أن طريقه إلى القوة المطلقة آمن.

سياسات عدوانية

يقف ولي العهد الآن في قمة عملية صنع القرار السعودية وقد منحه الملك صلاحيات واسعة النطاق، مما سمح له باتخاذ قرارات صعبة، مثل متابعة الإصلاح الاقتصادي والسماح للنساء بقيادة السيارة، ولكن هذا يعني أيضًا أن هناك القليل من الكوابح على قائد طموح قد لا يحسب تمامًا عواقب بعض أفعاله.

وتشير بعض قرارات السياسة الخارجية السعودية الأخيرة إلى قدر معين من الاستهتار ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2017، على سبيل المثال، بينما كانت حملة ريتز كارلتون مستمرة، قام رئيس الوزراء اللبناني «سعد الحريري» بزيارة غير مسبوقة إلى الرياض وبعد بضعة أيام، أعلن استقالته من العاصمة السعودية، تحت ضغط واضح من «بن سلمان» وكان من الواضح أن هذه لعبة سعودية تهدف إلى ممارسة الضغط على النظام السياسي اللبناني على أمل توجيه ضربة إلى حزب الله، حليف إيران في لبنان.

وبدلاً من ذلك، فإن هذه الخطوة جاءت بنتائج عكسية، حيث طلب حلفاء السعودية في الولايات المتحدة وأوروبا من المملكة التراجع، وبعد بضعة أسابيع، عاد «الحريري» إلى لبنان وألغى استقالته، وبالمثل، في صيف عام 2017، قادت السعودية والإمارات عدداً من الدول العربية الأخرى في مقاطعة لقطر، واتهمت القطريين بدعم الجماعات الإسلامية، ودعم الإرهابيين، والتدخل في السياسات الداخلية لجيرانها لكن بعيداً عن هذه القساوة، قاومت دولة قطر الضغط واستمدت الدعم من إيران وتركيا، وفي كلتا الحالتين ، لم تحقق المملكة العربية السعودية أهدافها.

 يصنف كثيرون الهجوم العسكري الإماراتي السعودي في اليمن كمثال آخر على سياسة «بن سلمان» العدوانية وغير الناجحة. ومما لا شك فيه أن السعوديين وشركاءهم افترضوا أن العملية، التي بدأت في 2015، ستهزم الحوثيين بسرعة وتستعيد الحليف السعودي «عبدربه منصور هادي» إلى القصر الرئاسي في صنعاء، ولكن اتضح أن الأمر ليس بهذه الطريقة.

وتصاعد الضغط الدولي على الرياض مع وصول الخسائر البشرية للحملة إلى مستويات مثيرة للقلق لكن على عكس لبنان وقطر فإن الحملة اليمنية ترتبط بشكل مباشر بما يعتبره معظم السعوديين أمنهم القومي، ويمكن للمرء أن يجادل حول مدى ارتباط الحوثيين بإيران، لكن السعودية تعتبر السيطرة الحوثية على اليمن بمثابة السماح لإيران بقاعدة نفوذ في شبه الجزيرة العربية، ولم تكن أي حكومة سعودية لتسمح لهذا أن يحدث وبالرغم من أن الحرب في اليمن هي استنزاف للموارد السعودية ووصمة عار على سمعة البلاد الدولية، لكنها لا تزال تحظى بتأييد واسع بين النخب السعودية والسؤال الآن هو كيف تصل الحرب إلى نهاية.

 وعلى عكس الزعماء السعوديين السابقين، يمكن لـ«بن سلمان» اتخاذ قرارات دراماتيكية من جانب واحد لكن حرية العمل هذه تعني أيضا أنه يمكن أن ينخرط في مغامرات في السياسة الخارجية لم تكن طرقت في ظل الحكام السابقين وأيضا ربما يتعلم من أخطائه، ولكن بالنظر إلى طموحه واندفاعه، يجب أن يتوقع العالم المزيد من المفاجآت.

الأمير والشعب

لا يملك ولي العهد سوى القليل من الضوابط على قدرته على اتخاذ القرار من داخل النظام السياسي السعودي، لكنه لا يزال يتعين عليه الاستجابة للمطالب العامة أكثر من أي زعيم سعودي آخر، نظرا لاعتماده الدعم الشعبي، خاصة بين السعوديين الأصغر سنا.

واستجاب ولي العهد للتذمر العام بشأن ارتفاع أسعار المياه والكهرباء والبنزين وفرض ضريبة القيمة المضافة البالغة وقام بإعادة زيادة الرواتب السنوية لموظفي الحكومة التي تم تعليقها كجزء من التحركات التقشفية السابقة، ومنح الموظفين الحكوميين مكافأة تبلغ حوالي 250 دولارًا شهريًا كبدل لغلاء المعيشة، وعزز الدعم للسعوديين في الطبقات الاقتصادية المتوسطة والدنيا، ويقول المسؤولون السعوديون الآن إن الأموال التي تم استردادها من عملية التحقيق في فندق ريتز كارلتون سيتم استخدامها لدعم هذه الأهداف.

ويمكن قراءة هذه الفوائد الجديدة على أنها ابتعاد عن أهداف رؤية ولي العهد، ولكن من الأفضل النظر إليها كرد فعل ضروري لاسترضاء الرأي العام، وجعلت سنتان من ارتفاع أسعار النفط فرض التقشف أمرا صعبا وتعد التضحيات التي كانت مقبولة لدى السعوديين عندما كان سعر النفط 30 دولارا للبرميل أقل مع سعر النفط فوق 60 دولارا للبرميل، وعلى الرغم من أن ولي العهد قد يكون عنيدًا وعنيفًا، إلا أنه لا يزال يدرك أنه بحاجة إلى الدعك لتحويل النظام السعودي، وعليه أيضاً أن يرسي فهماً جديداً لما ستقدمه الدولة لمواطنيها، في وقت سيبدو فيه الحد من دولة الرفاهية دون إثارة الجمهور التحدي الأكثر صعوبة.

دروس للولايات المتحدة

ربما لم تسفر تحركات ولي العهد في أي مكان عن مزيد من الفضول والأمل والخوف أكثر من واشنطن. ففي الولايات المتحدة يعد «دونالد ترامب» مؤيدا متحمسا لـ«بن سلمان» وفي بعض الأحيان متحمسا للغاية. وحقيقة أن «بن سلمان» أصبح وليا للعهد بعد أسابيع قليلة فقط من زيارة ترامب للسعودية في مايو/أيار 2017، تركت انطباعا بأن واشنطن كان لها علاقة بالتغيير، وقد أشار البيت الأبيض إلى دعمه الصريح لحملة مكافحة الفساد السعودية وكذا للحصار الذي فرضته المملكة ضد قطر.

وعلى الرغم من أن احتضان ترامب العلني لولي العهد قد لا يخدم مصلحة أي منهما على المدى الطويل، إلا أنه مما لا شك فيه أن ذلك يعطى واشنطن نفوذاً كبيرا على الرياض على المدى القصير ويجب على الإدارة التفكير بعناية في كيفية استخدام هذا التأثير.

إن إقناع السعوديين بالمشاركة في جهد جديد لتسوية النزاع الإسرائيلي الفلسطيني أمر منطقي، ولكن فقط إذا كانت خطة ترامب تتمتع بفرصة حقيقية للنجاح ولا ينبغي للإدارة أن تلعب بالبطاقة السعودية في عملية السلام إذا لم يكن هناك ما يدعو للتفاؤل.

وعندما يتعلق الأمر بسوريا، لم يظهر ترامب اهتماما كبيرا بمبادرة سلام جديدة، لذلك ليس هناك سبب لإشراك السعوديين هناك. وهناك اتفاق مع الرياض بالفعل حول سياسة أكثر تصادمية تجاه إيران، ونجحت الإدارة في دفع السعوديين إلى دور في إعادة تشكيل حكومة رئيس الوزراء العراقي «حيدر العبادي»، وهي خطوة إيجابية في الجهود طويلة الأجل الرامية لتحقيق الاستقرار في العراق والحد من النفوذ الإيراني هناك.

ويبقى المكان الذي يستطيع ترامب أن يستخدم فيه علاقاته الوثيقة مع ولي العهد هو اليمن، ويجب على الإدارة أن تواصل جهودها لدفع السعوديين إلى معالجة الكارثة الإنسانية من خلال مساعدة أكثر فاعلية وعمل عسكري أكثر تميزا. وفي تلك الأثناء، يجب على واشنطن إيلاء اهتمام وثيق بالكيفية التي يتعامل بها ولي العهد مع نتائج حملته ضد الفساد، فإذا أصبح خط «بن سلمان» مثل خط الرئيس الصيني، فيجب على الولايات المتحدة الحفاظ على تحالفها العملي، القائم على الفائدة المتبادلة فضلا عن القيم المشتركة، لكن إذا تبين أن بن سلمان أشبه ببوتين أو هنري الثامن، يركز على الامتيازات السياسية، ويعامل القطاع الخاص كأجهزة صراف آلي شخصية له، فإن هذا يجعل الآفاق طويلة المدى للمملكة مظلمة، وحينها ستحتاج الولايات المتحدة إلى البحث في مكان آخر عن شريك في تحقيق الاستقرار في المنطقة.

المصدر | غريغوري غوس - فورين أفيرز