«فورين بوليسي»: لماذا يراهن الغرب على الحكام المستبدين؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 251
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 عندما جاء «معمر القذافي» من وراء الضباب في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ «الكلب المجنون» في الشرق الأوسط إصلاحات من أعلى إلى أسفل، والتي كانت ملائمة للأسواق الدولية والمستثمرين والولايات المتحدة وأوروبا. وعلى الرغم من التعاطف الذي لاقاه من وسائل الإعلام الغربية الكبرى، لم تذكر تلك المقالات أبدا حقيقة أن «القذافي»، الحاكم الجديد، استمر في حكم ليبيا بنفس الطريقة القديمة، باستخدام العنف. ثم لم يكن إرثه «دبي جديدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط»، بل الفوضى وإراقة الدماء التي طغت على الليبيين منذ سقوطه.
وتشبه قصة «القذافي» إلى حد ما قصص كثير من قادة الشرق الأوسط الذين وصفوا في البداية بالإصلاحيين. فلماذا إذن تنشأ قصة حب جديدة - سواء داخل العالم العربي أو الغربي - مع الحكام الأقوياء المستبدين؟ وينطبق هذا بشكل خاص على ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان»، الذي تعد القصاصات الصحفية عنه الآن المعيار الذهبي الذي يتطلع إليه كل زعيم عالمي. ومن المرجح أن ينمو سجل تلك القصاصات حول ولي العهد هذا الأسبوع، مع زيارته إلى لندن، حيث تمهد رئيسة الوزراء البريطانية «تيريزا ماي» السجادة الحمراء للملك الشاب في أرضها، لتعزيز العلاقات المالية والعسكرية بين المملكة المتحدة والمملكة العربية السعودية.
ويتعلق جزء من عودة الاحتفاء بالمستبدين بالرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» وتصرفاته الواضحة تجاه مستبدي العالم، بمن فيهم الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين»، والفلبيني «رودريغو دوتيرتي»، والزعيم المصري «عبد الفتاح السيسي». ولكن هذا ليس خيارا للسياسة يمكن أن يعزى فقط إلى خصوصيات الرئيس رقم 45. وبغض النظر عن أن المسؤولين الغربيين نادرا ما يختارون من الذي يحكم البلدان الأخرى، يبدو أنهم يؤمنون بفكرة أن المستبدين والحكام الذين يحكمون بقبضة حديدية يجلبون الاستقرار. وهذا غريب بشكل خاص، لأن الرجال المستبدين لا يكون لديهم سجل جيد.
وفي الخمسينات والستينات، وصل «جمال عبد الناصر» في مصر، و«هواري بومدين» في الجزائر، و«حافظ الأسد» في سوريا، إلى السلطة، مع وعود بالتنمية والإصلاح الاجتماعي والتمكين الوطني. وقد سادت تلك القيم مع مرور الوقت، ولكنها لم تعمل فعليا سوى لفترات قصيرة فقط، أو لم تعمل على الإطلاق. وعندما تلاشت الحماسة الثورية، وتراجع النمو الاقتصادي المتواضع، دارت ماكينة القمع. وقد بذل خلفاء هؤلاء القادة الثوريين جهودا حثيثة لتعبئة جماهيرهم مع نداءات أيديولوجية جديدة أو معاد تشكيلها. ومع ذلك، لم يكن هناك شيء بطولي حول بناء «دولة المؤسسات»، التي لم تحدث على أي حال، وتم ربط النضال من أجل تحرير الجزائر أو عبور مصر لقناة السويس في عام 1973 مع ضرورة التنمية الاقتصادية. وبدلا من ذلك، ترأس «مبارك» في مصر، و«بن جديد» في الجزائر، وبعد ذلك «بشار الأسد» في سوريا، وضعا غير شرعي متزايد وغير مرغوب فيه، حيث لا يمكن للدول أن تستوعب إلا القليل من القدرة على القيام بأي شيء آخر غير قمع مواطنيها.
وهذه ليست مجرد مشكلة عربية. فقد أطلق الرئيس «هوجو شافيز» الثورة البوليفارية، وأطلق عملية كان من شأنها أن يكملها خلفه «نيكولاس مادورو»، ألا وهي فشل «فنزويلا». وحتى المبادئ والأفكار التي وضعها «مصطفى كمال أتاتورك» لإعادة توجيه المجتمع العثماني عبر إنشاء جمهورية تركيا، فيما بدا وكأنه أنجح جهود الإصلاح من أعلى إلى أسفل في القرن الـ 20، فقد اعتمد على قمع ملايين الأتراك.
ورغم تمتع حكومات سنغافورة، والإمارات العربية المتحدة، وقطر بسجلات قوية من التنمية والأمن والمكانة العالمية. إلا أن شرعيتهم غير مؤكدة، لأن الحكومات غير الديمقراطية، اعتمدت على خلق الثروة ومعها البنية التحتية المتفوقة، لمنح المواطنين إغراءات بحياة أطول وأكثر صحة، فضلا عن فرص العمل. وبطبيعة الحال، فإن هذه الحكومات ليست دائما خيرة كما يود الناس أن يؤمنوا بها، ولكن لا يمكن إنكار النجاح السنغافوري والإماراتي والقطري. ومع ذلك، فإن هذه الإنجازات محددة بهذه الأماكن، التي تختص بعدد قليل من السكان، وتتمتع بمواقع فريدة من نوعها، وثروة هائلة لا تتوفر لجميع البلدان، فضلا عن خصوصية القيادة الكاريزمية.
وفي المجتمعات الكبيرة والمعقدة، يتطلب الإصلاح درجة من الإجماع وبعض تفويض السلطة، ولا يمكن لأي من أصحاب القبضة الحديدية النموذجيين - بل حتى الإصلاحيين منهم - التفكير في الإصلاح. والنتيجة هي عدم استقرار السياسة الاستبدادية، والأمراض التي تنتجها، بما في ذلك العنف والفساد والتطرف. وهذا يبدو بديهيا، ولكن الولايات المتحدة وأوروبا، بطرق مختلفة، لم تستوعب نفسها فكرة الرجل القوي فحسب، بل روجت لها. وعلى الرغم من أن «السيسي» لم يتم استقباله بنفس الدفء الذي حظي به ولي العهد السعودي، إلا أن استخدامه للقوة الغاشمة، ودفع التغيير الاقتصادي، قد حظي بالثناء في أماكن شتى، في حين أن جهوده الرامية إلى تطهير السياسة من المعارضين لم تقابل من قبل النقاد سوى باحتجاجات روتينية. وهذا لا يختلف كثيرا عن الطريقة التي تعاملت بها الولايات المتحدة والغرب مع الرئيس المصري «حسني مبارك»، الذي حافظ على قناة السويس مفتوحة، وحافظ على السلام مع (إسرائيل)، وكان شوكة في حلق الإسلاميين. وقد ذهب «السيسي» إلى أبعد من ذلك. وقد حث المؤسسة الدينية في مصر على مواجهة خطاب التطرف، وقد فاز هذا على وجه الخصوص باستحسان القوى في أوروبا والولايات المتحدة، بين واضعي السياسات والمسؤولين المنتخبين، وحتى بعض الكيانات التحرية.
وبالنسبة لصانعي السياسات في الغرب، يبدو أنه من الأسهل العمل مع رجال أقوياء مستبدين. فالديمقراطية تصبح فوضوية بعد كل شيء. وبالإضافة إلى ذلك، قد تنتج الديمقراطية قادة أسوأ بكثير من وجهة نظر القادة الأمريكيين أو الأوروبيين. وبالنسبة لكافة أخطائه، عندما يأتي وقت الاختيار، ستختار واشنطن الرسمية «السيسي» على «محمد مرسي» من جماعة الإخوان المسلمين، في كل مرة. وإذا نجت ليبيا واليمن من الفوضى التي تجتاحها حاليا، فمن المحتمل أن يكون ذلك تحت قيادة قوية من المرجح أن يرحب بها قادة العالم افتراضيا، وقد يتنفس الصعداء بأن إراقة الدماء والفوضى قد تنتهي أخيرا. ومع ذلك، فإن الاستقرار والأمن اللذين يوفرهما هؤلاء المستبدون لا يكاد يكون قويا، ويميل إلى إنتاج أمراض تهدد سلطتهم، وتنتج دورات من المعارضة والقمع والتطرف والعنف.
ومع ذلك، فإنه ليس من الصعب أن نرى جاذبية شخصيات مثل «محمد بن سلمان» لدى السعوديين والأجانب على حد سواء. ونعم، كانت تجربته في اليمن كارثة مخزية، ولكن يُنظر إلى ما يقدم عليه ولي العهد من عقد اجتماعي جديد، وجعل البلاد «مركزا للاستثمار»، والسماح للنساء بالقيادة، وإعطاء الشباب فرصة للإبداع. وهذا أفضل بكثير من مملكة متخلفة أو فاشلة.
وتعتبر الجاذبية الحقيقية لـ «محمد بن سلمان»،مع ذلك، خاصة بالنسبة للغرب، هو وعده بإصلاح «الإسلام». وهذا هو نفس هدف «السيسي»، لكنه يحمل وزنا أكبر من الرجل الذي سيكون «خادم الحرمين الشريفين».
ومع ذلك، فإن الحماس الذي يشعر به السعوديون والنخب الغربية لـ «محمد بن سلمان» يبدو في غير محله. فأسلوبه الأساسي لتنفيذ التغيير هو الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من السلطة. وفي حين أن مؤيدي ولي العهد لا يعرفون ذلك، إلا أنهم هم الذين سيدفعون الثمن إذا كان تحوله في المملكة قصيرا، وإذا كانت الفجوة بين ما يقوله السعوديون عن حياتهم والواقع الذي سينتهي به المطاف تشهد نموا، وإذا ما تطورت المعارضة على نطاق واسع. ولا يعني هذا أن «محمد بن سلمان» سيفشل، نقول فقط إنه إذا نجح في تحويل المملكة، فإنه سيواجه الكثير من التحديات الصعبة.

المصدر | ستيفن كوك - فورين بوليسي