الرياض بين نيودلهي وتل أبيب

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 373
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

خليل العناني
 خبر صغير نشرته صحيفة هآرتس الإسرائيلية، قبل يومين، مفاده بأن السعودية ستسمح للخطوط الجوية الهندية باستخدام مجالها الجوي في رحلاتٍ مباشرةٍ بين نيودلهي وتل أبيب. وهي المرة الأولى، بحسب الخبر، التي تسمح فيها السعودية بإجراءٍ كهذا خلال العقود السبعة الماضية.
الهدف المعلن لتسيير الرحلات هو تقصير مسافة الرحلة بين الهند وإسرائيل بحوالي ساعتين عن الرحلة المعتادة التي تمر عبر أفغانستان وباكستان. بيد أن هذا ليس الخبر الجديد، وإنما هو السماح السعودي لذلك أن يحدث، في ظل عدم وجود تطبيع رسمي بين الرياض وتل أبيب، وفي ظل رفض الرياض، على مدار العقود الماضية، مرور أي طائراتٍ في أجوائها تكون وجهتها إسرائيل.
الخبر الذي نفاه مسؤول سعودي في الهيئة العامة للطيران المدني، في تصريح لوكالة رويترز الإخبارية، هو الأخير في سلسلة من الأخبار المشابهة التي ازدادت بوتيرة كبيرة خلال الفترة الماضية بشأن التقارب السعوي الإسرائيلي. وهو خبر كاشف لتغير منظومة العلاقات في المنطقة وتحالفاتها الإقليمية، ويعكس أريحيةً سعوديةً واضحةً في التقارب المتواصل مع إسرائيل.
وفي الوقت الذي تنفي فيه السعودية هذه الأخبار، تتحدث إسرائيل، بوضوح غير مسبوق، عن تحالفها الجديد مع الرياض، ولا يتوقف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن التفاخر بهذا الأمر الذي يستخدمه، باعتباره إنجازا لدعم بقاء حكومته في السلطة.
وإذا وضعنا هذا الخبر إلى جانب مجموعة أخرى من الأخبار التي تتردد بقوة عن قرب إعلان "صفقة القرن"، والتي تلعب السعودية فيها دوراً محورياً، باعتبارها رأس حربة في ترويج هذه الصفقة عربياً وإسلامياً، يتضح لنا مدى الاختراق الذي حققته إسرائيل في الأوساط الرسمية العربية، والذي لم يعد سراً، أو مدعاة لخجل البلدان العربية المنخرطة في هذه الصفقة الشائنة ومسؤوليها.
وهي الصفقة التي يروّج بعضهم أنها سوف تفتح الباب واسعاً أمام تطبيع شامل وعام مع إسرائيل من دون أي مقابل. وهو ما يذكّرنا بالأكذوبة الكبرى التي رافقت توقيع اتفاقات أوسلو أوائل التسعينات عن التطبيع الاقتصادي، و"الخير الكثير الذي سوف يعم على شعوب المنطقة من ورائها"، والذي كشفت الأيام أنه كان مجرد وهم وسراب كبير.
ويبدو أن مواطنين سعوديين كثيرين لن يلتفتوا إلى الخبر، فهم مشغولون بموضوع محاربة الفساد الذي يدّعي ولي العهد، الأمير محمد بن سلمان، القيام به، كما أنه ليس لديهم الوقت الكافي لمتابعة هذه الأمور "التافهة"، في ظل الانشغال بحفلات الترفيه والتسلية التي أصبحت الآن من الفرائض والطقوس الشهرية، بعد أن كانت من المحرّمات.
ولن يكترث الإعلام السعودي بالخبر، أو يتناوله ولو بقدر من التغطية المحايدة، في ظل انشغاله في معركته "الصغيرة جداً جداً جداً" مع "الدولة المجاورة" قطر.
ولن يعقد الخبراء الاستراتيجيون في الرياض مقارنةً بين فتح الأجواء السعودية أمام الطائرات المتوجهة إلى تل أبيب، وإغلاقها في وجه أشقائهم وإخوانهم في قطر.
فهذه الأمور والقضايا مجرّد شكليات وتوافه أمام المهام والتحديات الخطيرة التي تشكلها قناة الجزيرة على منطقة الخليج.
لم يعد مستغرباً ما نراه من هرولة عربية فاقعة تجاه إسرائيل، ولم يعد صادماً أن يقدّم لها بعض الحكام العرب تنازلاتٍ مجانية سراً وعلناً على حساب الفلسطينيين، ولن يكون مفاجئاً أن نصحو قريباً على خبر مفاده "تسيير أول رحلة طيران من الرياض إلى تل أبيب"، ولمِ لا؟!

* د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية الزائر بجامعة جونزهوبكنز الأميركية.
المصدر | العربي الجديد