التأثير لا القيادة.. إستراتيجية روسيا في الشرق الأوسط

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 119
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 أصبح هناك توازن جديد للقوى في سوريا. ولعبت كل من إيران وتركيا وروسيا دورا في الصراع هناك، ووافقوا في سبتمبر/أيلول على إنشاء مناطق للمراقبة وخفض التوتر. لكن روسيا على وجه الخصوص أدارت اللعبة بحكمة حتى هذه اللحظة، وهي على وشك الخروج من الحرب الأهلية السورية بمكاسب كبيرة وبصمة قوية على الأرض.
وفي نهاية المطاف، كان هدف روسيا هو تعزيز موقعها في الشرق الأوسط في المجالات التي تهم موسكو بشكل أكبر. وإلى حد ما، حققت هذا، ولكن لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت إستراتيجيتها سوف تكون ناجحة بما يكفي لتحقق تقدما في المنطقة التي تهتم بها أكثر من غيرها، ألا وهي أوكرانيا.
وتدخلت روسيا في سوريا لسببين، أولهما كسب نفوذ كاف في المنطقة لدفع الولايات المتحدة إلى تقديم بعض التنازلات في مفاوضات في أماكن أخرى مقابل التعاون في سوريا.
والثاني بث الثقة لدى الشعب الروسي بأن روسيا لا تزال قوة قوية. وكان دعم روسيا لـ«بشار الأسد» فعالا في منع زوال النظام.
والآن، تنظيم الدولة الإسلامية في تراجع، وأصبح النظام السوري، بقيادة الأسد، أقرب من أي وقت مضى للبقاء في السلطة. وبهذه النتيجة، اكتسب الكرملين نفوذا كبيرا لدى نظام «الأسد». لكن التحدي الأكبر الذي يواجهه النظام الآن هو القضاء على ما تبقى من التمرد السني، بما في ذلك مجموعات مثل هيئة تحرير الشام، التي سيطرت على جزء كبير من محافظة إدلب من أحرار الشام، المدعومة من تركيا، في يوليو/تموز.
وخلال الأسبوع الماضي، رأينا حدثين شاذين يبدو أنهما جزء من استراتيجية للقضاء على «التمرد السني». أولا، زار العاهل السعودي الملك «سلمان بن عبد العزيز» موسكو، ووقع صفقات في مجال الطاقة بقيمة مليارات الدولارات مع روسيا، والتي ستشمل الاستثمار الروسي في السعودية والاستثمار السعودي في روسيا. ثم، أقدمت حركة هيئة تحرير الشام، وهي جماعة اتهم السعوديون بدعمها، وكانت منذ بضعة أشهر عدوا لإحدى الجماعات المدعومة من قبل تركيا، على مرافقة ضباط أتراك إلى إدلب، في إطار جهود الاستكشاف من قبل قوات الاستطلاع التركية، وذلك استعدادا لنشر قوات أكبر. ويشير كلا الحدثان إلى أن السعوديين قد يكونون على استعداد للعمل مع روسيا في سوريا من خلال الضغط على الجماعات السنية. وفي المقابل، يحصل الروس على بعض المساعدة المالية التي تشتد الحاجة إليها في شكل صفقات استثمارية. كما قد يحصلون بذلك على بعض الاطمئنان من أن النفوذ الإيراني في سوريا سيكون محدودا. ويعد الانتشار التركي في إدلب إحدى الطرق لتحقيق ذلك.
وكانت روسيا بحاجة لعزل هيئة تحرير الشام في إدلب، حتى تتمكن تركيا من السيطرة على الأراضي، كجزء من اتفاق خفض التوتر الذي توصلت إليه روسيا وتركيا وإيران في سبتمبر/أيلول. ولا تعد إدلب، التي تقع على مقربة من الحدود التركية وكذلك حلب واللاذقية، وهما محافظتان رئيسيتان خاضعتان لسيطرة النظم، هي المنطقة الوحيدة التي لا تزال خاضعة للمعارضة، لكنها آخر معقل رئيسي لها. وتأمل روسيا في أن تجبر صفقات الاستثمار مثل تلك التي قامت بها الأسبوع الماضي السعوديين على ممارسة المزيد من الضغوط على هذه المجموعات. ولم يمول النظام السعودي بشكل مباشر هيئة تحرير الشام، لكن الدعم المالي قد تم من قبل أفراد سعوديين.
وتتعاون روسيا مع السعودية وإيران وتركيا لتحقيق مكاسب في المنطقة على المدى القصير، بالرغم من أن مصالحها لا تتفق مع مصالح هذه الدول على المدى الطويل. وبالتالي، فإن موسكو، هي التي تحقق التوازن الذي يتيح لروسيا أن اللعب مع أكثر من دولة حتى لا تكتسب قوة واحدة تأثيرا كبيرا في المنطقة.

التأثير لا القيادة
وشكلت تركيا تاريخيا تهديدا محتملا لروسيا، لأن أنقرة تسيطر على البوسفور، وهو ممر ضيق، إذا ما تم حظره، سيعوق وصول موسكو إلى البحر الأبيض المتوسط.
وتعتبر إيران أقل خطرا على موسكو، لكن روسيا لا تزال تريد الحد من نفوذ طهران في القوقاز ومنعها من السيطرة على سوريا. ومن ثم ستعمل روسيا مع كلا البلدين للتأكد من قدرتها على فرض التوازن بين بعضهما البعض. ومن المزايا الإضافية للعمل مع تركيا أنها يمكن أن تساعد في عزل المجموعات السنية المتبقية، ومنع أي تدخل من السعودية.
وتتمثل استراتيجية روسيا في الشرق الأوسط في البقاء بالقرب من جميع اللاعبين الآخرين في المنطقة. بيد أن روسيا تتبع هذه الاستراتيجية لا لأنها تريد أن تكون قائدا رئيسيا في الشرق الأوسط، وإنما لأنها تريد أن تجمع أكبر قدر ممكن من التأثير. ومن شأن هذا أن يسمح لها بعرض التعاون مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط مقابل تنازلات في أماكن أخرى. وإذا رفضت الولايات المتحدة هذا العرض، يمكن لروسيا جعل الوضع، على الأقل، أكثر صعوبة بالنسبة للولايات المتحدة. وتعد أولوية روسيا الرئيسية هي أوكرانيا، وترى أن تدخل الولايات المتحدة هناك على مدى الأعوام العديدة الماضية يشكل تهديدا. وتأمل موسكو في أنه طالما تركز الولايات المتحدة على الشرق الأوسط، فإنها ستكون أكثر استعدادا للتنازل فى قضية أوكرانيا.
وتظهر إشارات إلى أن وئاما قصير الأمد آخذ في الظهور بين تركيا وإيران والسعودية في استراتيجية روسيا. وتهتم كل من هذه الدول الثلاث بالتعاون إلى درجة ما في سوريا. وتحتاج تركيا إلى التوسع في سوريا للقضاء على التهديدات السنية المتشددة على حدودها، والتحقق من سلطة إيران في سوريا، وإبقاء الأكراد السوريين ضعفاء في الشمال. وتريد إيران الحد من تهديد الجماعات السنية في سوريا وتعزيز سلطتها في سوريا والعراق. ولدى السعودية حافز مالي للتعاون، لأنها تحتاج إلى كل الأموال التي قد تحصل عليها. أما بالنسبة لروسيا، فإن تركيزها الرئيسي ليس في الشرق الأوسط وإنما في أوكرانيا. وشهدت حتى الآن نجاحا في جزء من استراتيجيتها في الشرق الأوسط، حيث اكتسبت نفوذا في مساحة تهتم بها الولايات المتحدة بعمق، ولكن يبقى أن نرى ما إذا كان هذا سيترجم إلى تنازلات في أوكرانيا.

المصدر | زاندر سنايدر - جيوبوليتيكال فيوتشرز