كيف ستفتح الاعتقالات في السعودية الباب على مصراعيه أمام الجهاديين؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 157
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

شمس الدين النقاز
حملة الاعتقالات الأخيرة التي بدأت في 10 من سبتمبر الحالي، تعتبر الأولى من نوعها كمًا وكيفًا بعد موجة الثورات العربية التي انطلقت شرارتها الأولى في 17 من ديسمبر 2010
تزامنًا مع الاستنزاف المادي والبشري الكبير للقوات السعودية في حربها ضد الحوثيين في اليمن، شن ولي العهد السعودي ووزير الدفاع محمد بن سلمان حملة اعتقالات غير مسبوقة راح ضحيتها عدد من الدعاة والأكاديميين المعروفين، على غرار الشيخ سلمان العودة والمحلل الاقتصادي الكبير عصام الزامل.
حملة الاعتقالات الأخيرة التي بدأت في 10 من سبتمبر الحالي، تعتبر الأولى من نوعها كمًا وكيفًا بعد موجة الثورات العربية التي انطلقت شرارتها الأولى في 17 من ديسمبر 2010 بمحافظة سيدي بوزيد التونسية، فكمًا يذكر عدد من الحقوقيين السعوديين أن عدد المعتقلين ناهز الـ40، أما كيفًا، فلم يسبق أن شن ملك سعودي حملة ترهيب واجتثاث لأبرز المقربين منه مثلما يفعل الآن الأمير الشاب محمد بن سلمان.
الشيخ سلمان العودة، أحد رموز الإصلاحيين في المملكة،، لم تشفع له شيبته ولا لوعته من فقدان زوجته وابنه قبل أشهر في حادث مرور، من أن يكون خارج قائمة المعتقلين.
العودة لم يكن وحده ضحية بطش الملك المستقبلي للسعودية، فعوض القرني ومحمد البراك وعبد الله المالكي والدكتور حمود العمري والباحث الإسلامي وليد الهويريني والدكتور مصطفى الحسن والدكتور محمد الخضيري والدكتور عبد المحسن الأحمد وإبراهيم الحارثي ومحمد الشنار وعلي بادحدح وغيرهم كثيرون، كانت الاعتقالات قدرهم المحتوم في "مملكة الحزم".
يعرف عن الدعاة المعتقلين اتفاقهم على نقطة أساسية في تغريداتهم على حساباتهم الشخصية بـ"تويتر" أو في أثناء دروسهم الدعوية والعلمية، ألا وهي حرمة الخروج على ولي الأمر أو التشهير به بل ونصحه علانية حتى
الاعتقالات العشوائية الأخيرة التي شنتها الأجهزة الأمنية السعودية ممثلة بجهاز المباحث سيء الصيت داخليًا وخارجيًا، دوخت الجميع، حتى إن الصحافة الغربية المعروفة بتحريضها على الوهابيين استنكرت ذلك، ورأت فيها انتهاكًا لحقوق الإنسان، بينما نددت منظمتا العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش بالفترة المظلمة التي تعيشها السعودية جراء حملتها المنسقة ضد المعارضين.
الأمر المحير في هذه الاعتقالات والمثير للانتباه في نفس الوقت، أنها لم تطل أي داعية معارض لآل سعود لسبب وحيد، وهو أنهم كلهم في السجون منذ سنوات إلا البعض، وهو ما يعني أن النظام الحالي غير من تكتيكاته وبدأ في التخلص من رجاله الذين استخدمهم لمحاربة الفكر الجهادي خلال السنوات الماضية.
يعرف عن الدعاة المعتقلين اتفاقهم على نقطة أساسية في تغريداتهم على حساباتهم الشخصية بـ"تويتر" أو في أثناء دروسهم الدعوية والعلمية، ألا وهي حرمة الخروج على ولي الأمر أو التشهير به بل ونصحه علانية حتى، مستندين في طرحهم على جملة من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وأقوال شيوخ الدعوة النجدية خاصة، كما لم يثبت عن واحد منهم أي اعتراض على الإجراءات والقرارات التي يتخذها الملك سلمان وابنه دوريًا والتي كان آخرها حصار قطر في شهر رمضان المعظم.
صحيح أن كثيرًا من هؤلاء المشايخ والدعاة لم يستنكروا حصار قطر، ولكنهم في نفس الوقت لم يؤيدوه، مما دفع وزير الخارجية السعودي عادل الجبير للقول في حوار مع وكالة "بلومبيرغ" الأمريكية إن الاعتقالات جاءت لإحباط خطة متطرفة كان هؤلاء الأشخاص يعملون على تنفيذها من أجل زعزعة استقرار السعودية، بعد تلقيهم تمويلات مالية من دولة أجنبية، في إشارة إلى قطر، واعدًا بأن بلاده ستكشف الحقيقة كاملة فور الانتهاء من التحقيقات.
تصريح الجبير لم يأت بجديد لأنه كان موجهًا للغرب لا للعرب، فبعد أقل من 24 ساعة على بداية حملة الاعتقالات خرج جهاز أمن الدولة السعودي ببيان أعلن فيه نجاحه في تفكيك خلايا استخبارية تعمل لصالح دولة أجنبية، تستهدف أمن المملكة ومصالحها ومنهجها ومقدراتها، وهو ما عبر عنه الوزير السعودي لـ"بلومبيرغ" بصياغة مختلفة.
مهما كانت الأسباب والدوافع وراء اعتقال دعاة بارزين معروفين بمولاتهم المطلقة لآل سعود، إلا أن المؤكد أن هذه الحملة قدمت أكبر خدمة للجماعات الجهادية
الرواية السعودية الرسمية لا تحتاج لكثير من الذكاء لإثبات بطلانها، فمن المستحيل لدعاة وقضاة عرفهم القاصي والداني بمواقفهم المصطفة خلف ولاة أمورهم أن يعدوا انقلابًا عليهم حتى وإن كانوا مستائين من بعض القرارات الارتجالية لمحمد بن سلمان، لكن تفكيك خلفيات هذه الحملة المفاجئة وأهدافها يستدعي منا تفكيرًا عميقًا لتزامنها مع انطلاق المرحلة العلنية من خطة تغريب المجتمع السعودي المحافظ.
جدير بالذكر هنا، أن هذه الاعتقالات الأخيرة جاءت في وقت كشفت فيه تقارير إعلامية غربية عن دخول العلاقات السعودية الإسرائيلية مرحلة التطبيع العلني، تُوجت بلقاء لم يعلن عنه بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، إضافة إلى تصريح عادل الجبير بأنه لا يرى مبررًا لاستمرار النزاع العربي الإسرائيلي في ظل التوافق الدولي على حل الدولتين.
مهما كانت الأسباب والدوافع وراء اعتقال دعاة بارزين معروفين بمولاتهم المطلقة لآل سعود، إلا أن المؤكد أن هذه الحملة قدمت أكبر خدمة للجماعات الجهادية التي عانت بسبب مشايخ النظام السعودي، مما دفع تنظيم الدولة الإسلامية لتكفير عدد منهم والدعوة إلى اغتيالهم بسبب مواقفهم المناهضة له.
في إصدارين منفصلين أواسط فبراير الماضي، بث تنظيم الدولة الإسلامية إصدارين منفصلين، الأول عن المكتب الإعلامي لولاية نينوى والثاني لولاية الخير بعده بيومين، عرض فيهما التنظيم مقارنة غير متوازنة بين علمائه ومن أسماهم بـ"عملاء الطواغيت"، بدأهما بتصريحاتهم المعادية له، وختمهما بالدعوة إلى تصفيتهم وقتلهم حتى بين عائلاتهم.
من المفارقة، أن يكون من بين هؤلاء الدعاة الذي دعا تنظيم الدولة أنصاره إلى اغتيالهم، في إصدار ولاية نينوى "عملاء لا علماء"، سلمان العودة الذي أصبح اليوم داخل زنازين النظام الذي خدمه لسنوات طويلة حتى أصبح مهددًا في حياته من قبل الجهاديين الذين يكنون له عداءً كبيرًا.
بعد كل ما بناه جده وأعمامه، يبدو أن محمد بن سلمان يعجل الآن بتدمير ذلك البناء بفعل قراراته الأخيرة، على غرار اعتقال المشايخ والدعاة وفرض العلمانية على شعب قبلي معروف بالتزامه
العودة ليس وحده عدو الجهاديين من الذين اعتقلهم النظام، فالداعية موسى الغنامي المعروف بعداوته وتحريضه على تنظيمي الدولة والقاعدة، مقابل تأييده لفصيل "جيش الإسلام" العامل في الغوطة الشرقية، والذي يتلقى دعمًا سعوديًا، هو الآخر لم يسلم من بطش محمد بن سلمان، فكان مصيره السجن.
يمكننا أن نستنتج من خلال قراءتنا لمسار الأحداث في المملكة العربية السعودية، أن ما بناه الملك عبد العزيز مؤسس الدولة السعودية الثالثة وأبناؤه وأحفاده على غرار محمد بن نايف، قد يسقط على رأس الجميع في المستقبل القريب بسبب الخطوات غير المحسوبة لابن سلمان الحاكم الفعلي للمملكة الآن.
عُرف عن الملك عبد العزيز وأبنائه المتعاقبين على الحكم مزاوجتهما بين السياسة والدين في إدارة شؤون البلاد، إضافة إلى تقريب كبار الدعاة والمشايخ لإضفاء صبغة شرعية على حكمهم، وهو ما أسفر عن صمود آل سعود في الحكم لنحو 90 عامًا، رغم بعض القلاقل التي حدثت على غرار أحداث الحرم المكي عام 1979، عندما خرج جهيمان العتيبي وجماعته بالسلاح على الملك خالد، وهي الحادثة التي كادت أن تنجح لولا وقوف المشايخ مع النظام.
حادثة جهيمان تكررت ولكن بأسلوب آخر، بعد أن ضرب تنظيم القاعدة قلب السعودية في أوائل العشرية الأولى من القرن الـ21، وسقط عشرات القتلى والجرحى أغلبهم من الغربيين جراء هجماته وتفجيراته، الأمر الذي أدى إلى اصطفاف الدعاة والمشايخ مع الملك عبد الله وأخيه نايف وولده محمد من بعده.
بعد كل ما بناه جده وأعمامه، يبدو أن محمد بن سلمان يعجل الآن بتدمير ذلك البناء بفعل قراراته الأخيرة، على غرار اعتقال المشايخ والدعاة وفرض العلمانية على شعب قبلي معروف بالتزامه، وهو ما سيفسح المجال لانتشار الفكر الجهادي في صفوف كثير من الشباب السعودي الذي التحق الآلاف منه للقتال في سوريا والعراق، ومُنع أضعافهم من ذلك، خاصة مع تردي الوضع الاجتماعي والفشل السياسي والعسكري والاقتصادي الذي لم تعرفه المملكة منذ عقود من الزمن.