لماذا انحدر الحِوار إلى هذا المُستوى في أروقة الجامعة العربيّة ومَن المَسؤول؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 72
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ولماذا يَفرك الرئيس السوري يَديه فرحًا وهو يُتابع “المُناظرة” العلنيّة الخارجة عن المَألوف بين قطر وخُصومها الأربعة؟
لعلّ الرئيس السوري بشار الأسد كان يَفرك يَديه فرحًا وهو يُشاهد فُصول المُواجهات اللفظيّة السّاخنة، التي وَقعت تحت قُبّة الجامعة العربيّة أثناء جَلستها العاديّة التي انعقدت يوم أمس (الثلاثاء)، لمُناقشة الأوضاع العربيّة على مُستوى المَندوبين، ولو كان الزّعيم اللّيبي معمر القذافي حيًّا، لفَعل الشيء نَفسه أيضًا.
فمِن المُفارقة أن هذهِ الدّول الخَمس، وهي قطر من جانب، والمملكة العربية السعودية والإمارات والبحرين ومصر (بدرجةٍ أقل) هي التي جَمّدت عُضوية بلادهما في الجامعة، عندما كانت العلاقات فيما بينها تَرتقي إلى دَرجة التّحالف والتنسيق الكامل.
لا نُريد تِكرار ما حَدث، مِثلما لا نُريد نَقل تفاصيل لُغة الحِوار المُستخدمة، وهي لا تَليق بمَسؤولين كِبار من الجانبين، وعلى الهواء مُباشرةً، وبين هؤلاء وزراء خارجيّة، ووزراء دولة من المُفترض أن يكونوا قُدوةً تُحتذى، لشُعوبهم أولاً، وشُعوب الدّول الأُخرى ثانيًا.
من المُؤسف أن اللّغة المُستخدمة، التي تضمّنت ألفاظًا مِثل “مُهاترات”، و”كلامك أُضحوكة”، و”أُسلوب رخيص”، و”اسكت”، تُذكّرنا بنظيراتها على مواقع التواصل الاجتماعي “فالتة العِيار”، التي خَرجت في مُعظمها عن كل الأعراف والتقاليد المُتّبعة، وهَبطت بمُستوى الحِوار، وتحوّل بعضها إلى منابر “فتنةٍ” طائفيّةٍ وعرقيّة.
ومن المُفارقة أن الدكتور إبراهيم الجعفري، وزير الخارجية العراقي، كان الأكثر حِكمةً وتَعقّلاً، عندما طالب بإغلاق المَوضوع ليس للهُروب، وإنّما لتقريب وجهات النّظر لأنه لا يَصح أن يكون الحِوار على هذهِ الدّرجة من السّخونة، ولكنّ صَوته ضاع وسط تبادل الكلمات والمُبارزات الكلاميّة.
تعوّدنا، ونحن الذين نُتابع لعُقود اللّقاءات العربيّة في إطار مؤسّسات العَمل المُشترك، أن تأتي المَواقف المُنفعلة الغاضبة، من دول ذات أيديولوجيات “ثوريّة”، بينما كانت الدّول الخليجيّة ومَندوبيها، “حمامات سلام” تتبنّى اللّغة الهادئة، والجُهود التوفيقيّة لتَقريب وجهات النّظر، وتَتباهى بالعَقلانيّة وضَبط النّفس والنأي بالنّفس عن المُهاترات، ولكن ما يَحدث هذه الأيام، وبالنّظر إلى ما حَدث يوم أمس، قدّم لنا صورةً مُناقضةً وعكسيّةً لهذا المَفهوم كُليًّا.
جادلنا في هذا المكان وغَيره، بأن الجامعة العربيّة كانت دائمًا انعكاسًا صادقًا للأوضاع العربيّة، بقضّها وقَضيضها، فعندما كانت الأمّة العربيّة ذات رسالة تنويريّة توحيديّة، تتبنّى القضيّة المركزيّة الأولى، وتتحشّد لمُحاربة الاستعمار ومُؤامراته، كانت الجامعة قويّةً بأمنائها العامين، ومندوبي الدول الأعضاء فيها، وكانت جلساتها تستحق المُتابعة والاحترام، أمّا الآن، وبَعد أن جَرى اختطافها، أي الجامعة، وتَحويلها إلى أداةٍ لتبرير التدخّلات العسكريّة الأمريكيّة والأوروبيّة، في شُؤون دولنا، بهَدف التفتيت والتّقسيم، وإنهاك الجُيوش أو حلها، خدمةً لمَصلحة إسرائيليّة، كان من الطّبيعي أن تَفقد أهميّتها واحترامها، وتتحوّل إلى منبرٍ لتبادل الشتائم والتوصيفات الخارجة عن الأعراف السياسيّة والدبلوماسيّة.
هذهِ الجامعة لم تُمثّل الشّعوب العربيّة مُطلقًا، ولكنّها حَظيت بقُبول البعض، ونحن من بَينهم، لأنها ظلّت تُمثّل الحَد الأدنى من الحَد الأدنى من العَمل العربي المُشترك، ولكنّها الآن، ونَقولها بكل مرارة، لم تَعد كذلك، وباتت عِبئًا على العُروبة، وقِيمها ومبادئها وأخلاقها.
أنظمة على هذهِ الدّرجة من الانهيار والضّعف والتّشاحن، وانعدام السيادة تَستحق جامعةً كهذه، ونَكتفي بهذا القَدر.
“رأي اليوم”