سياسة الارض المحروقة في العوامية.. الأهداف الخفية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 110
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 *جمال حسن

 

أطبقت وسائل الاعلام العربية والغربية والغالبية المطلقة لمنظمات حقوق الانسان والأنظمة العالمية المتشدقة به سياسياً، على ما يدور في المنطقة الشرقية للمملكة خاصة بلدة العوامية وبالتحديد في حي المسورة التاريخي التراثي حيث النقض الفاحش لأدنى حقوق المواطنة وسياسة الأرض المحروقة وكأن أبناء تلك المنطقة ألد أعداء العائلة الحاكمة فيما مطلبهم الوحيد هو المساواة ورفض التمييز الطائفي القائم في المنطقة سياسياً اجتماعياً وقضائياً وتوظيفاً وتعليماً و...

عرّف المختصون مصطلح "سياسة الأرض المحروقة"، بأنه سياسة تتبعه دولة ما ضد عدوها تقوم "بإحراق كل ما يمثل أهمية لدى عدوها بغرض إتلافه ومنع تلك الدولة من العودة إلى الإنتفاع به"، رغم أن معاهدة جنيف منعت وبالضرس القاطع القيام بأي عمل فيه تدمير أو تفجير أو إحراق لطرف من الأطراف المتعادية، ويمنع قتل الحيوانات وحرق الأشجار والمزروعات وتسميم المياه الصالحة للشرب، أو الإعتداء على المباني والأراضي و..، لكن دول معتدية وقوى سلطوية وأنظمة قمعية انتهجت ولا تزال تنتهج مثل هذه السياسة ضد مواطنيها وسائر شعوب العالم دون إستحياء أو وجل متكلة بذلك على قدرتها السياسية والعسكرية أو مال الإرتشاء لإلزام المنظمة الأممية وسائر أجنحتها وفروعها ومنظمات حقوق الانسان ووسائل الاعلام الإلتزام بالصمت المطبق على أفعالها الإجرامية .

نماذج كثيرة شهدها التاريخ المعاصر في هذا المجال مثل الحرب العدوانية المتكررة للكيان الصهيوني الغاصب على لبنان وغزة وكذلك ضد الفلسطينيين في الاراضي العربية المحتلة طيلة أكثر من ستة عقود بإحراق الأراضي الزراعية وتركها بورا، وكذا ما فعلته أمريكا حين أسقطت آلالاف القنابل الفسفورية وقنابل اليورانيوم المسموم على البشر والشجر والحجر في حربها على العراق عام 2003؛ وهو ما تفعله السلطات السعودية في حربها على اليمن مستخدمة القنابل المنضبة والفراغية والحارقة والعنقودية والمحرمة دولياً، وما قامت به قواتها الأمنية في هجومها على حي المسورة بالعوامية في آب/أغسطس الماضي –إستناداً لوثائق منظمات دولية معنية بحقوق الانسان التي لم يسكتها مال البترول المنهوب حتى الآن .

أمانة المنطقة الشرقية في السعودية اعلنت و«بكل فخر وإعتزاز»عن انجاز مخططها في هدم حي المسورة التاريخي المؤلف من 488 منزلا في العوامية بالقطيف. ما يبرهن بكل وضوح سياسة التمييز والاستهداف الطائفي التي تسعى السلطة الحاكمة الى تطبيقه عبر مخططات متعددة، والأرقام والبيانات الرسمية تؤكد أن أسباب أزمة الاسكان في محافظة القطيف هي سياسة طائفية تهدف لتهجير السكان الأصليين التابعين للمكوّن الشيعي في المنطقة، وهي سياسة لم تختم فصولها بالاعتداء على “حي المسوّرة” التاريخي وبلدة العوامية وما تبعه من إجبار للأهالي على مغادرة منازلهم ومنعهم من العودة إليها- حسب دراسة أوروبية سلطت الضوء فيها على شكاوى الأهالي من عمليات حرق الأراضي الزراعية وتدمير مناطق البستنة والأحياء التراثية الى جانب قطع الأراضي والاستيلاء عليها، وتضمينها لمحافظات أخرى كالدمام والجبيل ورأس تنورة، أو منحها لأمراء آل سعود وورثتهم لتبلغ ذروة اعتداءات السلطة المركزية بحرمان المنطقة الشرقية بالغالب من المشاريع الإنمائية واستقطاع أراضي القطيف، بهدف تقليص الأراضي التي يحتاجها أهال المنطقة لمشاريعهم السكنية والخدمية.

وقد نشرت صحيفة "لي أوكي ديلا غويرا" الإيطالية تقريرا، سلطت من خلاله الضوء على المنطقة الشرقية في المملكة حيث أضحى تاريخها الحضاري وتراثها الثقافي مهددين جراء الصراعات الطائفية، ولعل منطقة العوامية هي أكثر منطقة يحدق بها خطر الاندثار، حيث تسعى السلطة السعودية للضغط عليها عسكرياً؛ لطمس هويتها التاريخية والدينية والثقافية، كاشفة أن وراء الوثائق والادعاءات الرسمية الزائفة تقبع رغبة دفينة في ضرب الأقلية الشيعية الموجودة هناك.. تكشف فيها عمليات الهدم والقتل التي نفذتها الأسرة السعودية الحاكمة لمعالم تاريخه المنطقة الحضارية والتي تعود لخمسة قرون، وحشية العمليات التدميرية ومن نفذها مشابهة لما قامت به التنظيمات الإرهابية في تدمير وأفغانستان.

من جانبها ألقت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية، الضوء على الممارسات البربرية في مجال حقوق بالمملكة، مشيرة الى التناقض بين الأقوال والوعود التي أطلقها ولي العهد محمد بن سلمان، وبين ما يمارس على الأرض مع المعارضين السلميين في المملكة. حيث حرث الأرض وتدمير الأحياء وتجريف المدن وحرق المناطق الزراعية والتضييق على الحريات الفردية والدينية لغير المنتهجين بدين السلطة، مشيرة الى ما يجري في العوامية والتهجير القسري لأبناء البلدة وملوحة الى تعهد "بن سلمان" في وثيقة "رؤية 2030"، ببناء دولة "متسامحة"، مع اعتماد "الاعتدال كمنهجها"، وتكون "قوة استثمارية عالمية" و"مركزًا للتجارة وبوابة للعالم"- بحسب الصحيفة.

بوجود وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد بإمكان آل سعود خداع الرأي العام العالمي، وعدوانهم على أهالي محافظة القطيف شرقي المملكة سيّما على بلدة العوامية، بذريعة تطوير الشوارع والأحياء السكنية وخاصة في حيّ المسوّرة الأثري، دفع ببعض سائل الإعلام الأجنبية لإيلاء اهتمامًا بالغًا لما يتعرّض له أبناء المنطقة الشرقية؛ فقد أوردت محطة DW الألمانية تقريرًا مفصّلًا حول مظلومية العوامية جاء فيه "وسط تعتيم إعلامي على الخسائر في الأرواح والممتلكات التي تخلفها الحملة الموسعة التي تشنها القوات الأمنية السعودية" مشيرة الى "وجود ما يقارب 79 جريح و25 قتيلاً سقطوا برصاص قوات الأمن السعودية".

المسؤول عن قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في وزارة الخارجية الأمريكية "مايكل كوزاك" أقر في مؤتمر صحفي يوم 15 أغسطس الماضي، بإستهداف السلطات السعودية لمواطنيها المسلمين الشيعة والمخالفين سياسياً لها تحت حجة «مكافحة الإرهاب»، مشدداً أن هناك استعمالا مفرطا لقوانين «مكافحة الارهاب» في السعودية، مؤكداً انها تستعمل ذلك "لاستهداف الأقليات الدينية"؛ فيما دشنت الخارجية الأمريكية تقريرها للحريات الدينية لعام ٢٠١٦، أكدت فيه بأن "الحكومة السعودية تمارس انتهاكات ضد الشيعة وتمييزاً طائفيا ضدهم".

بدورها ذكرت صحيفة "الإندبندنت" البريطانية أنها حصلت على معلومات حول ما يجري في العوامية، وإن تلك "المعركة السرية" بدأت منذ وصول الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" الى الرياض في مايو/أيار الماضي، وسط تعتيم اعلامي لتلك الأحداث المأساوية سواء من داخل المملكة أو خارجها؛ وصحيفة "لوموند" الفرنسية تحدثت في تقرير لها عن لجوء السلطات السعودية الى سياسة الأرض المحروقة للوقوف في وجه معارضيها من أبناء الطائفة الشيعية في منطقة العوامية تحت تسمية "المتمردين المسلحين"؛ وهو ذات التقرير الذي نشرته "فورين بوليسي" الأمريكية بتاريخ 25/8/2017 كشفت فيه عن سياسة آل سعود في إضطهادهم مواطني المنطقة الشرقية والإعتداء عليهم عسكرياً وتهجيرهم بحجة تطوير أحيائها، متذرعة بوجود خلايا "إرهابية" داخل العوامية من أجل تبرير الحملة الأمنية والعسكرية في البلدة، إلّا أن جذور الأزمة في الجوهر تعد أعمق بكثير حيث التمييز والاضطهاد اللاحق بأبناء الأقلية الشيعية داخل المملكة العربية السعودية.