الأزمة السعودية القطرية: معركة المحاصصة الصعبة بين “الحركة الوهابية وبين “جماعة الإخوان المسلمين

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 179
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

علي الدربولي
زار الرئيس الأميركي “باراك أوباما” دولتين إقليميتين في المنطقة بعد تنصيبه رئيسا. هما تركيا ومصر، يفصل بين الزيارتين اللتين تمتا في عام 2009م شهران من الزمن. الجامع بين الزيارتين هو حديث الرئيس عن الإسلام ونقده للتطرف وتعهده بمحاربته، وجعل أحداث 11 أيلوا 2001 مثالا، دافعا، على بلورة رؤى سياسية تكافح الإرهاب والتطرف، وتعزز الاعتدال والتعاون.
زيارة تركيا:
-تركيا دولة إسلامية نهضت من كبوة خلعها عمامة الخلافة الإسلامية، عبر التوجه إلى أوروبا، وأكدت على ذلك من خلال إلغاء الحرف العربي، حرف القرآن الكريم، واعتماد الحرف اللاتيني، تيمنا بالغرب وتقربا منه، تعبيرا عن التصميم على إدارة الظهر للشرق وتفعيل جزء تركيا الأوربي، وجعله والجزء الشمالي، قائدا للسياسة التركية القومية منذ عشرينات القرن الماضي، وأكثر من ذلك، ولعله الأهم، هو جعل الإسلام دين الدولة، لأن غالبية الأتراك مسلمون، وليس تلبية لنداء الشريعة الإسلامية، التي حوصرت في الماضي، ونزعت ملامحها من على رؤوس الناس، أمام مد الفكر القومي(الأتاتوركي) في ذلك الحين، إلى أن استطاع حزب “العدالة والتنمية” الإسلامي-الإخواني الوصول إلى السلطة في عام 2002م
– لترسيخ مكانتها الأوروبية، سعت تركيا جهدها لتنضم إلى الاتحاد الأوروبي، فتصبح عضوا فاعلا في جسمه، إلا أن دول فاعلة في أوروبا، تأتي فرنسا على رأسها، قد رفضت ذلك، حيث أعلن الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي” أن بلاده وغالبية الدول الأوربية تعارض ذلك”.
– فقط الشرق، ميدان التا ريخ الامبراطوري للعثمانيين، كان المخرج، والأهم في الشرق كانت البلدان العربية-الإسلامية، والأخص فيه كانت بلاد الشام التي كانت دمشق عاصمتها التاريخية، ليكون إسقاط دمشق، هو المطلب الاستراتيجي، الذي يؤمن، لو تم إسقاطها، دخول تركيا، ومن ورائها من لهم مصلحة بخراب بلاد الشام لصالح رأس حربتهم (إسرائيل) في الغرب، من الباب العريض، إلى هذا الشرق، وبسط النفوذ الأجنبي عليه وإعادة تشكيله بما يناسب مصالح تركيا الإسلامية(المعتدلة) على قاعدة نسبية من التوادّ القديم المنشأ بين الإسلام السياسي والغرب، خاصة أوروبا، ولعل الأهم، كان العلاقة مع (إسرائيل) وجعل هذا النفوذ لو تم، عامل إغناء تنتهي عنده المطالبة بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وحل القضية الفلسطينية، بما يرضي (إسرائيل)؟!
– لما تقدم، اختص الرئيس الأميركي “أوباما” تركيا، كدولة إسلامية، بأول زيارة له، يعزز ذلك معرفة أميركا أن لتركيا حواضن فكرية-اجتماعية، شكلت عنصر تفجير مذهبي في مسار (الربيع الأحمر العربي) ترتد إلى ذكريات “الخلافة الإسلامية” تحت الراية العثمانية، في بلاد الشام التي لم تفقد يوما دورها الفاعل في التاريخ.
زيارة مصر
-لما كانت عملية تفجير مكونات هذا الشرق، تحتاج إلى أهم عنصرين ثأريين: القومية والدين، بما يتصفان به من تعقيد تاريخي، كانت الزيارة(التكميلية) الثانية للرئيس الأميركي السابق “أوباما” إلى مصر العربية، ونصب عينيه في الأفق، يرتسم صراع إقليمي استمر باردا على هامش حربين عالميتين، ونرى الآن كيف يأخذ هذا الصراع الدائر ذينك العنصرين شعارين، ظهّرت عنصره القومي حرب الخليج الأولى، العرب ضد الفرس، ولما لم تثمر حروب الخليج الثلاثة مجتمعة، الثمرة الملعونة، اعتمدت حروبا تأسيسية على طريق تظهير العنصر الثاني عبر ما سمي بـ (الربيع الأحمر العربي)، ليعتلي الإسلام السياسي بقيادة “جماعة الإخوان المسلمين”، ظهر السلطة في مصر وتونس وبعض ليبيا وسورية، وبعض اليمن، وينشط كنتيجة، في جميع البلدان العربية بعون دولتين، هما تركيا وقطرـ الأولى دولة إقليمية كبرى يحكمها الإسلام السياسي، والثانية دولة عربية صغيرة، تحمي قيادات الأخوان والمتطرفين من كل لون، لكنها تملك المال، أهم شيء يمكن أن يشد عصب الإسلام السياسي، ويبقيه على قيد الحياة. وكلا الدولتين من أهم حلفاء الغرب على تخوم الشرق مع أوروبا، ما أدى وبقدر كبير، إلى تعاطف جميع حلفاء الغرب معهما في المراحل الأولى الحاسمة من عمر (الربيع الأحمر العربي)، على طريق تدمير الأعداء، فغدا تكفير الآخر وإرهابه أهم أدوات الفكر الأسود الموشى بالذبح المتوحش في الميدان، لتحقيق الأهداف الثأرية إياها.؟!
* حقيقة الصراع بين السعودية وقطر
لم يتأخر كثيرا نشوء صراع المصالح الحقيقي في داخل البيت الإسلامي، وترجمته ما يدور الآن بين “جماعة الإخوان المسلمين” وبين “الحركة الوهابية” ولكلا المسميين جمهوره الواسع، وثروته التي لا تأكلها النيران. هنا يمكن حصر بواعث هذا الصراع بما يلي:
-تدرك السلطة الوهابية-السياسية في المملكة العربية السعودية أن “جماعة الإخوان المسلمين” هي المكون الإسلامي الوحيد الذي يمتلك القدرة على الإطاحة بها، وبسلطة جيرانها من دول الخليج، من حيث كون الجماعة ذات تاريخ سياسي مستقل عن أي سلطة، حتى حكمت تركيا، ربما كردة فعل شعبية على رفض أوروبا التحاق تركيا باتحاده، ومن خلال موجة (الربيع الأحمر العربي) وبتواطؤ سعودي فاعل(ربما بدأ على شكل اتخاذ موقف محايد ومتربص) انتشرت الجماعة (الإخوان) في كثير من البلدان العربية، وأهمها كان حكمها لمصر، ما بعد “حسني مبارك” طيلة عام حتى تم إسقاطها. لا بد أنها تفتقد الكثير من خبرات وتجارب السلوك السياسي وهي في أعلى موقع في السلطة، ليتأكد لنا الآن كم كان دور دول الخليج بقيادة السعودية-الوهابية فاعلا في ذلك التغيير برغم ثقل الجماعة التاريخي في مصر. من هنا اتضحت ملامح الانقسام الذي قاد ت شقه الإخواني دولتا قطر وتركيا، وشقه الوهابي، السعودية ومن له مصلحة معها، بغض النظر عن حقيقة تمسك هؤلاء الخصوم بحرفية النهجين الإخواني والوهابي الشرعية، ولقد فضحت الزيارة الأخيرة للرئيس الأميركي “ترامب” إلى السعودية برفقة زوجته وابنته، مسوغات السلوك الشرعي لهؤلاء، أقله من حيث الشكل؟!
الزيارة الأميركية للسعودية
إضاءة:
إن هذا الصراع داخل البيت الإسلامي لو انفجر إلى حدوده القصوى، لا بد سيطيح بمصالح الغرب في المنطقة، بعد أن زال التهديد الذي شكلته (داعش) المنتشرة في العراق وسورية، بعد أن شارف دورها على النهاية. لكن، وضمن حدود استمرار جدوى مفهوم (البقرة الحلوب) تدخلت أميركا جريا على عادتها للاستثمار في الصراع، فكانت زيارة ما يمكن أن أطلق عليها زيارة (تجفيف الضرع) التي قام بها الرئيس الأميركي التاجر “ترامب” بتاريخ 20-21 أيار إلى السعودية، وبمعنى أوسع، كما تبين لاحقا، إلى ميدان الصراع إياه بين الوهابية والإخوان، لا ليطفئ ناره بل ليضبط مسار تلك النار، ويزيد أوارها، طبقا للمصلحة الأميركية-الإسرائيلية لا غير؟!
مفارقات:
– جاء الرئيس “ترامب” بقضه وقضيضه إلى السعودية، منبت الحركة الوهابية المتطرفة، ليعلن الحرب على الإرهاب، من الرياض على الملأ؟!
– حدد البيان الختامي للزيارة من هم الإرهابيين. لم توقع عليه كل الدول المجتمعة على موائد تلك الزيارة.
– كانت حصة الاتهام الكبرى والمعلنة تخص إيران وكل التنظيمات التي تعادي (إسرائيل) من حزب الله إلى حركة حماس(الإخوانية) وغير ذلك…ثم تأتي سورية في نفس السياق: قبل اجتماع قمة العشرين القريب في “هامبورغ” المدينة الألمانية – يحث الرئيس “ترامب” روسيا على التخلي عن إيران وسورية (الإرهابيتين)؟! تمهيدا للقائه الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”؟
– خرجت قطر عن إجماع دول البيان، ليس حبا بإيران أو سورية أو حزب الله، أو حتى حماس، لأنها استشعرت أن عليها مستحقات يجب أن تدفع في المال والسياسة والفكر، وهو ما لا تطيقه، لأنه يمحو أثرها على الساحة الدولية، ويجعلها في النسق الخلفي المصطف خلف السعودية، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى تقييمها لنفسها بأنها وتركيا تحت مظلة فكر (جماعة الأخوان) لهما تواجد قوي في كل الدول العربية التي لم تزل نيران (الربيع الأحمر العربي) مشتعلة فيها، خصوصا سورية وليبيا واليمن، إضافة إلى حجم نار (الإخوان) التي تحت رماد السلطة الحالية في مصر، والمتحالفة مع السعودية-الوهابية، العدو اللدود لقطر الآن ؟!لا يزال قادة الإخوان المسلمين يحظون بحماية لافتة في كل، أو جل، عواصم الدول الأوربية؟!
– هذا الإحساس بالقوة(الإخوانية) من قبل قطر بدعم من حليفتها تركيا بالدرجة الأولى (ترجمت تركيا دعمها عبر ترسيخ إقامة قاعدة عسكرية مفتوحة في قطر لحمايتها من أي تهديد خارجي). هذا الإحساس الواقعي، المضخم إعلاميا وفي بعض جوانبه سياسيا، رفع من وتيرة التهديد للمملكة السعودية، بثنائيتها السياسية والوهابية، وهي الحليف الأم لأميركا في العالم الإسلامي قاطبة، أين من ذلك قطر. يا للعجب؟!
– كانت قطر السباقة في تدمير سورية، منذ قيادتها عملية إسقاط عضوية “سورية” في الجامعة العربية، ولقد قامت بتمويل وتغطية كل نشاط هدام قام به (الإخوان) ومن تعاطف معهم في سورية، وذلك من بداية الأحداث. كانت أداة التخريب الأولى ما سمي بـ(الجيش الحر) وأخيرا كانت جبهة النصرة التي شكلت بديلا لـ(داعش) في كثير من المناطق السورية. الجبهة التي لا تزال “أميركا” تظللها من حر الحراك العسكري- السياسي التي تقوده روسيا الاتحادية وسورية وحلفاؤهما في سبيل توجيه الضربة الميدانية القاضية إلى الإرهاب؟
– هنالك مواقف دولية ملتبسة من قبل الدول التي تدعي محاربة الإرهاب في العالم، لأنها في الوقت نفسه، تيسر له سبل الخروج من المآزق لوجستيا واستخباريا. تأتي أميركا على رأس تلك الدول (قصف الجيش السوري في جبل الثردة – قصف مطار الشعيرات-إسقاط طائرة سورية في البادية)، هذا على سبيل المثال لا الحصر؟
– هل المطلوب تقديم كبش فداء على هذا النحو الذي نراه عبر الحملة على دولة ” قطر ” وتحميلها وزر تنشئة الإرهاب في العالم ورعايته؟ الحملة الإعلامية شديدة وموثقة، والإنذارات متكررة، من قبل الدول العربية الأربع التي أعلنت حصارها لقطر. لا عجب طالما، أقله، هنالك ثلاث دول منها قد اشتركت وقطر في غرف عمليات سوداء وحمراء، اسهاما في إنجاح مخططات تدمير الدول العربية، خاصة تلك التي حاربت (إسرائيل).؟!
– عندما تم شراء الموقف الأميركي الداعم للسلطة السعودية-الوهابية، بمئات المليارات من الدولارات الأميركية، وبالتبعية موقف الغرب، إلا من بعض الأصوات(التجارية) المعترضة الخافتة هناك، ضد هيمنة (جماعة الإخوان المسلمين) الإقليمية، والمخيفة للوهابية، تم اعتماد المطالب الثلاثة عشر أ والأربعة عشر، التي على الدوحة تلبيتها. والتي ربما شكلت حكما بالإعدام السياسي والسيادي للدولة، فهل تطيق قطر صبرا؟
– يسعى كل طرف، قطر والسعودية، إلى حشد قواه الذاتية والموضوعية، لكن التوازن، غير مطلوب، لأنه يولد حالة استقرار لا تستوي ونهم الغرب إلى أموال النفط والغاز العربيين، لذلك سوف لن يسعى للمصالحة، ولن يسمح بنجاح أي مسعى من مكان آخر؟! بل سيسعى إلى النفخ بالنار، بطريقة يشعر كل خصم بأنه الأقرب إلى الغرب، وأن الغرب تبين-عجبا- أن قطر(الإخوانية) هي الدولة الداعم الرئيس للإرهاب، (تصريحات الإدارة الأميركية الحالية بهذا الخصوص)، متناسية هذه الإدارة أن الإدارة الأميركية السابقة كانت قد اتهمت، وبصيغة فكرية أكاديمية، الفكر الوهابي (الوهابية) بإدارة السلطة السعودية، بتغذية التطرف في العالم الإسلامي على لسان الرئيس السابق “أوباما”.
– الحرب لن تقع بين العدويين الإسلاميين اللدودين، الوهابية والإخوان المسلمين، برموزهما السياسية عبر العالم، نظرا، ولأنه حتى الآن لم يصل الغرب إلى قناعة أن هذه الحرب يمكن أن تكون نافعة وذات جدوى، أكثر من بقائها تحت السيطرة، ترغيبا وترهيبا. – على قطر أن تدفع حصتها مما دفعته السعودية إلى أميركا، ربما، هذا سبب اقتصادي هام من أسباب الخلاف؟!
– لن يشكل دعم تركيا وبعض دعم إيران لقطر فرقا، فقط يسهم في تظهير صورة الخلاف بشكل أوضح طبقا لمسارات السياسة في المنطقة، وتفعيلا لبعض مصداقية أي طرف خلال علاقات ذات بعد مصلحي لم ينقطع، سيما ونحن نرى القاعدة الأميركية في قطر كخلية نحل، وتشرك قوات قطرية في مناورات عسكرية، هذا أمر متوقع. المطلوب كثيرا من المال مقابل حماية أشخاص السلطة هنا وهناك، لا حماية المبادئ؟! لا دور للشعب في الاتجاهين في كل ما يجري؟!
– يمكن مراجعة خطب الرئيسين الأميركيين “أوباما: و”ترامب” في تركيا ومصر والسعودية، ليجد فيها دفاعا عن الإسلام، ربما أكثر من الكثير من أهله؟!
خاتمة:
إذا رامت “الوهابية” الاعتدال ستكون أقرب ما تكون إلى”جماعة الإخوان المسلمين”، وإذا ما رامت الجماعة التطرف، ستكون أقرب ما تكون إلى الوهابية.؟!
هل هول لغز؟
نعم إنه لغز تاريخي لا يزال يشكل غشاوة على أعين من لا يرى أو من لا يحب أن يرى، سيما وقد قيض الله لذوي الصلة رئيسا أميركيا يدعى “ترامب” حرص على كشف خفايا كثيرة من الجانب المالي، والرئيس، لهذا اللغز، فهل من مدكر؟ إنه العماء الأخلاقي-السياسي الذي لما يزل في خدمة من وجدوا في السلطة ملكا عضودا؟
دمشق