أبواب الخليج تُشرَّعُ لصراع «عنقودي»

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 204
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

خليل كوثراني
«المعركة بدأت»، هذا مختصر بيان القاهرة الصادر عن اجتماع الرباعي. أصرت الدوحة حتى الساعات الأخيرة على عدم الإفصاح عن مضمون ردها الذي سلمته أمير الكويت. التكتم القطري على كامل مضمون الرد حافظ على مساحة تمكن السعودية والإمارات، ومعهما مصر والبحرين، من صياغة رد على الرد بصورة أقل حدة، في حال كَون هذا الرباعي في وارد أخذ مسار التهدئة والحل، وهو ما لم يحدث في القاهرة أمس.
في قراءة مغايرة لما يتداول فإن الحملة الشرسة على الدوحة، من جانب تحالف «المحمدان»، وما نجم عنها من مقاطعة فإصدار لائحة شروط مغلظة تأخر وضعها حتى مجيء الضغوط الأميركية، كان كل ذلك من الأساس في سياق معركة فتحت لا لتغلق.
أما وأن الرباعي تفاعل مع الرد القطري بسلبية مطلقة، بدت واضحة في البيان الذي تلاه وزير الخارجية المصري سامح شكري، فإن الأسئلة تفتح على احتمالات المرحلة الجديدة ومآلاتها، ويستعاد حديث عن السياق المعد مسبقاً للمعركة في منطقة الخليج يحتاج «المحمدان» للذهاب بها إلى النهاية، إلى حد أنه يصعب عليهما التراجع إلى خطوط خلفية عبر الحلول الوسط.
سياق المعركة، الذي تسمح مراجعته في استشراف مآلات التطورات، تعيدها مصادر إلى بداية دخول الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. جملة مؤشرات ومعطيات، تضاف إلى طبيعة بعض الفريق العامل في الإدارة الجديدة، جعلت تيار «الإخوان المسلمين» في المنطقة يتحسس خطراً مقبلاً، بدأ التداول في سيناريوهاته داخل صفوف الأحزاب «الإخوانية» في المنطقة، قبيل الأزمة الخليجية. وعلى مقلب أبوظبي والرياض، تلقف بن زايد وبن سلمان اللحظة التي طويت فيها صفحة باراك أوباما، التي عانى فيها حلفاء واشنطن من تجميد كثير من الملفات. المرحلة الجديدة للمنطقة، يراد لها أميركياً أن تكون نهاية، أو طوراً مختلفاً، لما سمي «الربيع العربي». نهاية هذه النسخة من «الربيع»، الذي يدشنه القضاء على «داعش»، ومن ثم إفراز قوى «مهزومة» تتمثل في القوى الإسلامية من التيار الإخواني التي انتهت صلاحية استخدامها، وأخرى «منتصرة» يوكل إليها ترتيب نظام جديد للمنطقة تستتب له زمام الأمور وتعهد إليه الوكالة الأميركية، في مقدمها الإمارات والسعودية، وبالتحديد: محمد بن زايد ومحمد بن سلمان.
فإلى أين سيذهب حلف «المحمدان» بعد إصرار القطريين على «التمرد»؟ وهل بإمكان قطر الاحتفاظ بهامش للمناورة؟ حتى اليوم، بالإمكان للمراقب أن يرصد ربحاً، بالنقاط، لكل من بن سلمان وبن زايد في حملتهما على الدوحة. فالقطريون، مثلاً، خرجوا عسكرياً من منطقة القرن الأفريقي بعد اندلاع الأزمة الخليجية، حيث كان ينتشر الجيش القطري تحت ستار قوات فصل نزاع بين إريتريا وجيبوتي التي آثرت الوقوف إلى جانب الإمارات في مقاطعة قطر، وهو وجود أراد القطريون أن يحجزوا عبره دوراً في منطقة شرق أفريقيا الاستراتيجية. وخرج القطريون عسكرياً كذلك من اليمن بعد طردهم من «التحالف العربي» هناك. يضاف إلى ما تقدم، نجاعة الهجمة الإعلامية الشرسة على قطر في توفير غطاء للتحرك ضد حلفاء الدوحة في المنطقة، مع إبقاء هذه الوتيرة من الاستنفار.
ويبدو أن الإماراتيين والسعوديين غير مكتفين بخطوة تجميد عضوية قطر في الحملة العسكرية ضد اليمن. ففي المعلومات، ثمة خطة يسوقها الإماراتيون بمساعدة الفرنسيين تقضي بترتيبات للوضع اليمني، ترسخ عبرها تسوية سياسية شاملة يقصى منها كل من «التجمع اليمني للإصلاح» الإخواني وحركة «أنصار الله»، ويشترط فيها على نائب الرئيس، علي محسن الأحمر، الابتعاد عن «الإصلاح» إذا ما اختار البقاء في الحياة السياسية. وما يجري جنوبي اليمني من خلط للأوراق وتعويم للقوى الموالية للإمارات على حساب «الإصلاح» يصب في هذه الخانة. ويتضح يوماً بعد آخر أن ثمة ساحات أخرى مرشحة لأن تشهد تطويقاً للدور القطري و«أذرعه» من التيارات الإخوانية، من بينها ما يتردد عن ترتيبات إماراتية مصرية إسرائيلية لقطاع غزة، وضغوط أبوظبي لإفشال مؤتمر المكوّن السنّي في العراق المزمع عقده بعد أيام، بحجة انتماء بعض شخصياته إلى التيار الإخواني. وفي سوريا، لم يعد مستبعداً وصول كرة النار الخليجية المتدحرجة إلى حيث الساحة المؤهلة لأن يأخذ النزاع فيها بعداً دموياً مع وجود الفصائل المتوزعة الولاءات.
إنها إذاً حرب ساحات النفوذ الإقليمية، المطلوب فيها سعودياً وإماراتياً إخراج قطر من اللعبة في المنطقة نهائياً. توجه يشي بتسخين عمّا قريب، بين حلفاء الأمس، على أكثر من جبهة خارج حدود الخليج. أما داخله، فيبقى السؤال الملحّ عن إمكانية سماح الأميركي بتطور الأمور نحو صدام عسكري الطابع. حقبة «التسيّد» في المنطقة الموعود بها أميركياً ولي العهد السعودي الجديد، ومعه حليفه ولي عهد أبوظبي، تُطمِع الرجلين برفض أي تمرد، خصوصاً داخل البيت الخليجي. إلا أن التدخل الأميركي في اليومين الماضيين قد يفهم منه طلب ضبط اللعبة وعدم الذهاب بالنزاع إلى حدود الانفجار، وفي نفس الوقت إبقاء الأزمة وتفاعلاتها ضمن حدود مضبوطة وعلى إيقاع محدد مع عدم إصرار واشنطن على إنهائها سريعاً. لكن إذا اكتفى «المحمدان» بمعركة مفتوحة تجمع فيها نقاط الربح «بالمفرق»، من جهة، وفي الجهة المقابلة أصرت الدوحة على موقفها في التحدي، فإن القطريين يكونون بذلك قد أحبطوا اندفاعة بن زايد وبن سلمان لإخضاع الجميع أمام احتكار الأدوار في مستقبل المنطقة، وأسهموا في «تجرؤ» آخرين على التمرد، ولذلك فإن الخيارات «الجنونية» قد تبقى على طاولة بن زايد وبن سلمان.
في المحصلة، تدخل دول الخليج اليوم مرحلة جديدة عنوانها صراع «عنقودي» الطابع، لا يضمن أحد إلى أين قد تصل تفريخاته. صراع أقل ما ينذر به سقوط الخيمة المسماة «مجلس التعاون الخليجي»، وبداية تفاعل عناصر متناقضة في هذه المنطقة، قد تنتج مزيداً من التشظي وتستدرج قوى متعددة إلى مستنقعه، على نحو يدخل معه الخليج إلى قائمة المناطق العربية الساخنة كما تنبأت «فاينانشال تايمز» قبل أيام. وفي ظل غموض الموقف الأميركي وتناقض آراء مؤسسات القرار في واشنطن كما أكدت صحيفة «نيويورك تايمز» أول من أمس، تستشعر القوى التي ليست طرفاً مباشراً في النزاع الخليجي خطراً يتهدد الإقليم، من بين هؤلاء سلطنة عمان، التي تعاني مع شقيقتها الكويت من ضغوط الاصطفافات والتخوف من أن تطاولها حرب «الإخضاع»، إذ كثفت مسقط اتصالاتها في الساعات الأخيرة بكل من إيران والكويت، وأرسلت وزير خارجيتها على عجل للقاء المسؤولين الكويتيين. الانفجار الذي يلوح في الأفق، حذرت منه تركيا قبل يومين على لسان المتحدث باسم الحكومة نعمان قورتولموش، الذي قال إنه «في حال تفاقم الأزمة، فإن فاتورة ذلك لن تقتصر على بلد واحد، بل على كافة بلدان المنطقة». وفي طهران، لا تزال الأوساط تردد قراءة مفادها أن ما يجري في المنطقة هدفه إشعال فتيل صراع كبير، يكون مقدمة للتحشيد العسكري مقابل طهران ومحورها، ضمن التحضير لعمل ما ضدها، ما يجعل الإيرانيين معنيين بتكثيف التواصل مع القطريين والأتراك كما هو قائم اليوم، وهو ما يؤكد أن التصريحات الإيرانية المطالبة بالتهدئة لا تأتي من باب المناورات.