تراجع أم مراجعة؟ عادل الجبير في بغداد

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 808
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

محمد قستي
فاجأ عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، الجميع بزيارته الى بغداد.. العاصمة العربية التي ما فتيء هو وسفيره السابق في بغداد ثامر السبهان، وكذلك الإعلام السعودي، يعتبرها عاصمة محتلة من قبل (الفرس)! وهي العاصمة التي شارك آل سعود الأمريكيين في احتلالها في ابريل 2003، وإسقاط نظام الحكم العراقي، الذي صارت الموضة السعودية اليوم، التباكي عليه!
المفاجأة السعودية كشفت في جانب أساس منها، أن الرياض تراجعت عن كبريائها الزائف، خاصة منذ طرد أول سفير لها ثامر السبهان، في اكتوبر الماضي، ولمّا يمضي على تعيينه هناك سوى بضعة أشهر. وكان الطرد على خلفية تدخّل الرياض في الشؤون الداخلية العراقية، ومهاجمة الحكومة العراقية، والقوات المسلحة، وتأجيج الحرب الطائفية بين العراقيين.
هذه الصلافة السعودية، خضدت حدّتها، ولكن مؤقتاً فقط.
صحيح ان زيارة الجبير، توحي بتراجع واضح في السياسة السعودية، كما لمكانتها في الشرق الأوسط والعالم الإسلامي، بل في العالم بمجمله، وأن قيمتها الإستراتيجية عند حلفائها الغربيين قد اهتزّت بشكل كبير.
لكن الزيارة قد لا تعني سوى مرحلة جديدة، وشكل جديد، من الحرب السعودية غير المعلنة على العراق. فقط التكتيك قد تغيّر. وإلاّ فإن الأهداف ـ مع انخفاض سقفها ـ لم تتغيّر كثيراً.
لم تكن زيارة الجبير مفاجئة فقط للعراقيين، وإنما أيضاً للمواطنين، خاصة جناح الموالاة النجدي الوهابي، الذي كان يتلقى وجبات دسمة ـ عقائدية وهابية واعلامية رسمية ـ من التحريض على العراق وشعبه. جناح الموالاة النجدي، هو الحاضنة التي قذفت بفلذات اكبادها من الوهابيين، لتفجير انفسهم في العراق وسوريا، في (مهمة ايمانية) مدعومة من الحكم النجدي، ونخبه الطائفية والمناطقية.
مفاجأة هذا الجمهور بالزيارة، أعقبها غضب، وشيء كبير من اللامبالاة. حتى مع ما قيل من تبرير من أنها محاولة من الجبير لاتخاذ العراق منصّة للحرب مع ايران، تماماً مثلما فعل ثامر السبهان السفير السابق.
وفي حين وصف بعض المحللين السعوديين الزيارة، بأنها ناجحة في (إعادة العراق لمحيطه العربي)، قال محللون عراقيون رداً على ذلك بأن (العراق أصل العروبة) رافضين المزايدات في هذا الشأن.
وفي وقت قال فيه كتاب سعوديون بـ (أننا أولى بالعراق من إيران وتركيا)، قال اعضاء برلمان عراقيون، بأن العراق للعراقيين، وأن حكومته المنتخبة تخدم كل العراقيين، ناصحين بعدم استخدام خطابات سعودية مستفزّة، تعيد عقارب الساعة الى الوراء.
الجبير وصل بغداد، وقوبل بحفاوة، والتقاه وزير الخارجية الجعفري، كما التقى رئيس الوزراء حيدر العبادي. وخرج الجبير بتصريح في المؤتمر الصحفي يشكر الحكومة العراقية على كرم الضيافة، ويهنؤها على انتصاراتها ضد داعش، وأثنى على العلاقة التاريخية وحسن الجوار، وعدم التدخل في شؤون الدول الداخلية.. وكأن السعودية لم تكن بالأمس عدواً لدوداً يرفض حتى مجرد فتح سفارة له في بغداد! وكأن مفخخات القاعدة وداعش وتمويلهما ورفدهما بشباب سعوديين يفجرون أنفسهم في الأسواق والمساجد ويقتلون الأبرياء، قد تمّ نسيانه من الذاكرة العراقية الملأى بالآلام والأحزان!، خاصة وأن هناك العديد من السعوديين القاعديين سجناء لدى الحكومة العراقية، وحاولت الحكومة السعودية لسنوات تخليصهم من السجن ففشلت.
اذن ماذا يريد الجبير وهو يستقلّ القطار الأخير الى بغداد، حسب تعبير أحد الأكاديميين العراقيين؟
قال بعضهم: إنه يريد المساعدة في الحرب على (داعش)!
ولكن داعش وليدة الأيديولوجية الوهابية، وهي أكثر استقطاباً للشباب الوهابي السعودي من تنظيم القاعدة، والحكومة السعودية نفسها رفضت التدخل الامريكي لنصرة بغداد بعد أن احتلت داعش الموصل. فما عدا مما بدا؟
ثم إن السعودية صارت جزءً ـ إسمياً ـ من الحملة الدولية على داعش، تحت الرعاية الأمريكية، منذ سنوات، ولم يظهر منها شيء ألبتة ضدها، فهي مشغولة بقصف الأبرياء في اليمن، وتشبيك القاعدة اليمنية ضمن جيش عبدربه هادي، لمحاربة اليمنيين.
زد على ذلك، فإن الحكومة العراقية اليوم ليست في حاجة الى مساعدة السعودية لحرب داعش، فقد قامت وعلى مدى ثلاثة اعوام، بجيشها وحشدها الشعبي بالجهد الأكبر، ولما يتبقى من حرب داعش سوى أسابيع وفي معقل وحيد هو الموصل، أو جزء منها. ما يحتاجه العراق بحق هو: كف الأذى الداعشية السعودية عنه: (ويحك لا تزني ولا تتصدّقي).
الصحيح في الأمر، هو ان السعودية، كما امريكا، وكما تركيا والأردن، قلبت ظهر المجنّ لداعش، وتحوّلت من مموّل وداعم لها، الى محارب لها حين انقلبت المعادلة، وخسر هؤلاء جميعاً الحرب على العراق، فجاؤوا يريدون ـ وفي آخر لحظة ـ لقطف الثمار، وتصدّر المواجهة المصطنعة مع داعش. ومن هنا، قال محللون، بأن أمريكا هي التي طلبت من جبير السعودية ان يصلح علاقاته مع العراق، على الأقل هذا ما لمح به وزير الخارجية العراقي الأسبق هوشيار زيباري.
والحقيقة هي ان خطوات ترامب التصعيدية في العراق، وانقلاب اردوغان على داعش التي كان يشتري نفطها وجعل من بلاده ممراً لتسليحها ومحطة انتقال لمقاتليها، وكذلك انقلاب ملك الأردن على داعش في درعا.. كل هذا، جعل الرياض تليّن من موقفها وتستلحق ما فاتها، وما يمكن ان تحصل عليه من مكاسب إنْ هي غيّرت أشرعتها!
لكن ما تريده الرياض أبعد من تغيير أشرعتها الداعشية بعد أن خسرت معركتها السياسية في العراق.
كيف؟
كل محور السياسة الخارجية السعودية قائم على اساس الصراع مع ايران.
وتقتضي هذه السياسة: إسقاط الحكم في العراق، وفي سوريا، وضرب حزب الله في لبنان حتى ولو جاء بالتعاون مع اسرائيل.
حين وجد آل سعود أن القاعدة وخليفتها داعش لا تستطيع اسقاط نظام الحكم في العراق، قالوا: إذن نحوّل العراق الى منصّة صراع مع ايران. وهذا ما دفعهم ابتداءً الى تعيين سفير لهم في بغداد، فكانوا آخر دولة ـ الى جانب قطر ـ لم تعد علاقاتها مع العراق. ولأن السبهان ـ السفير السعودي، لم يكتفِ باطلاق صواريخه من بغداد على ايران، بل اتهم الحكومة العراقية ورجالاتها بالخيانة وببيع العراق، وحاول التحريض عليها ما دفع البرلمان الى المطالبة بطرده، وقامت وزارة الخارجية العراقية بتحذيره مراراً فلم يرتدع، فما كان منها إلا ان طلبت منه الرحيل وطلبت من الخارجية السعودية استبداله.
لكن الرياض عاندت ولم تستبدله، بل ان الجبير قبل زيارته كرر مقالات السبهان، وتهجم على الحشد الشعبي، وعلى السياسة العراقية في مؤتمر صحفي له في ديسمبر الماضي، فما كان من رئيس الوزراء العراقي الا ان نصحه علناً وبهدوء بأن يترك هذه اللغة، وأضاف بان السعودية اذا ما أرادت المواجهة مع ايران، فلتفعل ولكن ليس انطلاقاً من أرض العراق (فبيننا وايران حدود طويلة، وبينكم وبينها خليج) على حد تعبيره.
الآن يأتي الجبير الى بغداد وهو يائس من تغيير نظام الحكم فيها اعتماداً على داعش، ولكنه سيواصل السياسة السعودية ومعاركها بصورة أو بأخرى، سواء مع الحكومة العراقية أو مع إيران.
لكن جوهر زيارة الجبير لبغداد هو (الخوف).
وإنها لمفارقة عجيبة. فحين كان صدام حاكماً، وبقدر ما كان آل سعود يكرهونه، فإنهم كانوا يحترمونه لقوته وجبروته.
والثقافة القبلية المسيطرة، تحترم القوي وتخضع له، وهذا ما جعل الاحترام لصدام سمة بين قبائل الوسط السعودي بالذات، رغم ان مشايخ الوهابية كفروا صدام، ورغم أن صورايخه الباليستية طالت حتى الرياض، ولازالوا الى هذا اليوم يتحسّرون على غيابه، نكاية بالحكم الجديد في العراق، وإن كان منتخباً.
الجبير كما كل المسؤولين السعوديين ومنذ سقوط نظام صدام، كانوا ينظرون باستعلاء غير مسبوق الى السياسيين العراقيين. بل كانوا يتعمّدون إهانتهم، وتحقيرهم، حتى في التصريحات العلنية. وكلما حاول المسؤولون العراقيون فتح صفحة مع الرياض لكف أذاها، لم يكن آل سعود يهتمون بهم او يعيرونهم بالاً، ويتعاطون مع العراق وحكومته وشعبه، كسقط المتاع.
العراق تغيّر اليوم، وإن لم يتغيّر السياسيون العراقيون!