العلاقات السعودية الإيرانية وفق البوصلة (الترامبية)!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 839
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

محمد الأنصاري
قطعت الرياض كافة علاقاتها السياسية والإقتصادية وغيرها مع ايران، على خلفية مهاجمة محتجين إيرانيين سفارتها في طهران، وقنصليتها في مدينة مشهد، ثاني أكبر المدن الإيرانية، وذلك بعد إقدام الرياض على إعدام الشيخ نمر النمر.
يبدو أن الرياض استعجلت قطع العلاقات مع طهران، أو هذا ما تقوله الأخيرة؛ إذ كانت تبحث عن حلّ لأزمتها السياسية بتوسيع نطاق الصراع الطائفي الشيعي السنيّ، والقومي العربي الفارسي، ولكن ما جنتهُ كان قليلاً، إنْ لم يكن شبه معدوم.
ذلك أن أيّة دولة اسلامية لم تجاري الرياض في معركتها الطائفية المفتوحة. وحتى دول الخليج، التي تملك الرياض دالّة على بعضها، لم يسايرها أحد، اللهم إلاّ البحرين، وقد كانت مكرهة على قطع العلاقات. وأما الدول الخليجية الأخرى، فقد سحبت الكويت وقطر والإمارات سفرائها من طهران، لبضعة اسابيع، تضامناً مع الرياض، ولكنها لم تقطع العلاقات.
الثابت حتى الآن، هو أن العلاقات الإيرانية العُمانية؛ والإيرانية الكويتية، شبه ممتازة. في حين أن قطر ـ التي تقرأ جيداً المتغيّرات الدولية والإقليمية ـ تتوق لتطوير علاقاتها مع طهران، خاصة وأنها تشترك معها ليس فقط في الحدود البحرية، ككل دول الخليج الأخرى، وإنما تشترك معها أيضاً في مصالح اقتصادية ضخمة، بسبب تشارك الدولتين في أكبر حقول غاز في مياه الخليج.

تيريزا ماي تنصح آل سعود بالتفاهم مع إيران
أما الإمارات العربية المتحدة، فتبدو متعبة بقدرٍ كبير من سياسة التبعية للرياض، وأكلافها السياسية غير المحتملة؛ وفي مقدمتها الحرب العدوانية على اليمن، وهي تتوق لإيقاف الحرب، بعد أن فشلت في البحث عن مخرج لها وحدها من الحرب، بحيث لا يزعج الرياض انسحابها من اليمن.
وكان وزير الدولة للشؤون الخارجية الإماراتي الدكتور أنور قرقاش، قد أعلن ـ وبشكل مبطّن ـ في يونيو الماضي، انسحاب قوات بلاده من اليمن، واضاف بما نصه أن (الحرب انتهت عملياً اليوم، وتمّ رصد الترتيبات السياسية لتمكين الشرعية من إدارة الخدمات الأساسية وتحسين أدائها ورصد إرهاب القاعدة المدعوم من الإخوان المسلمين). لكن السعوديين أثاروا ضجة، ما دعاه الى نفي سحب قوات بلاده، وقال ان هناك سوء (ترجمة) لما قاله.
في كل الأحوال، فإن الإمارات تحاول اليوم تلمّس وضعها المستقبلي، وتبحث عن مخرج. ويقال أن وفداً اماراتياً قد وصل طهران بداية يناير الماضي، بغرض البحث عن آفاق التسوية في اليمن.
عادل الجبير.. تصعيد الأزمة
يعتقد دبلوماسيون غربيون في الرياض، بأن عادل الجبير، وزير الخارجية السعودي، تعمّد تصعيد الأزمة مع إيران، على خلفية مهاجمة السفارة السعودية، رغم محاولات روحاني وظريف تهدئة الأوضاع، واعتقال المهاجمين. في حين يقول مقربون من الجبير نفسه، أنه مجرد (موظف مأمور) وأنه ينفّذ سياسة الدولة، ولا يخترعها.
وبالرغم من حقيقة أن عدداً من الكتاب السعوديين الجريئين قد نصحوا مبكراً النظام بعدم تصعيد الصراع الإقليمي، خاصة إن كان على أرضية طائفية.. وقرروا ان الاستمرار في هذا الصراع لا يخدم في المدى القريب والبعيد الحكم السعودي نفسه..
فإن تلك الأصوات ضاعت هباءً منثورا. بل أن بعض الناصحين ـ من المؤيدين في الأصل للنظام ـ قد تمّ اعتقالهم، كما حدث مع الكاتب في صحيفة الحياة، طراد العمري، الذي لازال معتقلاً.
كل ما قاله طراد سطره في تغريدات وفي مقالة (إيران والسعودية.. بين الشيطان والرحمن).. هو أن الخصومة السياسية مع ايران تتطلب مراجعة وإعادة نظر (لكي تحقق السعودية الغاية المنشودة من هذه الخصومة، وأفضل المنافع، أو الخروج بالحد الأدنى من الخسائر). ورأى بان اتهام ايران بكل صغيرة وكبيرة ـ وهو ما تقوم به السعودية واعلامها ـ أمر غير ايجابي. فـ (ـوضع إيران كسبب خلف كل مشاكل المنطقة: في اليمن، والبحرين، والكويت، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، وأفريقيا، هو إرهاق للسياسة، وتبديد للجهد من غير نتائج إيجابية. كما أنه دليل على سذاجة الخطاب السياسي والدبلوماسي والإعلامي).
ويضيف: (يمكن لنا في السعودية أن نشتم إيران ونلعنها ثلاث أو خمس مرات يومياً، لكن يتحتم علينا سؤال أنفسنا: ما هي الفائدة؟ رب قائل يقول: أن لدى إيران مشروعاً له صبغة خارجية توسعية للهيمنة: فارسي أو صفوي أو مجوسي أو طائفي شيعي. حسناً فليكن. وهل هناك دولة في العالم ليس لها مشروع خارجي، بصرف النظر عن اسبابه ودوافعه وأيديولوجيته وأهدافه، سلبية كانت أو إيجابية؟). لهذا يدعو طراد العمري الحكومة السعودية الى (إعادة صياغة خطابها السياسي والدبلوماسي والإعلامي)؛ ويضيف في حال رفضت الحكومة هذا الرأي: (إذا كانت السعودية لا تريد التفوق على ذاتها، وإجراء مصالحة مع إيران، وأصرت على ترقية إيران إلى مستوى العدو، فلا بأس، ولتتخذ السعودية إذن من الآية الكريمة «إدفع بالتي هي أحسن، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم» منهجاً وأسلوباً في السياسة الخارجية).
ويفند العمري المبالغات في الإعلام السعودي وتصوير ايران كبعبع يهدد السعودية، فيقول: (لا يوجد منطق سياسي أو إستراتيجي، حول نظرية إستهداف إيران للسعودية، حتى ولو أصبحت إيران تدير عواصم اليمن، والبحرين، والكويت، والعراق، وسوريا، ولبنان، ومصر، وكل أفريقيا. إيران تعرف ذلك حق المعرفة، والعالم يدرك ذلك، والسعودية أيضاً). زد على هذا فإن (تصوير الشيطان أو إيران على أنهما السبب خلف كل مصائب الفرد والمجتمع والدولة في السعودية، ولعنهما وشتمهما صباح مساء، لن يؤدي إلى نتيجة، وفيه هدر للجهد والوقت والمال، ووهم كبير، وسذاجة أكبر، ويعظّم بالزور والبهتان من كيد الشيطان وقوة إيران).

وزير خارجية الكويت في رحلة وساطة بين السعودية وايران
رغم كل النصائح، وبينها نصائح اوباما والإتحاد الأوروبي، اتجهت الرياض الى التصعيد، ولازالت، رغم أن كل المعطيات تشير الى خطأ سياستها التي ليس فقط لم تضع حدّاً لتوسع النفوذ الإيراني، بل زادته قوّة، وزادت السعودية انحداراً في كل مشاريعها بالعراق وسوريا ولبنان واليمن ومصر وغيرها.
من بين المعطيات الواضحة التي تشير الى فشل السياسة السعودية، ما دبّرته من حرب نفطية، كان هدفها إغراق الأسواق وتدمير قدرة ايران وروسيا والعراق المالية، ارتدّت عليها، حتى كادت تفلس، وفي النهاية رضخت الرياض، وقررت تخفيض انتاجها ما يقرب من المليون برميل يومياً (ليصل الى تسعة مليون ونصف المليون برميل يومياً)، مع ابقاء حصّة ايران كاملة (نحو أربعة ملايين برميل يومياً).
وعادل الجبير الذي كان يطيبُ له التغريد مساء قبل النوم: (على الأسد الرحيل إما عبر المباحثات او بقوة السلاح).. خسر رهانه، وانتصر الأسد وحلفاؤه على المشروع السعودي التركي القطري الأمريكي الغربي، حتى تكاد الرياض ان تكون اليوم لاعباً ثانوياً في معادلة الحرب الأهلية السورية.
معطيات جديدة: ترامب رئيساً
من أكبر رهانات الرياض لاستعادة موقعها الإقليمي، على ضوء موجة الصراع مع إيران، هو أن يأتي رئيس أمريكي يقلب المعادلات، ويعيد للصراع مع ايران مكانته الأعلى، وهو ما لم يفعله أوباما، وربما قد تفعله كلينتون في حال فوزها في الانتخابات.
هكذا فكرت الرياض، ولكنها فوجئت بانتصار ترامب.
جاء رئيس لأمريكا بدا للوهلة الأولى أنه قد يمضي في سياسات العزلة وعدم التدخل العسكري، وقد يكون أكثر شدّة على الرياض من أوباما (الصديق النصوح). وحتى تهديدات هذا الرئيس الجديد لإيران، والتي كانت عزاءها الوحيد في سياسة ترامب، لا يبدو ان الأخير قادر على تنفيذها.
ومع انسداد الوضع العسكري في الحرب العدوانية على اليمن، وتكرار مزاعم الانتصارات السعودية على الشاشات فقط.. ومع توتر العلاقات مع مصر، والتحول التركي المثير في سياسته تجاه سوريا والحلف الروسي الايراني.. بدا ان الرياض شديدة القلق من اضافة أحمال على كاهلها قد يأتي بها ترامب (قانون جاستا، خسارة مواقعها الاقليمية، وتأكيد عزلتها السياسي، وإنهاء دورها الإقليمي رغماً عنها).
هنا، ظهرت وساطات عديدة لإعادة العلاقات السعودية الايرانية المقطوعة.
بعضها جاء بموافقة ضمنية من السعودية نفسها.
وبعضها جاء بنصائح أصدقاء السعودية.
ونشير هنا، الى أن رئيسة وزراء بريطانيا، تيريزا ماي، وأثناء حضورها القمة الخليجية في البحرين في ديسمبر الماضي، أصرّت على اصدقائها الخليجيين، أن يطبّعوا العلاقات مع ايران.
معلوم ان هذه النصيحة تأتي استجابة لحاجات بريطانيا الخارجة من الاتحاد الأوروبي، والتي تريد أن تأكل من المائدتين الإقتصاديتين: الخليجية والإيرانية.
وفعلاً وافق الخليجيون ـ السعوديون خصوصاً ـ في المؤتمر على أن تتولّى الكويت مسألة بحث الأمر مع إيران، وهو ما أدّى الى زيارة وزير الخارجية الكويتي الى طهران مؤخراً.
المدهش، أن تلك الزيارة جاءت مباشرة بعد زيارة وزير الدولة البريطاني للشؤون الخارجية توبياس إلوود، والذي ناقش في واحد من الموضوعات، قضايا الصراع السعودي الإيراني.
وحسب بعض المصادر، فإن نحو عشر دول عملت على أن تكون وسيطاً بين البلدين، ولكن معظمها رُفض سعودياً.
ولعلّنا نذكّر، بأن الإتحاد الأوروبي ـ ومنذ ٢٠١٣ ـ ينصح السعودية بعدم تصعيد الموقف مع ايران منعاً لعدم استقرار المنطقة الخليجية. وايضاً نذكّر هنا بنصيحة اوباما للسعودية بأن تتفاهم مع ايران في شؤون الاستقرار الوضع الخليجي. وهذا ما أغاظ الرياض، أكثر مما أغاظها الإتفاق النووي الغربي مع ايران.
بسبب تغيّر المعطيات الإقليمية (تركيا، سوريا، مصر، العراق، لبنان، اليمن)، تبدو الرياض ـ التي بادرت بقطع العلاقات مع طهران، في طور استمزاج افاق الحوار مع طهران، الذي لاتزال غير راغبة فيه، والذي لن تذهب اليه إلا تحت وطأة الضغوط ـ اذا ما حدثت من ترامب عليها.

بمعنى آخر، فإن خيار الرياض لازال كما هو: إبقاء الصراع مع ايران. وعلى وقع سياسات ترامب فيما يتعلق بالسعودية والوضع الاقليمي، فإن الرياض ستقرر ما اذا كانت ستعيد العلاقات مع طهران أم لا.
إذا ما وجدت الرياض ان الحرارة ستدبّ في العلاقات السعودية الأمريكية في العهد الترامبي، فإنها لن تقدم ـ بأي حال ـ على خطوة اعادة العلاقات، بل ستواصل القطيعة، على أمل أن يحدث متغيّرٌ كبير لصالحها، يعيد لها نفوذها الضائع، وزعامتها المتوهّمة في العالمين العربي والإسلامي.
اذن فإن زيارة وزير الخارجية الكويتي جاءت في مرحلة الإستكشاف، والرياض لا تريد أن تبدو وكأنها الملامة بقطع العلاقات، خاصة انها لاحظت مؤخراً، أن تصريحات المسؤولين الإيرانيين تتعمّد التهدئة ـ من وجهة نظرها ـ كما هي تصريحات ظريف في دافوس مؤخراً، في حين أن مسؤوليها، خاصة وزير الخارجية الجبير، يتعمّد شحن الأجواء بالصراع، ما يلقي بالملامة عليها.
كأن الرياض بدأت تغير من تكتيكها، اكثر مما هي مستعدة لتغيير استراتيجيتها.
الرياض تريد ان تقول للعالم بأنها لا تُمانع في تطبيع العلاقات مع ايران، ولكن الطرف الإيراني هو أساس المشكلة. ولهذا لاحظنا، في الآونة الأخيرة شيئاً من التغير في خطاب عادل الجبير تجاه ايران، والذي اعتبرها جارة، واتهمها بأنها هي من يقوم بتوتير الأوضاع في المنطقة العربية والخليجية.
مفاوضات الهزيمة
حتى قبل ان تظهر المبادرات الغربية والخليجية بشأن اعادة العلاقات السعودية الإيرانية، فإن الرياض كانت على الدوام ترفض حواراً إيرانياً معها، يُنظّم الخلاف والمصالح، ويرسم حدود التماس، كما ترفض نقاش نفوذ الطرفين الذي أدّى في النهاية الى الصدام.
الأمراء السعوديون، يعتقدون أن أية حوار مع ايران، سيكون في غير صالحهم. فحين يجلس الطرفان على طاولة الحوار، ستكون اليد العليا لطهران، بالنظر الى واقع حجمها على الأرض. ولهذا السبب، كانت السياسة السعودية تميل دائماً الى عدم التفاوض مع ايران الا بنديّة؛ وهذه النديّة غير ممكنة بدون توسعة النفوذ السعودي على الأرض، بحيث تكون لدى الرياض أوراق قويّة تعادل بشكل ما، الأوراق الإيرانية.
دون ذلك، فإن اية حوار، سيكون مكسباً لإيران، من وجهة النظر السعودية.
ولهذا اختطت المملكة سياستها مع ايران على أساس المواجهة بمختلف أشكالها الطائفية والاقتصادية/ النفطية، والعسكرية، والحرب بالنيابة، بغرض:
* القضاء على النظام القائم كليّا، وهو امرٌ كان يحلم به الأمراء الى أن (نكَبَهُم) أوباما، بزعمهم. وتدل وثائق ويكيليكس على هذا التوجّه، والتحريض السعودي لأمريكا ولإسرائيل لمهاجمة ايران عسكرياً، باعتبارها رأس الأفعى حسب تعبير الملك السابق عبدالله.
* إضعاف النفوذ الإيراني واستنزافه قدر الإمكان، وبالتالي امتصاص زخمه واضعاف إيران في النهاية. هذا يفسر حماسة السعودية لاستمرار الحرب في سوريا؛ وهو ما يفسّر ايضاً اصرار الرياض على اعتبار العراق ساحة معركة مع ايران، وهو ما أدى الى طرد السفير السعودي ثامر السبهان. وحتى في لبنان، كانت الرياض أحد أهم عوامل إثارة الإضطرابات، وكان الدواعش السعوديون على رأس التخريب والتفجير، وكذلك فعلت الأموال السعودية في تعطيل الحياة السياسية، الى أن تمت هزيمتها مؤخراً بوصول عون الى الرئاسة.
وفي كل الأحوال، فإن هدف الرياض النهائي، في حال عدم القدرة على إسقاط النظام في ايران، هو تكسير نفوذها، حتى ولو لم ترث الرياض شيئاً منه. ففي النهاية سيؤدي ذلك الى ان تكون أكثر ارتياحاً حين الجلوس الى طاولة المفاوضات مع الإيرانيين.
السؤال: حول ماذا يتفاوض السعوديون والإيرانيون؟
أزمة السعودية مع ايران انها خسرت المنافسة السياسية، فتحولت الى عداء صريح، وصراع دموي، يتخذ أشكالاً طائفية وقومية.

كان الأمراء السعوديون يصرخون من الألم وهم يجدون انفسهم يتهاوون اقليمياً، فكان الحلّ بنظرهم هو اعتماد سياسة الهجوم للحفاظ على آخر مواقعهم. لهذا تدخلوا عسكرياً في البحرين، وشنّوا حرباً ظالمة على اليمن بلا مبرر، سوى تضخم الهوس من ايران ونفوذها.
١/ يستطيع السعوديون والإيرانيون الوصول الى تفاهم بشأن انتاج النفط وتسعيره، خاصة في الظرف الحالي بعد تجربة سعوديّة مرّة، آذت الدول المصدرة للنفط، وصار من الحتمي وضع حدّ للخسائر التي يتعرض لها المنتجون. وما نشهده الآن، هو تجربة متكررة ـ وتكاد تكون متطابقة ـ لما حدث عام ١٩٨٦، حين اغرقت الرياض سوق النفط، وعادت مكرهة في التسعينيات لتتفاهم مع فنزويلا وايران لايقاف النزيف المالي.
٢/ هناك ملفّات خرجت من اليد السعودية أو خسرتها، ولم تعد قادرة على وضعها على طاولة المفاوضات، مثلما هو الحال في لبنان، والعراق، حيث باتت داعش في أيامها الأخيرة (عسكرياً). كذلك فإن الملف السوري صار شبه كامل بيد انقرة، وليس بيد السعودية وقطر والإمارات. أنقرة هي الوريث الوحيد لكل هؤلاء ولكل جهودهم؛ وأما الجماعات التي تدعمها الرياض، خاصة جبهة النصرة، فقد حانت نهايتها بذات الطريقة التي تنتهي فيها داعش الآن. وعليه لا تستطيع الرياض، الإستفادة من هذه الأوراق على طاولة المفاوضات، حتى لو أرادت ان تُشاغب، وما أكثر مشاغباتها.
٣/ لا يستطيع الإيرانيون والسعوديون التوصل الى سياسة مشتركة لحماية أمن الخليج، الذي يتعرض لخطر وهمي في الأساس جرى تضخيمه، لزيادة النفوذ والقواعد العسكرية الغربية. والآن، ومع وجود هذه القواعد الغربية الفرنسية والبريطانية والأمريكية في كل دول الخليج، وبالرغم مما يقال أن أمريكا ستتخفف من وجودها العسكري في المنطقة لصالح زيادة حضورها في المحيط الهادي لمواجهة الصين. رغم كل هذا، فإن الحضور الغربي حاجة غربية للإبتزاز والسيطرة؛ وهي حاجة خليجية مفتعلة، بلحاظ ان هذه الدول لا تثق في حماية السعودية وايران، ولا أي ترتيبات أمنية يقومان بها؛ بل تثق هذه الدول الخليجية فقط في توفير أمنها على يد الغربيين فحسب.
وعموماً فإن السعودية وبالمقارنة مع القوة العسكرية البحرية الإيرانية لا تعدّ ذات بال، وهو ما يجعلها ترفض الترتيبات الأمنية المشتركة، ما لم يكن لها اليد العليا، وهو أمرٌ مستحيل حدوثه بحكم الأمر الواقع، وبحكم الحضور البحري الإيراني في الخليج.
٤/ بقي ملف اليمن والبحرين، وحسب رجل السعودية العسكري سعد بن عمر، فإن (الثوابت في العلاقات العربية الإيرانية، تمثلها السعودية في عدم اقتراب ايران من جزيرة العرب، وخاصة في اليمن والبحرين. عدا ذلك قابل للنقاش).
واضح ان المشكلة سعودية ايرانية، وليس خليجية ايرانية، كما أنها ليست عربية ايرانية، ولا شيعية سنية، ولا قومية فارسية مع قومية عربية. ولكن الرياض تتلطى خلف حشد الدول معها، وكأن مطالبها هي مطالب الآخرين، أو كأن الجميع في مشكلة مع ايران. وهذا غير صحيح، كما أكدنا ذلك بداية المقالة.
حسبما يُفهم من كلام سعد بن عمر، إنْ صدق، فإنّ الرياض غير مهتمة اساساً بموضوع الجزر الثلاث التي تقول الرياض ان شاه ايران قد اخذها عنوة وعلى النظام في ايران ان يعيدها.
والرياض ليست مهتمة، لا بديمقراطية ولا بحرية، ولا بإيجاد نظام سنّي في سوريا.
كما أنها فقدت الأمل في تغيير بالعراق يكون لصالحها.
كل ما يهم الرياض، هو أن تكون سيّدة جزيرة العرب، وأن تكسب حرب اليمن، وان يُرسم خط أحمر حول نفوذها الوحيد في الجزيرة العربية.
هذا يذكرنا حين تدخّلت تركيا للوساطة مع البحرين بداية الثورة في فبراير ٢٠١٤. يومها قالت الرياض لتركيا: موضوع البحرين شأن سعودي محض، لا أحد يتدخّل فيه.
ولأن آل خليفة قد قبلوا بذلك، فإن الوساطة قد انتهت كما غيرها.
لكن موضوع اليمن ليس شأنا سعودياً، ولا شأنا إيرانياً. ومن يحكم اليمن على الأرض هم يمنيون لا تستطيع ايران ولا السعودية نفسها اقتلاعهم مهما توحّشت الآلة السعودية العسكرية المدعومة غربياً.
فماذا تريد السعودية من ايران بشأن اليمن أو البحرين؟
تعتقد الرياض بدورٍ متضخّم لإيران في البلدين. وهذا مشكل في أساسه.
تنازل ايران عن موقفها السياسي خاصة في اليمن، والمعارض للعدوان السعودي، لن يغير من واقع السياسة، ولا يمكن للرياض البناء عليه كيما تنجح قواتها في الميدان.
اليمن بالذات ليست قضية ايرانية سعودية، بل قضية يمنية سعودية، ولا أحد يستطيع ان يتحدث بالنيابة عن شعب اليمن، لا إيران ولا غيرها.
نعم ايران تريد حلاً سلمياً وتتعاطف سياسياً، وربما تدعم مالياً بنحو ما الحكومة في صنعاء، لكن صمود اليمن بالأساس نابع من صمود شعبه في وجه العدوان السعودي. ودعم اليمنيين الذين يتعرضون للقصف والتدمير واستخدام الاسلحة المحرمة، ليس جريمة؛ خاصة وأن من يدعم آل سعود في حربهم على اليمن بالسلاح والخطط والمشورة وغيرها، هم بريطانيون وأمريكيون وأنظمة فاسدة أخرى، عربية وغير عربية.
واذا ما ارادت الرياض ضمان موقعها في اليمن، او الحفاظ على ما تبقى من نفوذها فيه، فإن هذا لا ينتج من خلال صفقة ايرانية سعودية، بل عبر إيقاف العدوان السعودي، وعبر صفقة سياسية بين اليمنيين أنفسهم. عدا عن ذاك فإن الرياض ستكون الخاسرة، حتى لو قاتلت الولايات المتحدة بشكل مباشر معها.
موضوع البحرين واليمن، حساسين للسعودية، فهما الحديقتان الخلفيتان لها. ولكن الحفاظ على هاتين الحديقتين ـ حكراً على النفوذ السعودي ـ لم يعد ممكناً الآن، بعد أن سالت الدماء انهاراً على يد القوات السعودية الغازية. الأمر الوحيد الممكن للحفاظ على مكانة السعودية في محيط جزيرة العرب، هو ان تنسحب القوات السعودية من البحرين، ومن اليمن، وأن لا تقف حجر عثرة أمام حلول سياسية بين البحرينيين وحكومة آل خليفة، ولا بين القوى اليمنية المتعددة.
وفي كل الأحوال، فان الحوار السعودي الإيراني، وحتى لو جاء الآن، وهو أمرٌ مشكوك في حدوثه في المدى المنظور، فهو قد تأخر كثيراً، بحيث فقدت الرياض معظم قواها وأوراقها. وكلما تأخر الزمن، كلما كانت الرياض هي الخاسرة في نهاية المطاف.
لو ان الرياض قبلت بحوار في لبنان يفضي لوصول عون الى السلطة، لما خسرت اوراقاً كثيرة في لبنان.
ولو ان الرياض لم تخرّب لقاءات جنيف بين السوريين وحكومتهم، لما خرجت من المولد بدون حمّص، تقريباً.
ولو أن الرياض لم تبادر فتشن حربها العدوانية على اليمن، ولو أنها قبلت بحوار مع أنصار الله كانوا في الرياض يرجون حواراً عقلانياً مع آل سعود.. لو ان الرياض لم تفعل كل ذلك، لوفرت الكثير من الدم، ومن الخسائر لها ولغيرها.
ولو ان الرياض فعلت ذات الأمر مع العراق وايران، لكانت في وضع أحسن مما هي عليه.
لكن الرعونة السعودية ستصل الى نهايتها، بالحوار او بدونه.
ستخسر الرياض كل معاركها، وستنعزل بنفسها، وستنشغل بانبعاث العنف الداعشي بين جنباتها كانعكاس واقعي لهزيمتها في كل الجبهات.
المهزوم يستطيع أن لا يقبل بالحوار، لكنه لا يستطيع أن يجبر الآخر المنتصر على التنازل.