تيران وصنافير.. بين السيادة والسياسة والفوضى

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 1004
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

أحمد الشرقاوي
بداية، نود أن نشارك الشعب المصري العظيم فرحته الكبيرة بالحكم التاريخي الذي قطع بالسيادة المصرية على جزيرتي تيران وصنافير قبل حتى أن ترى مشيخة “السعودية” النور ككيان في المنطقة، بدليل الخرائط وأرشيف التقارير البريطانية التي اعتمدتها المحكمة الإدارية العليا لتعليل قرارها، والتي تؤكد أن الجيش المصري كان متواجدا على الجزيرتين قبل أكثر من 100 سنة.
وبصدور هذا الحكم من أعلى هيئة قضائية مصرية، تكون الحكومة قد استنفذت كافة وسائل الطعن القانونية المحلية، ولم يعد أمام المتضرر من القرار سوى اللجوء إلى التحكيم الدولي، ولا يحق للبرلمان النظر في القضية متجاهلا هذا الحكم أو حتى مناقشته لما لسلطة القضاء من استقلالية ولقراراتها من قدسية، والشعب المصري لن يقبل بأن تقوم المؤسسة التشريعية بالاعتداء على صلاحيات المؤسسة القضائية، هذا خط أحمر لا يمكن تجاوزه، واعتداء على سيادة الشعب الذي هو مصدر السلطات، ودونه انفجار قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.
هنا تنتهي حدود السيادة لتبدأ مفاعيل السياسة، والسؤال الذي يطرح بالمناسبة هو: – من الذي أثار موضوع الجزيرتين في هذا التوقيت الحساس الذي تعرف فيه المنطقة غليانا غير مسبوق؟..
المعطيات تؤكد أن الرئيس المخلوع حسني مبارك هو من اقترح على “السعودية” ضم الجزيرتين قبل 10 سنوات بضغط من “إسرائيل” لأهميتهما الإستراتيجية في إطار ما كانت تخطط له تل أبيب من تحالف عسكري استراتيجي مع “السعودية” لتحويل الجزيرتين إلى منصات عسكرية لضرب النفوذ الإيراني في المنطقة، لكن مبارك تراجع في آخر لحظة خوفا من العواقب، وطلب من الرياض تأجيل الموضوع إلى وقت لاحق.
ثم جاء السيسي ليعيد إحياء القضية بسبب الظروف الاقتصادية الكارثية التي عرفتها مصر ما بعد الثورة وحاجة الحكومة إلى الدعم “السعودي” والخليجي لإخراج البلاد من أزماتها المركبة، ورفعه شعار “أمن الخليج من أمن مصر” و “مسافة السكة” في دلالة واضحة على قراره الانخراط في المشروع “الصهيو- سعودي” المدعوم أمريكيا لضرب نفوذ إيران في المنطقة مقابل الرز وضدا في المبادئ والأخلاق، فالتقطت “السعودية” و”إسرائيل” الفرصة، وأصبح موضوع الجزيرتين ورقة ضغط بيد الرياض وتل أبيب لتصعيد الأوضاع ضد السيسي في الداخل المصري في حال تراجع عن قراره.
فـ”السعودية” التي تطالب اليوم مصر بضرورة احترام الاتفاقية الموقعة بين العاهر سلمان والسيسي في القاهرة، تتجاهل أن هذه الاتفاقية وفق معاهدة جنيف لا يمكن أن يتم تفعيلها واقعا على الأرض إلا إذا استكملت كافة الإجراءات الدستورية والقانونية واكتست الغطاء الشرعي الملزم.
لكن “السعودية” لا يبدو أنها ستلتزم بمقتضيات معاهدة جنيف، وستعمل على استغلال هذا الخطأ الكارثي الذي وقع فيه السيسي لتنتقم منه ومن الشعب المصري الذي خرج يهتف ضد العاهر سلمان ويقارنه بـ”إسرائيل” من خلال شعار “أهلا، أهلا يا تيران ويا صنافير.. لا سلمان ولا إسرائيل”، الأمر الذي أثار حفيظة المهلكة التي رأت في تصعيد الشارع عودة للخطاب الناصري القديم.
وكان الملك سلمان قد غرد على موقع تويتر قبل يومين حيث كتب يقول: “تيران وصنافير سعوديتان وستبقيان كذلك، وضعف الرئيس المصري في إدارة شؤون البلاد هو السبب الرئيس في رفض تسليمهما للمملكة، ومن الأفضل للسيسي أن يستقيل”..
هذا تعبير عن موقف أعلى سلطة في الرياض وتهديد صريح للسيسي يضعه أمام ثلاث خيارات أحلاهما مر، إما أن يسلم الجزيرتين أو يستقيل أو يواجه الفوضى.. هذا واضح..
من هنا يمكن الانطلاق للحديث عن السيناريوهات المتوقعة، لأن ما قاله العاهر سلمان يعبر بصدق عن حقيقة ما تفكر به الرياض التي منيت بهزائم مذلة في سورية ولبنان والعراق واليمن تسببت لها بكوارث اقتصادية وسياسية كبيرة لا يمكن احتوائها، وكانت تتوقع ورقة الجزيرتين لتستر بها عورتها أمام شعبها وتبني عليها تحالفها من الكيان الصهيوني المجرم لمواجهة “إيران”.
وبالتالي، ما يؤكد فرضية الفوضى، هو نية “السعودية” إعلان الحرب ضد مصر على كافة المستويات، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية من خلال أوراق عديدة وخطيرة تتحكم بها..
فمثلا، هناك الورقة السياسية التي فعّلتها في وجه مصر حين منعت مشيخات الخليج من التعامل مع القاهرة.
وهناك الورقة الاقتصادية التي تعتبر الأقوى، لأنها تقطع عن مصر كافة المساعدات المالية وتحرمها من فرص الاستثمار الخليجية التي كان يعوّل عليها السيسي حين أقام قناته العبثية غير المجدية في محاولة لتقليد الزعيم جمال عبد الناصر رحمه الله..
وتستطيع الرياض التلويح في حال اللاعودة بورقة العمالة المصرية التي تشكل سلاحا اجتماعيا واقتصاديا خطيرا، نظرا لأن العمالية المصرية تصل اليوم إلى أكثر من مليون ونصف مصري في “السعودية” وحدها دون بقية مشيخات الخليج، والتي ستجد نفسها مضطرة للتضامن مع الرياض وحذو حذوها..
ثم هناك ورقة ما يسمى بـ”الأزرق” أي مياه النيل التي تشكل عصب الأمن القومي المصري، وزيارة ممثل العاهر السعودي إلى إثيوبيا وعرضه المساهمة في تمويل السد وبناء سدود ثلاثة أخرى، كان هدفه إشهار سلاح العطش في وجه الشعب المصري، و’آل سعود’ لن يتوانوا في ذلك ما داموا استعملوا سلاح النفط ضد روسيا وإيران من قبل، واستعملوا سلاح العطش ضد أكثر من 5 مليون سوري في دمشق حين أوعزت المهلكة وقطر إلى “جبهة النصرة” بتخريب وتلويث مصادر المياه الصالحة للشرب التي تغدي العاصمة السورية من منبع واد بردى.
أما الورقة الأخطر، فهي الورقة الأمنية، والتي بدأت الرياض بمعية قطر تحضر لها قبل فترة، حيث قام ولي العهد “السعودي” الأمير محمد بن نايف نهاية شهر أيلول/سبتمبر الماضي ومباشرة بعد عودته من اجتماعات الأمم المتحدة في نيويورك، بلقاء قيادات “الإخوان المجرمين” الهاربين في تركيا، حيث تم تدارس مخططات التصعيد المرتقب في المحروسة بمساعدة تركيا، وهو الأمر الذي أثار حفيظة الحكومة ودفع بجهات رسمية لاقتراح طرد السفير “السعودي” من القاهرة، وبرغم استفسار الخارجية المصرية عن الموضوع إلا أن الخارجية “السعودية” لم تنفي ولم تؤكد تاركة الأمر في إطار الغموض البناء ليفهم السيسي ما تعد له الرياض وحلفاؤها في حال عدم التزامه بتسليم الجزيرتين ورفضه الخضوع للسياسات “السعودية” ضد إيران في المنطقة.
وتتحدث أوساط تركية عن قرب سفر وفد كبير من “الإخوان” من تركيا إلى “السعودية” لمقابلة المسؤولين هناك وبحث ما يمكن فعله لتصعيد الأوضاع في المحروسة، كما وأن الإمارات تراهن على شراء ذمة بعض القيادات السياسية والعسكرية لتسهيل عملية الانقلاب على السيسي من الداخل بمساعدة “إسرائيل”، ومحاولة السيسي تخفيف الحصار عن قطاع غزة هدفه تحييد ورقة حماس من الصراع الذي يلوح في الأفق، لكن من يراهن على ضمير الأفعى ينتهي به الأمر مقتولا بسمها من حيث يدري ولا يدري.
والمصيبة، أن السيسي لا يتمتع اليوم بنفس الشعبية التي كان يتمتع بها بعد ثورة 30 يونيو، وهناك من يطالب بمحاكمته بالخيانة العظمى طبقا للفصل 77 من القانون الجنائي المصري لأنه فرط في السيادة المصرية على الأرض التي هي من أقدس المقدسات لدى المصريين، ولا يحق لأحد غير الشعب التقرير بشأنها.
ومعضلة السيسي تكمن في أنه رجل متردد لا رؤية له ولا مشروع، تتقاذفه التهديدات الأمنية وينهار أمام الضغوط السياسية، وقد تأخر كثيرا في الانفتاح على روسيا التي كان يرى فيها بديلا عن تحالفه مع أمريكا الداعمة للإخوان، وتردد كثيرا في التوجه نحو إيران لإعادة العلاقات معها ونسج تحالف إستراتيجي مع محور المقاومة الكفيل بدعمه وحماية مصر من مؤامرات مشيخات الخليج و”إسرائيل”، ولو كان فعل لكانت مصر اليوم في وضع أفضل ومحصنة ضد كل اختراق.
وفي اعتقادي، أن السيسي يراهن اليوم على آخر ورقة، ألا وهي ورقة ترامب، لاعتقاده أن الرئيس الجديد سيساعده في حربه ضد الإخوان، ويقبل بالتحالف معه لما يمكن أن تقدمه مصر لواشنطن من دعم في محاربة الإرهاب في المنطقة، لكن ترامب لا يستطيع تجاوز سياسة المؤسسة الأمريكية التي ترى في تقويض مصر وتقسيمها مصلحة أمريكية و”إسرائيلية” استراتيجية..
وبالتالي، فرهان السيسي على ترامب رهان عبثي خاسر، لأن ترامب سيفضل حتما عقد صفقات مربحة مع مشيخات الخليج على أن يشغل نفسه بحماية نظام عسكري ديكتاتوري فاسد، فشل في إخراج بلده من أزماتها المستعصية، وفشل في الحرب على الإرهاب ولا ترى فيه واشنطن أنموذجا صالحا للتحالف معه بدلا من روسيا، ولا يمثل أية قيمة مضافة لاستراتيجية واشنطن الجديدة في المنطقة والمرتبطة أساسا بالتفاهم مع موسكو في محاربة الإرهاب بدل الرهان الخاسر على أنقرة أو القاهرة اللتان أصابهما الإرهاب بالهشاشة.
لذلك، أمام السيسي ورقة الاستدارة الحقيقة الصادقة نحو محور المقاومة، وهي الورقة التي سترعب أمريكا و”إسرائيل” ومشيخات الخليج وتجعل الغرب يخاف مصر ويحترمها ويلبي شروطها..
دون ذلك، أمام الجيش المصري فرصة لإنقاذ مصر بخلع السيسي وإعادة الشرعية للشعب المصري ليقرر من يراه مناسبا لحكمه.. وإلا فالشعب المصري قادر على استرداد سيادته وتقرير مصيره، وقد أعطى للعالم درسا بليغا في الثورة السلمية التي أسقطت الطاغية مبارك.
وبهذا المعنى، وكما يحدث اليوم في تونس أيضا، لا نعتقد أن الربيع العربي قد انتهى، وهذا ما يؤكد أنه ربيع شعبي، وكون أمريكا حاولت ركوبه وسرقته لا يعني أنه ربيع أمريكي كما يحاول إيهامنا اليوم مثقفو السلطة في العالم العربي.
لكننا نستثني من ذلك ما حصل في سورية، لأنه كان بكل المقاييس العلمية والمعايير الموضوعية، ومنذ اليوم الأول، مؤامرة مكتملة الأركان طبخت في الأردن لتكون درعا المدينة الصغيرة منطلقا لها ضد منطق الأمور الذي كان يفترض أن تندلع الثورة المزعومة في دمشق أو حلب أو غيرها من المدن الكبرى، وبالتالي، لا علاقة لما حصل في سورية بالثورة أو الحرب الأهلية بقدر ما له علاقة بحرب فرضت على سورية بسلاح المرتزقة، وهذا ما أصبحت تؤكده عديد الوثائق والتقارير اليوم.
حفظ الله مصر وأعان شعبها العظيم على مواجهة ما يحضر للمحروسة في المدى المنظور من مؤامرات معروفة المنشأ والمصدر والتمويل والأهداف..

بانوراما الشرق الأوسط