القاعة الكبرى.. هذه شهادتي للزيارة التي لن أنسى تفاصيلها ووجعها ما حييت..!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 321
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

عبدالكريم المدي
اتصل بي الصديق / الأستاذ/ طه حسين الهمداني ، في وقت متأخر من مساء الجمعة /صباح السبت ، مؤكدا لي موعد الزيارة التي سنقوم بها ذلك الصباح إلى القاعة الكبرى في صنعاء ،مع مجموعة من الإعلاميين والكُتّاب والصحفيين والحقوقيين وقيادات بعض المنظمات المدنية .
أقرُّ بأنني لم أكن مستعداً نفسياً ولا ذهنياً ولا عاطفياً للقيام بتلك الزيارة التي لا يعي ألمها وأثرها النفسي على المرء إلا شخص مثلي تعني له الكثيروفقد فيها أناسا أعزاء ووطناً مستباحاً وأحلاماً محطّمة.
توجّهت في الموعد نحو القاعة التي كنتُ أقترب منها ولا أكاد أشعربنفسي أو بما يجري من حولي ،كل شيء غائم، مُظلم ، موحش في وجهي ،ركنتُ سيارتي على بعد مسافة لابأس بها وأكملتُ الطريق مشيا على الأقدام وعيني على القاعة والمكان المقابل لها الذي كنتُ متواجدا فيه لحظة سقوط الصاروخ الأول .
أستطيع القول إن مسرح الجريمة كان بالنسبة لي عبارة عن محرقة بشرية/ مسلخ لأبشع وأسوأ سفاحي التاريخ ، من مستوى الألماني ( Karl Friedrich Wilhelm) ولكن بتفاصيل وأشكال وأدوات أخرى .
دخلت عبر البوابة الخارجية وقلبي ينقبض، أحسُّ أنني جسدا بدون روح ، لم أقاوم دموعي،شاهدت عددا من السيارات التي كانت متوقفة أثناء القصف في الموقف الأرضى للقاعة وهي محترقة تماما،تساءلت في سرّي عن مصير أصحابها، وعمّن كانوا متواجدين بداخلها ، ومن هم الأعزاء الذين استقلوها إلى هناك ولم يخرجوامن المكان إلا أشلاء أو قطع لحم متفحمة، أوجرحى يُصارعون الموت .
كنتُ أقاوم وأمدُّ بقدميّ وكأني أضعهما فوق جمر،لا أقوى على سحبهما، مثلي مثل ذلك الذي يجرُّ خلفه قاطرة ضخمة.. أما في باب القاعة الرئيسي / الدور الثاني، فقد كنتُ على موعد مع صدمة وحزن جديدين ،شاهدت أمامي كل الوجوه التي أعرفها والتي لاأعرفها ، كل من فُجع وأحترق وتمزق جسده داخلها شاهدته ،تخيلتُ اللحظات التي وقع فيها الصاروخ الأول في وسطها بإتجاه الجهة الغربية وكذلك الثاني الذي كان بإتجاه الجهة الشرقية وكأن مكانهما قد أُختِير ودُرِس بعناية فائقة.
حاولت أن أتكلم مع الشهيد /الحي/ رجل السلام/ الأستاذ / عبدالقاد هلال ،وعلي الجائفي ،وإبراهيم شجاع ،وعادل نجاد والدكتور المخلافي وغيرهم ولم تسعفني عاطفتي ولغتي كثيرا..
كانت أشلاء القاعة ممزقة ومحترقة كأشلاء من كانوا بداخلها، الفوضى تملأ المكان، وجوه الضحايا تستقبلنا في كل الزوايا باسمة ،باكية وكأنها تتحدث إلينا، تُواسينا في مصابنا تُلوّح لنا،تُحمّلنا أمانة، ووصايا لأهلها وأحبائها وشعبها،وللإنسانية جمعاء..
ونحن نطوف في ربوع الفاجعة تخيلنا – أيضا- كيف قفز الناس مع الصاروخ الأول من النوافذ للخارج لمسافة تزيد عن ثمانة أمتار،ومنهم من كُسِرت ساقه ومنهم من كُسِرحوضه وذراعه وهم يتساقطون فوق بعضهم البعض في مشهدهوليودي يصعب تخيله أو تصويره .
قُطرالفتحتين اللتين احدثهما كل صاروخ بحدود خمسة امتار تقريبا ، حيثُ أخترقا أرضية القاعة الخرسانية وتطايرت بعض شضاياهما في الدور الأرضي.
رائحة الدماء واللحم البشري المحترق لا تزال في المكان ،رائحة المياه المعدنية التي سالت وأختلطت بالجثث وأثاث وموكيت وكنبات القاعة وملابس الضحايا، تُقدم للزائر مشهدا مختلفا،مفهوما آخرا للبشاعة،عنوانا آخرا للإجرام ..والحقُّ يُقال ،لم تكن الرائحة كر يهة بقدرما هي غريبة،تحمل من الصدمة والصعقة ما يكفي لجعلك تُذهل وتتيقن بأن ما جرى هناك غير.
كل شيء مكوم ومُبدّد،مُرعب ومُسَكِّنٌ، حتى يخال لك تصوّر أشياء كثيرة حصلت ،إبتداء من اللجظات التي سبقت لحظة ضغط طياريّ الجريمة على أزرّة إطلاق الصواريخ ، وصولا للحظة الاطلاق والانفجار..
كنت أنظر للمكان الذي أعتقد بأنني سأجلس فيه وأتخيل وضعي ووضع الذين زهقت أرواحهم وضاعت ملامحهم وتحولوا إلى جثث مجهولة الهوية.
أمعنتُ في تفاصيل المشهد الذي كان شبيها بكبرياء وعظمة رجل ممزق، سقف القاعة تحول إلى فراغ تتأمل من خلاله فتجد أمامك آفاقا جديدة للصمود والصبر، وإرادة الإنتصار لأولئك الذين غُدِرَ بهم، صفائح الزنك التي نالها ما نالها، ترسم أمامك أشكالا مختلفة لصورراسخة وعالقة في ذهنك،تتراءى صورة الشهيد الحي/ عبدالقادر هلال وهو باسم ،يلوح لك بيده وداعا ،وصورة الشهيد علي الجائفي وهو يؤدي التحية العسكرية، وإبراهيم شجاع وهو يحييك ..
أطلال القاعة وشدة الدمار الذي طالها،ما تزال تُشعرك بوجود بصيص من الحياة،أو هكذا تتوهم، الأشياء تأبى أن تسقط وتموت،شيء ما يجعلك تربط بينها وبين الأشجارالتي تموت وهي واقفة.
أقتربتُ من صديقي العزيز المحامي محمد المسوري، محاولا التعبير له عن فاجعتي ومتجاوزاً سوء فهم سابق بيننا، وبالفعل فتح لي قلبه وعقله،أنطلقنا في موكب حزننا الأبدي مشدوهين، لا نُصدق ما نراه ، ولا نُريد أن نتقبل بأننا فقدنا حياة أصدقائنا وأحبتنا بضغطة زر طيار جاهل بفداحة ما قام به وبعواقب فعله.
كل شيء كان بطيئا وثقيلا ..لم نتمكن من ضبط حركتنا ولملمة أشتاتنا،لم نتمكن من مغادرة المكان ،من دون أن يكون معنا شهيدنا الحي الذي خسرته اليمن كلها وخسره السلام والحب، وخسرته الشهامة والوطنية /عبدالقادر هلال، ورجل الحرب والسلام / علي الجائفي، والشجاع النبيل / إبراهيم الشجاع ، وغيرهم الكثير، الذين من ضمنهم شهداء وأعلام بيت الرويشان ، الذين فقدوا (22) شخصا من أسرتهم و(12) من أسرة قريبة منهم في خولان الطيال .
الخلاصة:
نقترح أن تتحول القاعة إلى مزار،تُنحتُ فيه أسماء وصور الشهداء والجرحى،وتكون عبارة عن جامعة أوأكاديمية تُقدم لأجيالنا دروسا في الوطنية والحياة ، أهمها: الإيمان بحقيقة أن الخارجي لن يُحب وطنك أكثر منك..، وأن كل من يستدعى الخارج عليه أن يُدرك بأنه استدعى لأهله وأحبائه وشعبه الخراب والدما روالمجازر والذل والدموع والأحزان ).
ملاحظة:
أكتب هذا المقال وصنعاء تعيش قصفا عنيفا والبيوت تكات تُقتلع من أماكنها.
ألف شكر وألف تحية ووردة لكل من ادان الجريمة وواسانا في مصابنا وتضامن معنا عربيا ودوليا.
كاتب يمني