يوم رَسَت «جهانكير» في الحِجاز [2/2]: هكذا طُرِد الوفد الهندي مِن «بلاد الله»

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 470
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

محمد نزال
ربما توقّع (السلطان) عبد العزيز آل سعود أن أعضاء الوفد الهندي (جمعيّة خدّام الحرمين) سيُصيبهم الخوف أو التردّد. أقلّه يأخذهم الخجل، مِن سلطانه، مثلاً. هم في مدينة جدّة، أيّ في البلاد التي أصبحت تحت السلطة السعوديّة، وذلك بعد رسالة الردّ على أسئلتهم التي وصلتهم منه، وبالتالي يَعتقد أنّه لا بدّ لهم الآن أن يعودوا مِن حيث أتوا، مكتفين بما حصلوا عليه أجوبة «مبهمة»... لكن هذا ما لم يحصل.
لم يكن يتوقّع السعوديّون حتى ذلك التاريخ (عام 1926) أن يُخاطبهم أحد بتلك الجرأة، غير المألوفة عندهم، كما سيظهر مِن نص رسالة ردّ الوفد الهندي على رسالة الردّ السعودي. ربما كان مِن حق أعضاء الوفد أن يخشوا على أنفسهم، وهم خارج ديارهم، غرباء، في حضرة «السلطان» الذي فتك، قبل مدّة وجيزة، بأهل البلاد الأصليين، في الحجاز تحديداً، البلاد التي هم على أرضها الآن... وقد أصبحت «سعوديّة».

الردّ على الردّ: لم نقتنع
«مِن الوفد الإسلامي الهندي إلى صاحب العظمة السلطانيّة سلطان نجد وملحقاتها. السلام عليكم ورحمة الله.
استلمنا كتاب صاحب السعادة رئيس الديوان الملكي، جواباً على كتابنا الموجه إلى عظمة السلطان، ادعى فيه أنه أجاب أسئلتنا جواباً شافياً، فشكرنا عظمته لإسراعه في جواب الأسئلة وبذل العناية السلطانيّة إلى كتابنا. نرجو أن عواطف عظمته، لو لاقتنا بهذه الصورة، تتم مهمتنا الأولى التي تتعلق بشأن المخابرات والمراسلات في وقت عاجل، ونبتدئ في مهمّتنا الثانية، لنهيّئ بها الرحيل مِن البلاد الحجازيّة، وبعد ذلك نرجع إلى وطننا الهند ونرفع الأستار المُسدلة على عيون الناس مِن جهة حالات الحجاز.
نحن محاسيبكم، ولو أننا ممنونون ومتشكّرون لإسراعكم في الجواب، لكن مُتأسفون على أن أجوبة الأسئلة كانت مختصرة ومجملة بصورة مبهمة، غير شافية للعليل، ويظهر لنا أن الأصل والمرجع الذي كان تم بيننا وبين عظمتكم في اليوم الأول تُرك في هذه الأجوبة.
كان غرضنا في ذلك اليوم أن الأخبار المشتبهة والأنباء المتواردة، هيّجت مسلمي الهند، فأرسلونا لنسأل عظمتكم عن الوقائع الماضية والموجودة، ونحصل على الأجوبة الصحيحة منكم، فالأسئلة التي وجهّناها لعظمتكم ما كانت لسوء الظن في شأنكم، أو إثبات الذنب والإثم على ذاتكم، بل هذه الأسئلة إنما كانت لتحقيق الحال واختيار ما قيل ويقال. نرى في الأجوبة أن المُجيب يظن - وماله حق أن يظن - أن الأسئلة كأنها هي عين إثبات الذنب في شأن عظمتكم، ولذلك هو يجتهد في الأجوبة لرد هذا الإثبات والإلزام ويورد الاعتذار عن الذنوب المفروضة في الذهن. نحن نصرّح بعد هذا أن قصدنا الوحيد هو معرفة الأحوال الصحيحة، والتحقيق في الأمور المشتبهة، فالمسؤول مِن عظمتكم أن تُبينوا لنا الوقائع الحقيقيّة، والأمور الصادقة، وبعد ذلك وإذا كان هنالك شيء غير جائز عرضه على عظمتكم حينئذ يكون لكم الحق إمّا أن تردوه أو تُبينوا الأدلة على جوازه. أما الآن ولم تلزم شيئاً ما على عظمتكم، فذكر الأدلة للجواز أو الاعتذار شيء سابق لأوانه. ثم نحن نسأل عظمتكم بكل أدب واحترام أن تخرجوا الريب والظنون مِن قلبكم الكريم، وتجيبونا على الأسئلة الموجّهة إليكم بالترتيب المذكور في كتابنا السابق. نشكركم ويشكركم بواسطتنا مئات الألوف من إخوانكم مسلمي الهند».

«السُلطان» في ورطة
كانت هذه فقط مقدمّة رسالة الردّ الهندي على الردّ السعودي. بات واضحاً أن أعضاء الوفد الهندي، مع إصرارهم على مطالبهم، كأصحاب حق، لديهم إصرار مماثل أيضاً على استخدام لغة طافحة بالود والاحترام، وذلك على ما درجت عليه عادة مخاطبة الملوك والسلاطين، خاصة في تلك الحقبة، فضلاً عمّا يمتاز به هؤلاء الهنود مِن سعة صدر وقدرة على انتقاء مفردات «التقريب» لا «التنفير». المهم، سيُدرك عبد العزيز الآن، أكثر مِن ذي قبل، أنه أمام ورطة حقيقيّة، مع جماعة لا تترك له ما يُمكن أن يأخذه عليها، من سوء خُلق أو إساءة أمانة، مثلاً، ولكن في المقابل جماعة مُتمسّكة في حق المعرفة، ذكيّة ومحنّكة، مع إلمام فقهي وسياسي واضح، في قضية «مقدّسة» تعني الأمّة... وهم جزء وزان مِن هذه الأمّة.
وتُكمل الرسالة الهنديّة بفقرات مفصّلة ومتسلسلة:
حوادث الطائف:
«نُحب أن نستميحكم العذر في أن نلقي على جوابكم نظراً إجمالياً، حتى يظهر مقصدنا بأجلى مظاهره، فنقول إن عظمتكم أثبتم براءتكم مِن وقائع الطائف بإيراد قصّة خالد بن الوليد وسيرة النبي فيها، لكن لا يخفى على عظمتكم أن الجواب كان يصح لو ألزمنا على عظمتكم مسؤولية حوادث الطائف، وكنّا سألناكم بعد ذلك دليلاً وحجّة لبراءتكم، ولكن لمّا ما ألزمنا عليكم بشيء ما، فذكر البراءة بغير ذكر الوقائع شيء قبل وقته وأوانه. نحن نريد الأخبار الصحيحة مِن عظمتكم، والجواب الذي استلمناه ما أوضح لنا وقائع الطائف مطلقاً، ولا يمكن أن هذه جواباً لأسئلتنا (إلا بعضها). فنرجو أن تُرسلوا أجوبة سؤالاتنا الباقية المُتعلقة بوقائع الطائف.
وأما ما ذكرتم مِن قصة خالد بن الوليد في صدد حادثة الطائف، فنحن نُحبّ أن نسأل ثلاثة أسئلة في هذا الخصوص، حتى لا تطول المخابرات بيننا، فنرجو أن تجيبونا عليهم في كتابكم الآتي حتى يتمكن لنا الفهم بسهولة تامة:
والأسئلة ها هي:
1 - الناس الذين بعث إليهم رسول الله خالد بن الوليد كانوا مشركين أم مسلمين؟
2 - حين هوجمت الطائف هل كان أهلها مشركين أم مسلمين؟
3 - لما سَمِع رسول الله هذه القصة أرسل علياً عنه لمواساة بؤساء بني جذيمة، فهل أرسل عظمة السلطان من عنده أحداً لمواساة أهل الطائف»؟
المساجد:
«أما ما ذكرتم مِن عقيدتكم في المساجد، فنحن نعترف بها والحمد لله نعتقد عليها وهذا موجب للاعتماد والطمأنينة، لكن نسأل عظمتكم أن تجيبوا أسئلتنا (17، 23، 24) وأيضاً تخبروننا عن حالة مسجد الكوثر ومسجد الجن ومسجد حمزة».
المآثر الإسلاميّة والمزارات والقبب:
«نحن بينّا كلّ واحدة منها على حدة، لكن عظمة السلطان أحب أن يقرن الثلاثة كلها في الجواب، وأورد الوجوه والأدلة في مقام إظهار الأحوال وبيان الحقائق، وطلب منّا دليلاً على جواز بقاء هذه الأشياء. فقبل أن نقول شيئاً في هذه المسألة، نرى مِن واجباتنا أن نصرّح بأن صورة الألفاظ التي أوضح بها عظمة السلطان عقيدته ومذهبه، هي موجبة لكل اعتماد واطمئنان. والحق أن هذا هو مذهب كلّ مسلم صادق، وعلى كل مؤمن أن يتبع هذا المرجع، ولكن لمّا ما أقر عظمة السلطان بهدم هذه الأشياء أو الأمر بهدمها، وما ادعينا بأن أغلظ أو أخطأ في فعله هذا، لا يحق لعظمته أن يطلب منا حجة على جواز بقاء هذه الأشياء. ولو أن عظمته هدم هذه الأشياء الثلاثة، أو أمر بهدمها، وهو يرى عمله هذا موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله، فلا تظن أنه يتأمل في الإقرار على نفسه بما هو فعَل أمام العالم. ونحب أن نؤكد مرّة ثانية أن مقصدنا هو طلب الحقائق والاستفسار عن الحالات الصحيحة، فأوّلاً نريد أن نستفيد مِن عظمته كيفيّة الوقائع والحالات، وبعد ذلك إذا رأينا شيئاً منها ممنوعاً في الدين فنعرضه بكل صراحة على عظمته بالحجج القاطعة والبراهين اللامعة، التي أشار إليها عظمته مِن كتاب الله وسنّة رسوله وأعمال السلف الصالح أو بقول أحد مِن الأئمة الأربعة. ولكن قبل أن لا يثبت شيء مِن الأشياء، لا يمكن لنا أن نبحث مطلقاً، فعلى هذا ينبغي لعظمته أن يجيب أسئلتنا ويخبرنا بأنّه هدم المآثر الفلانيّة والمزارات الفلانيّة والقبب الفلانيّة، ثم يُثبت جواز هدمها، وبعد ذلك يتمكن لنا أن نبيّن المواضع التي أخطأ بها عظمته، بالبراهين والدلائل. وإنما هذا ظاهر بأنّا نحن مسلمون ونعتقد أن عظمته أيضاً مِن المسلمين، فعلى هذا مِن الواجبات أن يكون كتاب الله وسنّة رسوله وأعمال السلف وأقوال الأئمة حاكماً فيما بيننا. والحاصل، نحن نريد أن نحصل على جواب أسئلتنا بالترتيب الذي ذكرناه في الكتاب السالف».
قبّة النبي ومزار حمزة:
«نحن نطلب السماح، ونقول بأن جواب عظمته غير مشتمل على جواب أسئلتنا، فنرجو أن تتفضلوا بجوابها في الكتاب الآتي. وأما ما ذكرتم مِن عقيدتكم عن قبّة النّبي فهو موجب للطمأنينة».

الحريّة المذهبيّة:
«كذلك لم نجد في هذا الخصوص جواب أسئلتنا. نعم، إن عظمته بيّن مذهبه وأوضح عقيدته في الحريّة المذهبيّة، ولكن نحن نُكرّر كلامنا الأول بأنه ليس في وسعنا أن نبحث في شيء قبل علم وقوعه. فالمطلوب مِن عظمته أن يُبين لنا أنه منع الأعمال التي كانت جارية قبل مجيئه، اعتقاداً فيها أنها ممنوعة مِن الشريعة الإسلاميّة، وبعد علم هذا يسهل علينا أن نورد الأدلة مِن الأصول المنقّحة عليها».
الأسلحة:
«ذكرتم أننا سألنا أموراً تتعلّق بأمور البلاد الحربيّة والعسكريّة، وبعض شؤون الإدارة الداخليّة، التي لا يمكن للحكومة أن تقبل منّا أو مِن أحد أن يسألها. بل في السؤال عنها مدعاة للريبة، التي يجب أن يجلّنا عنها، فنقول: إنه لا يخفى على عظمتكم أن الناس الذين يدخلون في بلد مِن البلاد لأجل الدسيسة المشار إليها، لا يُظهرون مجيئهم لحاكم البلدة ولا يُبرقون قبل مجيئهم إلى حاكمه، ولا يسألون أسئلة تتعلق بشؤون السياسة، بل هم يخفون أنفسهم ويدسّون ذواتهم عن عيون الحكام وأهل البلاد. والحق أن هذه الألفاظ، ولو جرحتنا، لكن نحن نعتقد اعتقاداً تامّاً بأن قلب عظمته صاف عن هذه الظنون والريب، وإلا فما كان يُلاقينا بهذه البشاشة والطلاقة، وما كان يحفّنا بهذه الإكرامات الفائقة، ومع هذا نستميح منكم العذر ونسأل عن الشيء الذي أدّى بكم إلى ما كتبتم، مِن أن هذه الأسئلة مدعاة للريبة! وقد كنا سألنا في ما يختص بالخزينة العامرة، مِن جهة الجمرك والسجائر، وهذا شيء تنشره الحكومات كلّ سنة في جرائدها، ومِن المحققات أن في إشاعة مثل هذه الأخبار فائدة لأمور التجارة والسياسة. وكذلك سؤالنا عن المحبوسين مِن أهل الحجاز لأجل الشبهة، وعن الذين تركوا بيوتهم لا يرجعون إليها خوفاً مِن الحكومة، فإنّا لا نرى بأساً في مثل هذه الأسئلة لأنها عامة في مجالس الحكومات، والناس يسألون عنها والحكومات ترد الأجوبة عليها لاطمئنان خواطر الناس. وأمّا سؤالنا عن جهة الأسلحة، فما كان السؤال عن عدد الأسلحة كلّها، التي هي في حيازة الحكومة، بل كان عن عدد الأسلحة التي أخذتها الحكومة الفاتحة مِن الحكومة المغلوبة، ومثل هذه الأشياء تعلنها الحكومات بعد اختتام الحرب بكلّ فخر ومباهاة، وعظمة السلطان أدرى بما أعلنت الحكومات الفاتحة بعد الحرب العظمى إعلاناً طويلاً في صدد هذا، بيّنت فيها بكل افتخار عدد الأسلحة التي استولت عليها بعد خمود نار الحرب، فنرجو مِن عظمته بأن يُجيب عن سؤالنا هذا ويمنّ علينا».
المدارس:
«أمّا ما ذكرتم مِن المدارس، وعزمكم لنشر العلم وبذل العناية لرقي أهل البلاد، فشكرنا عظمتكم على هذه الهمم العالية ودعاؤنا مِن الله تبارك وتعالى أن يوفقكم لهذا المقصد العظيم. ومع هذا نطلب من عظمتكم عدد المدارس التي كانت جارية قبل دخولكم البلاد، وعدد المدارس التي هي موجودة في هذه الأيام».
العلائق مع الدول الخارجية:
«أمّا جواب الأسئلة التي وجهناها إليكم في هذا الخصوص، فقد اقتصر على أن نجداً مُستقلّة استقلالاً تاماً، في داخليّتها وخارجيّتها، وبأن عظمتكم ما عقدتم أيّ معاهدة تتعلق في شؤون الحجاز. لكن لا يخفى على عظمتكم أن مجرّد هذا القول لا يشفي غليلنا، ولا يُريح خواطرنا، وأن عظمتكم كنتم وعدتم بأنكم تُثبتون هذا بالشهادات المكتوبة، فالآن نطالب، بكلّ صراحة، إيفاء ذلك الوعد. ولا يخفى على عظمتكم أهميّة المسألة، ومما ينبغي أن نذكر في هذه المسألة هو أن معاهدة سنة 1916 ومعاهدة سنة 1922 اللتين نشرتهما جرائد العالم، وكتبوا عنهما ما كتبوا، وانتقدوا منهما ما انتقدوا، جعل العالم الإسلامي يرتاب في عظمتكم، ويشكّ شكوكاً نُحبّ أن نجلّكم عنها. فنرى مِن واجباتنا أن نُصرّح أنه ينبغي لعظمتكم التصريح في هذا الشأن، إمّا بنفي المعاهدتين أو بوجودهما، حتى تتفق كلمة المسلمين في شأنكم ويزول سوء التفاهم مِن بينهم. وأمّا ما ذكرتم مِن معاهدة البحرة وجدة بأنها لا تتعلق بشأن الحجاز مطلقاً، بل هي مقتصرة على المسائل المشتركة بين العراق ونجد وشرق الأردن ونجد، فهذا يُخالف ما جاء في صورة المعاهدة المنشورة في الجرائد المصريّة والسوريّة والهنديّة، والنّاس مختلفون فيها. فمنهم مَن يصدّق أقوال الجرائد ومنهم مَن يجلّ عظمتكم عن هذه المعاهدة، ونرى مِن المستحسنات أن تبيّنوا لنا صورة هذه المعاهدة، حتى يتمكّن العالم الإسلامي بواسطتنا مِن علمها ومعرفة ما فيها، ويخرجون مِن ورطة الوهم والشكّ. وأمّا السكوت على هذه المسألة أو عدم الرضا على إرادة المعاهدة فشيء يوجب الريب في صدور الناس مِن عظمتكم، ولا نرى في هذه العبارة أن نصدّق الجرائد. وذكرتم أن المعاهدة مقتصرة على حدود نجد، فنرجو أن توضحوا لنا حدود نجد التي تمتد في هذه المعاهدة».
معان:
«وقد علمنا مما ذكرتم في خصوص أن الملك علي (نجل الشريف حسين) سلّم هذين البلدين لأخيه عبد الله، الّذي ما هو إلّا يد عاملة لبريطانيا، ولكن ما بيّنتم لنا هل عظمتكم احتججتم على هذه المسألة أم لا. فإن تسلّط غير مسلم على جزء مِن الحجاز أمر لا ينبغي أن يُسكت عليه مسلم، فإذا كنتم عظمتكم احتججتم فنُريد مطالعة صورة الاحتجاج».
مصير الحجاز:
«الأسئلة التي وجّهناها في هذا بخصوص ما وجدنا جوابها، إلا أن عظمة السلطان بيّن أنه ترك هذا الأمر لأهل الحجاز، فإن كان هذا صحيحاً فنرجو عظمته أن يخبرنا عن آراء أهل الحجاز وكيف أخذت هذه الآراء، ثم ما هو نوع العمل الّذي جرى عليه حضرة السلطان بعد أخذ الآراء؟».
المؤتمر الإسلامي:
«وأمّا ما ذكرتم عن المؤتمر الإسلامي، بأنكم تُرحّبون به متى صمّم المسلمون على ذلك ليبحثوا في ما يؤمّن راحة الحجاج ورفاهيتهم في هذه الديار المقدّسة، فإنما هو يختلف مع إعلانكم الرسمي الذي وعدتم فيه أنكم تُريدون أن تتركوا مسألة مصير الحجاز إلى المؤتمر الإسلامي. ونرى مِن واجباتنا أن نوجّه أنظاركم إلى إعلانكم السابق في هذا الخصوص، ونرجو أن ترجعوا إليه وتوفوا بعهدكم: «أوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا». فالمسؤول مِن عظمتكم أن تخبرونا هل أنتم دعوتم نواب المسلمين للمؤتمر أم لا، فإن كنتم دعوتموهم فتفضّلوا اعطونا صورة الدعوة، وإلا فأخبرونا هل أنتم مُستعدّون لقبول قرار المؤتمر بمصير الحجاز متى انعقد؟».
الخاتمة:
«والآن نختم كتابنا ونسأل عظمتكم، بكلّ أدب واحترام، أن تُخرجوا الظنون والريب مِن جهتنا مِن صدوركم، وأفيدونا عن جواب أسئلتنا حتى نطّلع على الأحوال الصحيحة والوقائع الصادقة، وبعد ذلك نوافقكم في ما نراه موافقاً للدين والإسلام ونخالفكم في ما نراه مخالفاً للدين والإسلام. وعلى كل حال، لا نترك إن شاء الله المرجع الأصلي في كلامنا، نعني به كتاب الله وسنّة رسوله وسنّة السلف الصالح وأقوال الأئمة الأربعة، وتقبّلوا فائق الاحترامات ومزيد الثنايا».
مع هذه الرسالة، كان قد مضى 12 يوماً على وصول الوفد الهندي إلى مدينة جدّة، حيث أقاموا بضيافة «السلطان» عبد العزيز. مضت 6 أيام ولم يتلق الوفد أيّ رد، فكان لا بدّ من رسالة تذكير، وقد أرسلوها. لم يأتهم الردّ إلا بعد 25 يوماً على رسالة التذكير!

ليس عندنا إلا ما قلناه
بعد التأخير، الذي بدا أشبه بالتجاهل، ها قد جاء الردّ السعودي:
«الحكومة الحجازيّة والسلطنة النجديّة وملحقاتها. مِن عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل السعود إلى جانب الأجلاء الكرام المحترمين صدر الوفد (الهندي) الإسلامي. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ورد إلينا كتابكم، وما ذكرتم حضراتكم كان معلوماً. أما جوابه الحقيقي فليس له عندنا جواب غير ما عرّفناكم به سابقاً. ولكن نُكرّر لكم بعض ما بدا لنا هذه الساعة، أمّا مِن جهة ما نُسب إلينا مِن هتك المحارم وهدم المساجد والأمور التي يُحرّمها الشرع، فنقول: ذلك سبحانك هذا بهتان عظيم، لأن إن شاء الله عقيدتنا الإسلاميّة، وشيمتنا العربيّة، تنهياننا عن ذلك. وأمّا مسألة القبور والاعتقادات واستعمال المُحرّمات التي تنهي عنها، فمعلوم عن حضراتكم أن هذه اعتقادات دينيّة، والمرجع إليها كتاب الله وسنّة رسول الله. وأيّ وقت تريدون نُقابل بينكم وبين أحد علماء أهل نجد، وتتفاوضون معهم في ذلك، والصواب مع مَن شهد له كتاب الله وسنّة رسوله في جميع الأمور الدينيّة، قليلها وكثيرها. هذا في الأصل، وأمّا الفروع فالمرجع إلى مذاهب الأئمة الأربعة وكل ما حقق عنهم، فهو إن شاء الله حق».

الهنود: قبلنا التحدّي
«مِن الوفد الإسلامي الهندي إلى صاحب العظمة سلطان نجد وملحقاته... السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أمّا بعد، فقد تشرّفنا بكتابكم الكريم فشكرنا حسن توجهات عظمتكم، وعلمنا مما ذكرتم عظمتكم أنكم ترغبون في مباحثات مذهبيّة، وتريدون أن تبيّنوا الأدلة الشرعيّة والبراهين القاطعة على جواز هدم مسجد الكوثر ومسجد الجن ومسجد سيدنا حمزه والمقابر والقبب ومظالم التلف والتدخل في الحرية المذهبية؟ ما شئتم بوقوع هذه الأشياء كلّها. فنحن باسم القوة الدينيّة نحب أن نسمع تلك الحجج والأدلة، فنطلب مِن عظمتكم أن تُعيّنوا أحداً مِن أحسن وأجدر علماء نجد حتى نتفاوض معه. لكن نُحبّ أن نُصرّح برغبتنا بأن تكون المفاوضات والمباحثات كلّها في صورة الكتابة، وأن يصل جواب كتبنا في أربعة أيام حتى لا تطول مدّة سفرنا، وأن يُطأطئ كل واحد منّا (نحن وعظمتكم) على القول الثابت والنتيجة المتفق عليها.
ونُحبّ أن نُكرر مرّة ثانية بأن نحرص على مطالعة صور المعاهدات التي أبرمت سنة 1916 وسنة 1922 ومعاهدة جدة والبحرة، لأننا سمعنا أن بريطانيا أعلنت صورة هذه المعاهدة في جرائدها، ولو كانت هذه المعاهدة كما أعلنت بريطانيا فلا نرى بأساً في اطلاعنا على صورتها، ولو رفضتم عظمتكم قولنا هذا فنحن معذورون في تكذيب المعاهدات المنشورة مِن بريطانيا على صحائفها... ونعتقد بأن في المعاهدات شيء خفي وسرّ مكنون تأبى حميّة عظمة السلطان نشرها. في الختام تقبلوا منا فائق الاحترام».
«اخرجوا مِن هذه البلاد»!
بعد الرسالة الأخيرة مِن الوفد الهندي، حصل لقاء مباشر بين أعضاء الوفد وممثّلين لـ«السلطان» عبد العزيز، في جدّة، كان على رأسهم المستشار حافظ وهبة (أحد أبرز المقرّبين مِن عبد العزيز وأولاده الذين خلفوه إلى حين وفاته). في اليوم التالي بعد اللقاء، أرسل الوفد الهندي رسالة تضمّنت مطالبهم، التي كانوا ذكروها سابقاً، مع تفصيلات إضافيّة، وذلك بحسب ما اتفقوا عليه مع وهبة. إلى هنا كان قد «طفح كيل» عبد العزيز، وضاق بالوفد ذرعاً، ولم يعد يحتمل منهم كلمة إضافية، فنصل إلى نهاية الرحلة بهذه الرسالة التي أرسلها إليهم:
«حضرة الفاضل المحترم السيّد حبيب (رئيس الوفد الهندي)...
بعد التحيّة، أتشرف بأن أخبركم بأن الحكومة الحاضرة قد أوسعت صدرها لكل ما أبديتم مِن الآراء والأفكار، سواء كانت مُخالفة لخطتها أو موافقة لها، احتراماً للحريّة الشخصيّة وحملاً لكم على حُسن النيّة. ولكن تلك الحريّة المُطلقة انقلبت إلى فتن ودسائس تعمل ضدّ النظام العام، فالحكومة بما لها مِن الحق المُطلق في حفظ النظام، وبما وقفت عليه مِن سعيكم إلى الشغب وإلى حمل الناس على الفتنة، وعملكم لبث روح الكراهيّة، فحرصاً لسلامة البلاد مِن الفتن والإخلال بالنظام... قرّرت إخراجكم مِن البلادـ وقد أمرت مأمور الضابطة بتنفيذ هذا الأمر».
كان لافتاً أن هذه الرسالة، المؤرخة في 15 شعبان سنة 1344 (هـ)، حملت توقيع «فيصل، نائب الملك».

نُخرَج مِن بلاد الله! سترون...
«من الوفد الإسلامي الهندي إلى صاحب العظمة السلطانيّة سلطان نجد وملحقاتها.
السلام عليكم ورحمة الله. تشرّفنا باستلام كتاب سمو الأمير الذي أمر فيه بإخراجنا من بلاد الله ومأمن المسلمين، بزعم كوننا نبث الفتن والأضلال في هذه البلاد، فنحن أعضاء الوفد نقول إن هذا بهتان عظيم. والحقيقة التي فهمناها هي أن الحكومة الحاضرة ما قدرت أن تجيب أجوبة شافية على أسئلتنا، ونرى مِن الواجب أن نُصرّح في كتابنا الأخير هذا أن عظمتكم كنتم مشتاقون إلى مباحثة دينيّة في المسائل المختلف عليها، فعرضنا الدعوة عليكم بكلّ ممنونيّة في هذا الخصوص، وطلبنا منكم اسم أفقه رجل عندكم للتباحث في المسائل، فالحمد الله ما وجدنا أحداً مِن علماء نجد يقوم بهذا الأمر الجليل ويقنعنا بالأدلّة الشرعيّة والحجج الدينيّة. ونشكر الله على أنه حقق الحق وأثبت الصدق. كنتم عظمتكم أرسلتم مُستشاركم صاحب السعادة الشيخ حافظ وهبة، للتفاهم بيننا وبينكم في الأمور المختلف فيها، فعرضنا عليه شرائطنا بكلّ صراحة، وأثبتناها بأدلة دامغة وحجج قاطعة، حتى أنه سلّم بكثير مِن أقوالنا وما رأى بداً من السكوت وعدم الإجابة عليها، وهذا من فضل الباري علينا بما هو أعطانا من قوّة الإيمان على إظهار كلمة الحق، وما نريد إلا أن تكون كلمة الله هي العليا. أمّا ما أظهرتم بأننا كنا نسعى إلى الفتن وبث روح الشغب والفساد، فيظهر ضعف هذا القول من دعوتكم لنا في حفلتكم الكريمة المملوكيّة اليوم، وإكرامكم لنا بإجلاسنا جانبكم والتخاطب معنا بكل انبساط وسعة صدر، ولما رجعنا من عندكم ما مضت إلا ساعة حتى جاء أمر سمو الأمير بإخراجنا من البلاد، فمتى تأملنا هذه الأشياء كلها بعين التدبر نجد أنفسنا مضطرين أن نعتقد بأن بيانكم هذا ما كان إلا حيلة جعلتموها لتنفيذ أمركم، هذا ونرى من واجبنا أن نبلغكم بأننا، وإن نكن مستعدين بكل ثبات قلب لقبول أوامركم، لكن لا يخفى عليكم أن إخراج المسلمين من بلاد الله، التي هي مأمنهم وقبلتهم، بهذه الصورة، ما هو إلا استبداد مطلق لا ينبغي لمُسلم أن يسكت عليه بنوع ما، بل عليه أن يقاوم جهد استطاعته هذه الأمور الاستبداديّة... وسترون إن شاء الله أن العالم الإسلامي سيشاركنا بالاحتجاج على أمركم هذا، وسيستيقظ للاجتهاد لاستقبال البلاد الحجازيّة في الأمور الدينيّة والشؤون السياسيّة.
في الختام، ندعوكم باسم الله ورسوله إلى اتّباع الشريعة الغرّاء الإسلاميّة، وقطع العلائق مع الدولة البريطانيّة، ووفاء العهود التي قطعتموها لجميع المسلمين في أمور البلاد الحجازيّة... وما علينا إلا البلاغ».
وهكذا، كان الوفد الهندي متفائلاً بردود ستأتي مِن «العالم الإسلامي». أكثر مِن تسعين عاماً مضت، والحكم السعودي ما زال قائماً، وما مِن ردّ. ما حصل قد حصل... وأصبح في ذمّة التاريخ.
* من أسرة «الأخبار»