ربما تعارض الأنظمة الخليجية ضم الضفة.. لكنها ساعدت في دعمه

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 223
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 في 12 يونيو/حزيران، ظهر مقال غير عادي على صفحات صحيفة "يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية الشعبية بقلم "يوسف العتيبة"، السفير الإماراتي في واشنطن.
وفي المقال، وصف "العتيبة" بإسهاب خطوات التطبيع المعروفة التي قطعتها الإمارات في الأعوام الأخيرة، وحذر من أن الضم الإسرائيلي للضفة الغربية "سيقوض بالتأكيد وعلى الفور التطلعات الإسرائيلية لتحسين العلاقات الأمنية والاقتصادية والثقافية مع الدول العربية ومع الإمارات".
وينتقد قادة أنظمة الخليج العربي الآن محاولة تنفيذ رؤية اليمين الإسرائيلي، الذي يهدف إلى منع إقامة دولة فلسطينية.
لكن سياسات أنظمة الخليج العربي، من خلال تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) على حساب الفلسطينيين، هي التي ساهمت بشكل مباشر في صعود اليمين الإسرائيلي وجعلت هذا الضم أكثر احتمالا.
وخلال العقد الماضي، حسّنت أنظمة الخليج العربي العلاقات مع (إسرائيل)، ووسّعت السعودية والبحرين وعمان والإمارات التعاون مع (إسرائيل) في مختلف المجالات، بما في ذلك مبيعات الأسلحة وبرامج التجسس، والتدريب العسكري، وتبادل المعلومات الاستخبارية، والجهود الدبلوماسية المشتركة المتعلقة بالمصالح المتبادلة.
وفي الأعوام الأخيرة، اتخذت هذه الأنظمة خطوات غير مسبوقة لتطبيع العلاقات مع (إسرائيل)، مثل السماح بحقوق التحليق لشركات الطيران الإسرائيلية، والمشاركة في التدريبات العسكرية إلى جانب سلاح الجو الإسرائيلي، والترحيب بكبار المسؤولين الإسرائيليين على أراضيها، والانخراط علنا مع المسؤولين الإسرائيليين في المؤتمرات، وتغيير لهجة التغطية والمناقشة حول (إسرائيل) في وسائل الإعلام الحكومية.
وأسّس "العتيبة" نفسه بشكل شخصي علاقة وثيقة مع السفير الإسرائيلي في واشنطن، "رون ديرمر"، أحد المؤيدين الرئيسيين للضم.

مجموعة جديدة من الأولويات
وفي اتخاذ هذه الخطوات نحو التطبيع، كان قادة الخليج مدفوعين بمجموعة جديدة من الأولويات على حساب القضية الفلسطينية، التي أصبحت هامشية بشكل متزايد، ليس فقط في الخطاب العربي، ولكن الدولي أيضا، على مدى العقد الماضي، نظرا للاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط والنزاعات والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وموجات النزوح.
وتبلورت هذه المجموعة الجديدة من الأولويات على مدى العقدين الماضيين، حيث تراجعت المخاوف المتبادلة بين القيادة الإسرائيلية ومعظم دول الخليج تدريجيا.
وتسبب نفوذ إيران المتزايد في الشرق الأوسط بعد حرب العراق عام 2003، والآثار الجيوسياسية للانتفاضات العربية التي بدأت في أواخر عام 2010، في تغيير حسابات أبوظبي والرياض وعواصم عربية أخرى.
واختفى التهديد الإسرائيلي من الأجندة العربية وحلّ محلها تهديدات رئيسية أخرى شملت إيران وجماعة "الإخوان المسلمون"، والأنظمة الموالية للإسلام السياسي، خاصة قطر وتركيا، والشعوب الحالمة بحكم أنفسها.
وكانت (إسرائيل)، على غرار الأنظمة الخليجية، تنظر بعين الشك إلى الانتفاضات العربية، خوفا من تحولها إلى "شتاء إسلامي".
وأعرب المسؤولون الإسرائيليون باستمرار عن شكوكهم حول قدرة العرب على إقامة ديمقراطيات، خاصة تلك التي يتفوق فيها الإسلاميون.
وفي حين ربطت الدول العربية سابقا التطبيع بإحراز تقدم في القضية الفلسطينية، فمنذ عام 2000، تحولت السياسة الإسرائيلية والخطاب العام والسياسات إلى اليمين؛ حيث تضخم النمو الاستيطاني، ولا يزال الحصار المفروض على غزة خانقا، وتم تمرير قوانين متعددة تهدف إلى إضعاف المجتمع المدني واستقلال وسائل الإعلام والمحكمة العليا.
ولا يبدو أن هذه التغييرات ردعت الأنظمة الخليجية عن اتخاذ خطوات أكثر جرأة تجاه التطبيع.

العوامل المحلية والخارجية
وينبع هذا التحول في السياسة الإسرائيلية من عوامل داخلية متعددة، وعلى مدى الأعوام الـ20 الماضية، انتقل الجمهور اليهودي الإسرائيلي بوضوح إلى اليمين.
ويمكن تفسير هذا التغيير من خلال تطورات متعددة، مثل التأثير الراديكالي للانتفاضة الثانية في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بعد انهيار محادثات السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية.
وغياب مفاوضات السلام طوال هذه الفترة، والتغيير الديموغرافي الناتج عن نمو المجتمع المتشدد ووفاة كبار السن الإسرائيليين، الذين كانوا يميلون إلى أن يكونوا أكثر اعتدالا من الشباب الإسرائيليين، والسيطرة المستمرة لليمين الإسرائيلي على وزارة التربية والتعليم ووزارة الاتصالات، ما سهل إدخال المحتوى اليميني في المناهج والخطاب الإعلامي السائد.
وحكم رئيس الوزراء "بنيامين نتنياهو" لمدة 10 أعوام، الذي تبنى خلالها بشكل متزايد الخطاب والسلوك المعادي للديمقراطية للبقاء في السلطة، وهي أمور ساعدت على تغيير معايير السلوك السياسي في (إسرائيل).
ولكن هناك أيضا عوامل خارجية ساهمت بشكل كبير في انهيار اليسار والوسط الإسرائيليين، وكان قرار الأنظمة الخليجية بتطبيع العلاقات مع (إسرائيل) تدريجيا قبل نهاية الاحتلال عاملا رئيسيا في تلك العملية.
ووجه التطبيع ضربة قاضية لليسار الإسرائيلي الضعيف، وزادت الانتفاضة الثانية من أهمية المخاوف الأمنية بشأن الآمال في السلام، ما أضر إلى حد كبير بموقف اليسار الإسرائيلي، الذي يُنظر إليه على أنه ضعيف أمنيا.
لكن استطلاعات الرأي تظهر أن الجمهور الإسرائيلي ما زال يريد السلام، وليس الأمن فقط، وكانت هذه هي الميزة التنافسية الرئيسية لليسار الإسرائيلي.
وقبل التطبيع، كان اليسار وحده هو القادر على تقديم رؤية ذات مصداقية للسلام، والتي تستلزم إنهاء الاحتلال مقابل قبول وتطبيع العلاقات مع العالم العربي.
وقد قوضت الخطوات التي اتخذتها الأنظمة الخليجية هذه الحجة، وأثبت اليمين الإسرائيلي أنه يمكن للإسرائيليين أن يأخذوا الكعكة كاملة دون تقديم تنازلات للفلسطينيين.
ويشجع التطبيع (إسرائيل) على الحفاظ على حكمها العسكري على ملايين الفلسطينيين، ويمكنها الآن الحصول على ما تريده، وهو الاعتراف والقبول من دول الجوار، دون دفع أي شيء في المقابل، لا إنهاء الاحتلال أو حتى الانخراط في مفاوضات جادة.
وترافق تآكل اليسار الإسرائيلي مع صعود اليمين المتطرف في (إسرائيل) وتعميم فكرة الضم، وكان مفهوم ضم أجزاء من الضفة الغربية أو كلها فكرة غير شائعة في السياسة الإسرائيلية.
وفقط في عام 2013، بدأ حزب "البيت اليهودي" اليميني المتطرف الدعوة إلى ذلك، وفقط في عام 2017 صوتت اللجنة المركزية لحزب "نتنياهو"، وهو هيئة تتكون من أعضاء متشددين، لجعل ضم الضفة الغربية الموقف الرسمي لحزب "الليكود".

نقاش داخلي ساخن حول الضم
وظهر مقال "العتيبة" في سياق نقاش داخلي ساخن في (إسرائيل) حول ضم أجزاء من الضفة الغربية. وأصبح النقاش حول الضم جزءا من الخطاب السائد بسبب محاولة "نتنياهو" إشراك الناخبين اليمينيين قبل الانتخابات الإسرائيلية الثانية في عام 2019.
وفي 10 سبتمبر/أيلول، قبل أسبوع من الانتخابات، أعلن "نتنياهو" أنه إذا تم انتخابه، فإنه سيضم وادي الأردن، وكان ينوي الإعلان عن موعد الضم، لكنه تراجع في اللحظات الأخيرة بسبب المعارضة الإسرائيلية الحقيقية هذه الأيام، متمثلة في المؤسسة العسكرية والشاباك، حيث حذرا من تداعيات أمنية خطيرة لهذه الخطوة.
وفي الجولة الثالثة من الانتخابات، تبنى تحالف الوسط، "أزرق-أبيض"، فكرة ضم غور الأردن، لكنه تعهد بتنفيذ ذلك وفق اتفاق دولي، وليس فلسطينيا.
وأصبح ضم أجزاء من الضفة الغربية احتمالا حقيقيا وليس مجرد شعار انتخابي مع طرح "صفقة القرن" من قبل إدارة "ترامب" في 28 يناير/كانون الثاني 2020، في خطوة كان يُنظر إليها على أنها تهدف إلى مساعدة "نتنياهو" في الانتخابات.
وتحوّل الخطة فلسطين إلى دولة أولية صغيرة، ويبدو أن الخطة تم تصميمها لضمان رفضها من قبل الفلسطينيين، وفي مثل هذه الحالة، تسمح الخطة لـ(إسرائيل) بضم ما يصل إلى 30% من الضفة الغربية.
وقد حضر سفراء 3 دول خليجية في واشنطن عندما تم الإعلان عن الخطة، وهي البحرين وعمان والإمارات، ما منحها درجة من الشرعية العربية.
ومع هذا الدعم الضمني لـ"صفقة القرن"، إلى جانب صمت الأنظمة الخليجية عن قرارات "ترامب" بالاعتراف بالضم الإسرائيلي لمرتفعات الجولان ونقل السفارة الأمريكية إلى القدس، فمن المحتمل أن يشجع كل ذلك قيادة (إسرائيل) على النظر بجدية في ضم أجزاء من الضفة الغربية.
وإذا لم تؤد تلك الخطوات إلى أزمة، فإن لدى "نتنياهو" ما يدعو إلى الأمل في أن ينطبق الأمر نفسه فيما يتعلق بضم أجزاء من الضفة الغربية.
تحصد أنظمة الخليج العربي الآن ما زرعته أيديها، لقد اتخذت قرار إعطاء الأولوية لمواجهة التهديد الإيراني، و"الإخوان المسلمون"، وسكان المنطقة، على حساب الفلسطينيين.
ويبدو الآن الاحتجاج المعلن من قبل تلك الأنظمة على خطة الضم أجوف، بعد أن أمضوا أعواما في تطبيع العلاقات مع الحكومة الإسرائيلية في ما كانت ترسخ حكمها العسكري القمعي على الفلسطينيين.
حتى إن مقالة "العتيبة" هددت فقط بوقف المزيد من التقدم في مسار التطبيع، وليس إنهاء العلاقات بين البلدين.
وإذا مضت (إسرائيل) بالفعل في ضم أجزاء من الضفة الغربية، فلا يجب أن تلوم الأنظمة الخليجية إلا نفسها.

المصدر | إليزابيث تسوركوف | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد