لماذا ألغت السعوديّة “عُقوبة الجلد” وهل ستتغيّر “فلسفتها العقابيّة”؟..

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 243
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ماذا عن إصلاح “سُجناء الرأي” بعِقاب تقديم “الخدمات الاجتماعيّة” وإلغاء عُقوبة الإعدام؟.. ما هي “قضايا التّعزير” وهل تُستَبدل حُدود الزنا والقذف بالسّجن أو التغريم؟.. رائف بدوي نموذجاً للمجلود
عمان- “رأي اليوم”- خالد الجيوسي:
 هي خطوةٌ إلى الأمام، أو نقلةٌ نوعيّةٌ “في فلسفة العِقاب أمام القضاء السعودي”، هذا هو التّعريف السعودي لخطوة السلطات إلغاء عُقوبة الجلد غير المسبوقة، وإقرار السّجن أو الغرامة كعُقوبتين بديلتين لها، هذا على الأقل بحسب توصيف الجمعيّة الوطنيّة لحُقوق الإنسان، ورئيسها الدكتور مفلح القحطاني خلال تصريحات صحافيّة قدّمها تعليقاً على القرار.
المشهد القادم من العربيّة السعوديّة، لافتُ التّوقيت، ويأتي في ظل تواصل مُمارسة السلطات، سياسة الاعتقالات، والتعذيب، والإهمال الطبّي، وفق ما ترصد منظّمات حُقوقيّة، وتُطالبها بالإفراج السّريع عن المُعتقلين والمُعتقلات، واتّهامات التنكيل والتعذيب بحقّهم، والتي تنفيها بلاد الحرمين بدورها، وتعتبرها في إطار حمَلات تشويه سُمعتها.
قد ترغب المملكة أو تُحاول التّخفيف من وطأة الانتقادات التي تطالها، والإخفاقات التي يرصدها المجتمع الدولي لها، من حرب اليمن وحتى حرب النفط أخيرًا مع روسيا، من خلال قرارها إلغاء الجلد، في تحسين السّمعة، لكنّ توقيت إلغاء القرار يأتي مُتزامناً مع وفاة الأكاديمي والناشط الحقوقي عبد الله الحامد، والذي أثار الجدل حول حقيقة أسباب وفاته، ووصفت رحيله مُقرّرة الأمم المتحدة أنيس كالامار بالأمر المُحزن، وكانت قد دعت كالامار السلطات السعوديّة الإفراج عن الحامد، وبقيّة المُعتقلين السياسيين، في ظل تفشّي فيروس كورونا، أمّا منظّمة “هيومن رايتس ووتش” فقد وصفت قضاء الحامد سنواته الأخيرة “مسجوناً” لانتقاده الانتهاكات في المملكة، بالعمل غير الأخلاقي، وأمام هذه الانتقادات الحُقوقيّة الدوليّة، تُطرح تساؤلات حول حقيقة تغيير “فلسفة العقاب السعودي أمام القضاء” كما عبّر عنها رئيس الجمعيّة الوطنيّة مفلح القحطاني، وتعاظم العُقوبة بالسّجن لفترات طويلة أمام مُجرّد تُهمة التعبير عن الرأي، وانتقاد الانتهاكات على حد توصيف “هيومن رايتس ووتش” التي أكّدت أيضاً أنّ العالم خسر أحد قادة حركة حقوق الإنسان (الحامد)، ومن أوائل دعاة الملكيّة الدستوريّة كما تُصنّفه الأوساط السعوديّة.
وبالنّظر إلى طريقة تعامل السلطات السعوديّة مع المُعارضين لسياساتها في السنوات الأخيرة، حيث لا تُبدي المملكة أي تهاون مع أي انتقاد يطال رأس الهرم فيها، يرى كثيرون أنّ العُقوبات البديلة التي جرى طرحها من قبل المحكمة العُليا في وثيقة، كتقديم خدمات اجتماعيّة، شأنها شأن الدول الأوروبيّة التي تعتمد أسلوب الإصلاح في العُقوبة، لن تشمل بطبيعة الحال مُعتقلي الرأي، وأصحاب النقد، وحتى النصيحة، وستقتصر على المُخالفات الصغيرة، التي لا تضر بالأمن الوطني السعودي، واتّهامات جرى توجيهها لمُعتقلين بالتعامل مع دولة أجنبيّة، كانوا فقط قد دعوا إلى إصلاحات على صعيد المجتمع، وتطويره، أمثال الناشطة المُعتقلة لجين الهذلول، والتي كانت على رأس حملات تُطالب قيادتها السماح للمرأة بقيادة السيارة، وهو ما جرى السماح به، لكن الهذلول، وبحسب اتّهامات شقيقها، تتعرّض للتعذيب، والتهديد بالاغتصاب، وتقبع حاليّاً خلف القُضبان.
إلغاء عُقوبة الجلد، واستبدالها بعُقوبة السجن، أو الغرامة يعني حُكماً، انتهاء حالة التجمهر أمام الضحيّة، وتلقّيها الجلدات كما كان يحدث في الساحات العامّة بالمملكة، وكان يستحق المتّهم هذه العُقوبة وفق الشريعة الإسلاميّة التي تستمد السعوديّة دستورها وقوانينها منها، في حالات الزنا لغير المُحصن، والقذف، وثالثة شرب الخمر، وفي حالة ارتكاب المُتّهم لواحدة من جرائم الحدود المذكورة يستحق حد الجلد، وهي منصوصٌ عليها في القرآن.
وبعد قرار إلغاء الجلد الذي قالت هيئة حقوق الإنسان السعوديّة أنه جاء في “قضايا التعزير” التي تُترك للقاضي القرار فيها على عكس الحد بالزنا والقصاص بمُعاقبة الجاني بنفس فعلته، سيتعرّض المُخالف بعد إلغاء الجلد، للسّجن أو التغريم، أو حتى تقديم خدمات اجتماعيّة، ويفتح القرار الباب واسعاً أمام التوسّع بقرارات لاحقة أو فضفاضة تشمل إلغاء الجلد في عُقوبتيّ الحد في الزنا للزاني والزانية، وعدم حصرها في قضايا التعزير التي تعود للقضاة إصدار الأحكام فيها، وهو ما قد يتماشى مع عصر الانفتاح والترفيه، الذي قلّص أو ألغى صلاحيات المؤسّسة الدينيّة، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، والتي كانت بدورها تُنفّذ تلك العُقوبات بحق مُرتكبي جرائم الحُدود، وغير الحُدود، من التحكّم بالمظهر الخارجي للسعوديين، إلى مُلاحقتهم حتى الخُلوات المُحرّمة، وهو ما قد يُفسِّر إلغاء السلطات لعُقوبة الجلد المبدئيّة دون الاستطراد أو التوضيح في مسألة حصرها بالقضايا التعزيريّة إعلاميّاً، والتي فسّرها كثيرون، كخطوة تحسين للسمعة، لكنّها تُلبّي بالأكثر، المشهد الإصلاحي الانفتاحي.
ويُعرّف “الجلد” وفق الأدبيّات السعوديّة، بأنّه ضربُ المحكوم عليه بالسوط، بغرض إيلامه، وزجره، واتّعاظ الحاضرين، شرط ألا يُؤدِّي ذلك الجلد إلى هلاك المجلود، أو الإضرار به، ويمتلك وليّ الأمر في أن يفرض عُقوبة الجلد في الجرائم التي لم يرد بها نص، وهو لعلّه ما جرى تطبيقه بحق المدوّن السعودي رائف بدوي، والذي وجّهت له السلطات تُهمة “شتم الإسلام”، وحكمت عليه على إثرها ألف جلدة، والسجن عشر سنوات العام 2014، وكان من أهم ما دعا له، إلغاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو ما يجري اليوم تطبيقه في بلاده، فيما لا يزال بدوي قابعاً خلف القضبان منذ العام 2012، وقد نُفّذ بحقّه عُقوبة الجلد، بجُرم الهُجوم على المؤسّسة السلفيّة، والتي كانت القيادة السعوديّة، حمّلت التيّار الصحوي مسؤوليّة التطرّف، وسط تساؤلات، حول عدم الإفراج عن رائف بدوي، فهو بحسب منظّمة العفو الدوليّة سجين رأي، وقد يصب في مصلحة تحسين سُمعة سلطات بلاده، إطلاق سراحه، تزامناً مع إلغاء عُقوبة الجلد التي نُفّذت بحقّه أساساً.
وتخضع شُروط تطبيق جلد الزاني والزانية غير المُحصنين (غير متزوّجين)، للشرط الأهم لتنفيذه، وهو ضبطهمها بالفعل مُتلبّسين، إلى جانب تواجد أربعة شهود، أو الإقرار الرجل أو المرأة بفعل الزنا (الاعتراف)، وعليه يجري جلدهما 100 جلدة أمام حشدٍ من الناس، أمّا في حال زواج أحدهما أو كليهما، وارتكاب أي منهما الزنا، فيخضعان لعُقوبة الرجم بالحجارة حتى الموت، ويجري حفر حفرة للزاني أو الزانية ويتم وضعهما فيها ورمي الحجارة تجاههم، وأمام جمع من الناس، وهو ما يُعتبر تطبيقاً للحدود المكتوبة نصّاً بالقرآن، على عكس قضايا التعزير، التي يُترك للقاضي تقدير أحكامها بالجلد الذي جرى إلغاوه، وتعويضه بالسجن أو الغرامة، والتي تدخل في ترك الطاعات، وفعل المحرّمات، من الرشوة، والتزوير، والسباب والشتم، ولعب الميسر، والقمار، وتبادل وترويج أشرطة الخلاعة والإباحيّة، وشرب الخمر.
أمّا في حالة القصاص، وهي مُعاقبة القاتل بالقتل إمّا قطع الرأس بالسيف، أو رمياً بالرصاص، والسعوديّة من الدول التي لم تُلغِ عُقوبة الإعدام، ويجري تنفيذ القصاص علناً أمام حشد من الناس، وفي ساحات مُخصّصة وسط المدن، وذلك لتحقيق حالة الردع، وتحويل القاتل إلى عبرة، وتُنفِّذ السلطات قطع الرأس بحق المُرتد عن الدين الإسلامي أيضاً، وتُمهله ثلاثة أيّام من أجل التوبة، والعودة لدينه، وبحسب منظّمة العفو الدوليّة “أمنستي” في تقريرها السنوي عن حالات الإعدام، فإنّ إيران والسعوديّة والعراق ومصر، يتصدّرون قائمة الدول الأكثر تنفيذًا للإعدام، وهو ما يطرح التساؤلات حول نيّة السلطات السعوديّة، إلغاء عُقوبة الإعدام، أو على الأقل تخفيف أعداد تنفيذها، واستبدالها لاحقاً بالسجن، وفي ظِل خوض الإعلام الرسمي المحلّي في الأسباب التي دفعت المملكة لإلغاء عُقوبة الجلد، والتي منها الاستماع لمُلاحظات تتعلّق بحُقوق الإنسان على حدِّ قوله.
منظّمات حقوق الإنسان السعوديّة المحليّة بدورها، سارعت إلى التّرحيب بقرار إلغاء الجلد، فيما لم تصدر عن منظّمات حقوقيّة دوليّة إشادات بالقرار، فيما قدّم الإعلام المحلّي تفسيراته لصُدور ذلك القرار، وأرجعه للنهج الإصلاحي الذي تسير عليه المملكة، وتحسين صورة المملكة خارجيّاً، والاستماع للمُلاحظات التي تأتي حول تنفيذها أحكام الجلد، ومُنافاته لحُقوق الإنسان، إضافةً إلى التفاوت في إصدار الأحكام على المُخالفات، فعدد الجلدات خاضع لقرار القاضي، والذي يتفاوت بين قاضٍ، وآخر.