لماذا تتنافس دول الخليج على التأثير في القضية الفلسطينية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 427
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 يوجد الكثير مما لا نعرفه عن العلاقة بين الفلسطينيين ودول الخليج. وعندما نسمع مثل هذه العبارة، يقفز إلى الذهن بشكل أساسي السياق الفلسطيني الإسرائيلي، حيث حاولت دول الخليج مرارا التوسط في اتفاق سلام بين الطرفين. ومع ذلك، إذا تم إخراج (إسرائيل) من المعادلة، تبقى مشاركة دول الخليج في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى حد كبير في الظل، وهي تجذب القليل من وسائل الإعلام أو اهتمام الباحثين. لكن هناك أسئلة محورية تستحق تسليط الضوء في هذا الصدد، مثل لماذا يقاطع "محمود عباس"، رئيس السلطة الفلسطينية والمتردد بشكل دائم على الخليج العربي دولة الإمارات العربية المتحدة؟ وكيف أصبحت قطر، أحد أقوى مؤيدي "حماس"، حليفا مهما لـ "عباس؟" وكيف يمكن تفسير الفجوة بين دعم المملكة العربية السعودية الاقتصادي الهائل للفلسطينيين وفشلها في تعزيز مصالحها الخاصة في هذه الساحة؟ حسنا، توضح الإجابات على هذه الأسئلة مدى تعقيد العلاقات الخليجية الفلسطينية، وعلاقة ذلك بالعلاقات بين دول الخليج نفسها.
وفي العقد الماضي، ظهرت انقسامات خطيرة بين دول الخليج. وفي الواقع، ينقسم الخليج العربي الآن إلى 3 كتل مختلفة. في الأولى تقف قطر، التي نمت علاقاتها أكثر فأكثر مع كل من إيران وتركيا في أعقاب الحصار الدبلوماسي والاقتصادي الذي فرضته عليها السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يونيو/حزيران 2017. وتمثل الكتلة الثانية التحالف المتنامي بين السعودية والإمارات والبحرين. أما الكتلة الثالثة فهي الكتلة المحايدة التي تضم عُمان والكويت، اللتين اختارتا أن تتميزا عن جيرانهما. ويعد هذا الانقسام أحد مفاتيح فهم السياسات الخارجية لدول الخليج، وتحديدا علاقاتها مع القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني.

دول الخليج والقضية الفلسطينية
وتأخذ مشاركة دول الخليج في الشؤون الفلسطينية شكل الدعم الاقتصادي والدعم السياسي لمختلف الجهات الفلسطينية الفاعلة، واستضافة شخصيات فلسطينية في أراضيها، مثل قادة "حماس" في قطر و"محمد دحلان" في الإمارات، فضلا عن المحاولات العرضية للوساطة. وتستفيد دول الخليج من رعايتها لمختلف الأطراف لتعزيز مكانتها في سباق الزعامة والتأثير في العالم العربي والإسلامي. وينطبق هذا بشكل خاص على السعودية وقطر والإمارات، التي تبنت منذ الربيع العربي سياسة خارجية نشطة واستباقية لتوسيع نفوذها في الخارج. وفي الساحة الفلسطينية، كثفت قطر من مشاركتها في غزةـ وزادت المملكة العربية السعودية من جهودها لتعزيز المبادرات الإقليمية للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، حتى بدون دعم فلسطيني لهذه المبادرات في بعض الأحيان، واستكشفت الإمارات العربية المتحدة العديد من الفرص لاستخدام حليفها الوثيق مصر للحصول على موطئ قدم في السياسة الفلسطينية.
وكان لدول الخليج تأثير ملحوظ على صراعات القيادة في فلسطين، من خلال دعمها المكثف لمختلف الأحزاب السياسية والقادة المحليين، الأمر الذي يعكس إلى حد كبير انقساماتها الخاصة. وفي نفس اليوم الذي أعلن فيه جيران قطر أنهم قطعوا كل العلاقات الدبلوماسية معها في يونيو/حزيران 2017، اتهم وزير الخارجية السعودي آنذاك "عادل الجبير"، الدوحة بـ"تقوض الدوحة السلطة الفلسطينية" عبر دعم حركة "حماس" وجماعة الإخوان المسلمين. ويسلط هذا التصريح الضوء على كيفية استخدام دول الخليج قضية فلسطين والسياسة الفلسطينية الداخلية لتعزيز مصالحها ومواقفها المتنافسة.
وفي العامين ونصف العام الماضيين، كانت العداوة بين قطر والإمارات واضحة. وعندما واجهت قطر مشاكل لوجستية في نقل المساعدات المالية إلى غزة، تدخلت القيادة الإماراتية لتأسيس تعاون غير عادي مع كبار مسؤولي حماس في غزة، بما في ذلك "يحيى السنوار"، قائد حماس في قطاع غزة. وشرعت الإمارات في نقل مبالغ أكبر إلى حماس، وضمنت نفسها في المحادثات متعددة الأطراف في القاهرة بمشاركة مصر وممثلي "محمد دحلان" وحماس. ومع ذلك، تجري الكثير من جهود الإمارات لتوسيع دورها في هذه القضية وراء الكواليس. وفي عام 2018، بينما قدمت قطر على ما يبدو الدعم والتمويل لمظاهرات "مسيرة العودة" التي جذبت آلاف الفلسطينيين، كثفت وفود دولة الإمارات الرسمية من وتيرة زياراتهم لمصر، ربما لاستكشاف خيارات للتوسط بين أطراف النزاع.

سياسات الوساطة
ويعتبر دور الوساطة أداة سياسية مهمة في الخليج، وهي أداة تجلب معها التأثير والهيبة. وتكشف هوية الوسطاء في كل جولة من أحداث العنف في غزة بوضوح عن المنافسة الشديد بين قطر ومصر حول هذا الدور. وقد أظهرت كلتا الدولتين لحركة "حماس" رغبتهما في قيادة العملية الدبلوماسية. ويعد دعم قطر لجماعة "الإخوان المسلمون" في مصر في عهد الرئيس السابق "محمد مرسي"، وخلال الاحتجاجات التي أدت إلى وصوله إلى السلطة، السبب في أن القاهرة أصبحت الآن معادية للغاية للدوحة في عهد الرئيس "عبدالفتاح السيسي". وعبر هذه العدسة، يصبح من السهل فهم كيف أن الانقسام بين هاتين الدولتين، وتحالف الإمارات مع مصر، قد خلق فرصة للإمارات لتوسيع منافستها مع قطر إلى الساحة الفلسطينية.
ولا تنتهي سياسة الوساطة عند هذا الحد. وتصدرت عُمان عناوين الصحف عندما استضافت الرئيس الفلسطيني "محمود عباس" قبل أن تستضيف بعد ذلك بفترة وجيزة زيارة من رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، في محاولة لتشجيع الحوار الدبلوماسي بين الجانبين، والعمل كوسيط في هذه العملية. أما بالنسبة للبحرين، فلم يُسمع سوى القليل عن علاقتها بالفلسطينيين، رغم أن المنامة استضافت الورشة الاقتصادية لمبادرة السلام الأمريكية بشأن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، المعروفة باسم "صفقة القرن".
وفي السياق الخليجي، تبرز سياسات الوساطة وجود مراكز متعددة للقوة والتأثير. ويلعب الفلسطينيون دورا رئيسيا في اختيار الجهات الفاعلة التي يعتبرونها أكثر ملاءمة لهم، وهذا هو السبب في أن نجاح سلطنة عُمان في استضافة "عباس" في إطار عملية تفاوض اختيارية، في خطوة أكدت حدود النفوذ السعودي في الساحة الفلسطينية. ومنذ ما يقرب من 4 عقود، أطلقت السعودية خطط سلام، واقترحت التوسط في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، لكنها لم تتمكن من وضع مقترحاتها موضع التنفيذ، على الرغم من قوتها السياسية الملحوظة في الشرق الأوسط.
وفي الوقت الذي تكثف فيه دول الخليج تنافسها على قلوب الفلسطينيين، أصبحت القيادة الفلسطينية تلعب دورا أكبر في تشكيل علاقاتها مع دول الخليج. وعلى الرغم من أن قرار الإمارات باحتضان "دحلان" كان مفيدا في صراعها مع قطر، ومنحها حق الوصول إلى غزة، إلا أنه أثار غضب "عباس"، أكبر منافس سياسي لـ"دحلان"، ما جعله يمتنع عن زيارة الإمارات منذ عام 2011. واختار "عباس" بدلا من ذلك الانتقال التعامل مع قطر، على الرغم من أن الأخيرة قد قدمت الكثير من الدعم لحماس. وعلى الرغم من تضارب المصالح، لا تزال قيادة السلطة الفلسطينية تعتبر قطر واحدة من أكثر المؤيدين الملتزمين بالقضية الفلسطينية الوطنية؛ فعلى عكس الإمارات، التي تنقل المساعدات إلى الضفة الغربية من خلال الهلال الأحمر ومنظمات الأمم المتحدة، تقدم قطر الدعم الاقتصادي المباشر إلى الفلسطينيين.
وفيما يتعلق بالسعودية، يبدو أن اعتراضات "عباس" المستمرة على الدعم السعودي لمبادرة السلام الأمريكية أدت في النهاية إلى تغيير في السياسة الخارجية السعودية تجاه الفلسطينيين. وفي اجتماع عُقد في نوفمبر/تشرين الثاني بين الرئيس "عباس" والملك "سلمان" وولي العهد "محمد بن سلمان"، قرر الثلاثة إنشاء لجنة اقتصادية مشتركة لتطوير المشاريع التعاونية في قطاع الأعمال. وتشير هذه الخطوة إلى فهم المملكة بأن أفضل طريقة لزيادة مشاركتها في المجال الفلسطيني هي عبر اتباع خطوات عملية قابلة للتحقيق بدلا من المبادرات الدبلوماسية الفضفاضة.
وبينما تستمر الدول العربية المتأثرة بالربيع العربي في التركيز على اهتماماتها الداخلية، وفي حين أدار الفلسطينيون ظهرهم للأمريكيين، تتمتع دول الخليج بنفوذ أكبر في الساحة الفلسطينية أكثر من أي وقت مضى. وتستثمر هذه الدول الكثير من الوقت والطاقة والموارد لإنشاء قاعدة عريضة لمزيد من المشاركة في المستقبل، من خلال توحيد الجهود مع الفلسطينيين عبر المشاريع المشتركة، وخلق التبعيات، والرهان على القادة السياسيين المحتملين في المستقبل. ومن الواضح أننا لا نستطيع أن نفهم السياسة الفلسطينية بالكامل دون تحليل الأدوار المتشابكة هناك لدول الخليج.

المصدر | موران زاجا - معهد الشرق الأوسط - ترجمة الخليج الجديد