فورين بوليسي: لماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى البقاء في منطقة الخليج؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 748
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 دفع الهجوم الذي وقع نهاية الأسبوع الماضي على منشآت النفط السعودية، الذي وصفه وزير الخارجية الأمريكي "مايك بومبيو" بأنه "عمل من أعمال الحرب"، دفع المسؤولين الأمريكيين والسعوديين إلى النظر في رد الفعل المناسب بين مواصلة سياسة العقوبات أو البدء في رد عسكري ضد إيران.
ومع ذلك، يثير هذا الهجوم أيضا سؤالا مهما، وهو: هل يجب على الولايات المتحدة الاستمرار في بذل الدم والمال لحماية تدفقات النفط في الخليج العربي في الوقت الذي اقتربت فيه الولايات المتحدة من الاستقلال فعليا في مجال الطاقة وفق ما يروج له "دونالد ترامب"؟
ويعد الهجوم بالطائرات بدون طيار وصواريخ كروز على منشأتين نفطيتين سعوديتين، الذي حمّلت واشنطن طهران المسؤولية عنه، جزءا من الصراع الأوسع بين الولايات المتحدة وإيران بالطبع.
لكن بينما تزن الولايات المتحدة الرد المناسب، فإنها تفعل ذلك في سياق التزام أمريكي دام لعقود من الزمن بفعل كل ما يلزم لضمان تدفق النفط بحرية عبر الخليج العربي.

الالتزام الأمريكي
ويعود هذا الالتزام إلى الحرب العالمية الثانية، عندما أقر الرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت" أن الدفاع عن المملكة العربية السعودية وإمداداتها النفطية الهائلة هو دفاع عن الولايات المتحدة.
وأكد الرئيس "هاري ترومان" من جديد هذا الوعد بعد بضعة أعوام، لكن الولايات المتحدة تبنت مهمة حماية إمدادات الطاقة الخليجية بالفعل في عام 1980، عندما أعلن الرئيس "جيمي كارتر" مذهبه القائل أن الولايات المتحدة ستحمي منطقة الخليج العربي واحتياطياتها النفطية الضخمة من التدخل الخارجي، وستتدخل عسكريا لفعل ذلك إذا لزم الأمر.
في ذلك الوقت، كان هذا الالتزام منطقيا، وقد استوردت الولايات المتحدة وحدها نحو مليوني برميل يوميا من نفط الخليج العربي في عام 1980، وكان الحلفاء الأمريكيون المهمون، مثل أوروبا واليابان، يعتمدون بدرجة أكبر على تدفق النفط الخام من المملكة العربية السعودية والعراق ودول أخرى حول الخليج.
وكان الأمر منطقيا بعد عقد من الزمان أيضا، عندما تم إرسال نصف مليون جندي أمريكي للدفاع عن المملكة من عراق "صدام حسين"، وبعد عقد آخر، عندما ورطت هجمات 11 سبتمبر/أيلول الولايات المتحدة في عقدين من الحروب في الشرق الأوسط، حيث كانت البلاد تعتمد بشكل كبير على نفط الخليج.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة بشكل كبير، بعد الطفرة في إنتاج النفط الأمريكي المحلي، وتستورد الولايات المتحدة حاليا أقل من مليون برميل من النفط يوميا من المنطقة، أي أقل من نصف الكمية التي استوردتها عندما أقسم "كارتر" على حماية تلك التدفقات.
وقلصت أوروبا أيضا اعتمادها على خام الخليج العربي، والآن، يتجه نحو 3 من كل 4 براميل من النفط التي يغادر مضيق هرمز إلى آسيا، ومعظمها إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
وقال "فالي نصر"، الباحث في شؤون الشرق الأوسط في كلية "جونز هوبكنز" للدراسات الدولية المتقدمة: "تعود عقيدة كارتر إلى السبعينات، عندما كانت الولايات المتحدة تعتمد اعتمادا كبيرا على نفط الشرق الأوسط. والسؤال هو هل يجب أن يتم الالتزام بهذه العقيدة الآن؟".
ويبدو أن "ترامب" لم يغفل هذا التساؤل في موقف فريد بين الرؤساء الأمريكيين الأحدث، ولم يسبق لرئيس أن تساءل حول لماذا يجب على الولايات المتحدة حماية بقية إمدادات النفط إلى العالم، ولكن في هذا الصيف، عندما كانت التهديدات الإيرانية بوقف صادرات النفط من المنطقة تثير قلق المستهلكين في أوروبا وآسيا، ألقى "ترامب" الضوء على 4 عقود من التزام واشنطن بحماية النفط في الخليج.
وكتب على "تويتر": "لماذا نحمي ممرات الشحن لأجل البلدان الأخرى لأعوام عديدة مقابل لا شيء. لا نحتاج حتى إلى أن نكون هناك، حيث أصبحت الولايات المتحدة للتو، إلى حد بعيد، أكبر منتج للطاقة في العالم!".
ولم يتراجع "ترامب" كثيرا عن تلك النغمة حتى في أعقاب هجمات نهاية الأسبوع الماضي، ما أثار القلق في السعودية وبقية المنطقة من أن الولايات المتحدة قد لا تكون على استعداد لدعمها كما كانت في الماضي.
ومن المفارقات، أنه على الرغم من أن "ترامب"، ورغم رفضه لفكرة أن تتحمل الولايات المتحدة من جانب واحد حماية إمدادات الطاقة العالمية، فإنه يقترب من فكرة "كارتر" الأصلية، التي تفيد بأن حماية تدفقات نفط الخليج العربي يجب أن تكون جهدا جماعيا، يشمل كل دولة تعتمد على النفط من المنطقة.

فوائد غير ملموسة
ومع هذا، تبقى هناك حجة رئيسية ذات شقين تقضي بأن تواصل الولايات المتحدة تحمل عبء التواجد في المنطقة الذي يكلفها 81 مليار دولار سنويا، ويقول الشق الأول من الحجة أن ضمان وصول نفط الخليج العربي إلى السوق يُبقي أسعار النفط مستقرة، حتى في الولايات المتحدة، ويساعد في دعم الاقتصاد العالمي. بخلاف ذلك، يؤكد الخبراء أن الوجود طويل الأمد للقوات الأمريكية في المنطقة يوفر فوائد غير ملموسة للولايات المتحدة من جهة أخرى.
وقال "سكوت سافيتز" من "مؤسسة راند": "هذه المسؤولية لها تكاليف، لكن لها فوائد أيضا، بما في ذلك المساعدة في تشكيل المنطقة بطرق تخدم المصالح الأمريكية".
وأضاف: "إذا غسلنا أيدينا وابتعدنا، فقد يصبح الأمر معقدا للغاية، فهناك العديد من الجهات الفاعلة التي تسعى لأدوار أكبر في المنطقة مثل الصين وروسيا".
ويأتي استمرار الولايات المتحدة وحدها في هذه المهمة لمدة أكثر من 40 عاما بسبب حقيقة أن عددا محدودا من القوات البحرية حول العالم يمكنها القيام بتلك المهمة بشكل واقعي.
ولا يمكن للقوات البحرية الأوروبية، حتى البريطانية والفرنسية، حشد عدد كافٍ من السفن للقيام بعمليات مرافقة متفرقة، وأعادت الهند إحياء قوتها البحرية، لكنها تتطلع إلى الشرق أكثر من الخليج العربي، وقامت اليابان أيضا بتحديث قواتها البحرية، لكن لديها قيود دستورية على استخدام القوة العسكرية بعيدا عن الوطن.
ويترك هذا البحرية الصينية المتنامية كواحدة من البدائل القليلة القابلة للتطبيق للوجود الأمريكي حول الخليج العربي.
ويبدو أن وجود السفن الصينية في المنطقة يلبي دعوات "ترامب" بتقاسم الأعباء بصورة أكثر إنصافا، وتعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم وأكبر مستهلك آسيوي لنفط الخليج العربي، حيث تحصل على نحو 40% من نفطها من المنطقة.
وعلى مدى العقد الماضي، زادت الصين بشكل كبير من قدرتها على العمل بعيدا عن الوطن، خاصةً حول الخليج العربي، ومنذ أكثر من 10 أعوام، شاركت السفن الصينية في دوريات مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال.
وسيطرت الصين على سلسلة من الموانئ المدنية التي تطوق المحيط الهندي، ما قد يمنحها نطاقا بحريا أطول، ولديها قاعدة عسكرية جديدة في جيبوتي قد تعطي قواتها المزيد من القوة والنفوذ.
ومع ذلك، يتساءل العديد من خبراء البحرية عما إذا كانت الصين لديها القدرة، أو الإرادة السياسية، للحفاظ على أكثر من وجود بحري رمزي في الجوار. وقال "لايل جولدشتاين"، الخبير في شؤون الصين في كلية الحرب البحرية الأمريكية، إن بكين تشعر بالقلق من الدخول في التزامات بعيدة المدى، رغم أن البحرية الصينية قطعت خطوات كبيرة في العمليات الخارجية ولديها "قدرات متزايدة".
وينظر الصينيون إلى الشرق الأوسط كمقبرة للقوى العظمى، وهم ليسوا متحمسين للانخراط في الشرق الأوسط، لكن ليس على الإطلاق.
وقد استثمرت الصين في كل من السعودية وإيران، وقال "فالي نصر"، من "جون هوبكنز": "يمكن للصين أن تتعامل مع هذه القضايا بشكل مختلف تماما. لا تتفق مصلحة الصين في الشرق الأوسط مع تشجيع المواجهة بين إيران والسعودية. وتتلخص عقيدتها في جعل الجميع يلعبون معا".
وبطبيعة الحال، في حين أن حمل الصين على تحمل عبء تأمين تدفقاتها النفطية من شأنه أن يعالج قلق الرئيس حول "الراكبين بالمجان"، فإنه سيقوض أهدافا أخرى من أهداف إدارته، وهي مواجهة النفوذ الجيوسياسي الصيني المتزايد، وقد يعني منح الصين يدا شبه حرة حول الخليج العربي التنازل عن مجال حيوي للمصالح الأمريكية لصالح خصم ومنافس واستراتيجي.
وهذا هو السبب وراء اعتقاد العديد من خبراء الأمن أن المهمة المستمرة منذ 40 عاما لا تزال منطقية، رغم تراجع احتياج الولايات المتحدة إلى نفط الخليج العربي، وبدلا من مجرد حماية تدفقات الطاقة لتحقيق الاستقرار للأصدقاء والحلفاء والاقتصاد العالمي، يمكن للولايات المتحدة أن تحول هذه المهمة إلى جزء من الحملة لمواجهة بكين.
وقال "ستيفن ويلز"، الضابط البحري السابق وخبير الحروب في مركز أبحاث "سي إن إيه: "ربما تسعى الصين إلى تقوية نفوذها في تلك المنطقة، لذا فإن الحفاظ على الوجود الأمريكي هناك يضمن مراقبة العمليات الصينية. لذلك، من الناحية الاستراتيجية، لا يتعلق الأمر فقط بتدفق النفط، بل يتعلق أيضا بالأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة".
لكن الإدارات الرئاسية المتعاقبة سعت للهروب من الشرق الأوسط، وركزت أكثر على التنافس بين القوى الكبرى في آسيا، خاصة أن الصين كثفت تنمرها بشكل كبير ضد جيرانها الأكبر، مثل فيتنام والفلبين، وهي تطالب بمناطق كبيرة في غرب المحيط الهادئ.
ورغم ذلك، يقول "ويلز" إنه بالنظر إلى الحجم الصغير نسبيا للبحرية الأمريكية حاليا، فإن تعزيز الوجود في الشرق الأوسط سيعني عددا أقل من القوات لمنافسة الصين بالقرب من محيطها.
وأضاف: "وجود سفينة في الخليج يعني أنها ليست موجودة في غرب المحيط الهادئ، لذلك توجد مفاضلات وخيارات ينبغي القيام بها هنا".


المصدر | كيث جونسون - فورين بوليسي