فورين بوليسي: هل أعطى بن سلمان التنظيمات الجهادية أعظم أداة لتجنيد المقاتلين؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 267
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 في 11 يوليو/تموز عام 1995 تم إرسال رسالة مفتوحة بالفاكس إلى ملك السعودية وكانت عبارة عن إدانة بالكفر، وكان الاتهام العلني مروعًا بشكل كافٍ، لكن ما جعل هذا الحدث مذهلًا بشكل خاص هو هوية المرسل باعتباره سليل عائلة سعودية كبيرة، وحتى وقت قريب، كان عضوًا في الدائرة الداخلية السعودية.
وكتب "أسامة بن لادن" آنذاك إلى الملك "فهد" قائلاً: "مملكتك المزعومة في الواقع ليست سوى محمية أمريكية يحكمها الدستور الأمريكي"، وتابع قائلا إن "الخيانة والردة واضحة تمامًا مثل الشمس في رابعة النهار".
وفي غضون عدة أشهر، ذهب "بن لادن" إلى الجهاد العالمي تحت راية تنظيم "القاعدة"، وفي السطر الأول من فتواه الأولى عام 1996، طالب المسلمين "بطرد المشركين من شبه الجزيرة العربية"، الذين كانت قواتهم، في رأيه، تدنس التراب المقدس.
غادر هؤلاء الجنود في نهاية المطاف في عام 2003 بعد إزاحة "صدام حسين" خلال الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق، وتحدث "بول وولفويتز" نائب وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت عن التواجد الأمريكي باعتباره "أداة تجنيد ضخمة للقاعدة" موصيا بضرورة "رفع هذا العبء" عن السعوديين.

عودة الأمريكيين
بعد 16 عامًا، وتحديدا في 19 يوليو/تموز الماضي، وتزامنا مع تصاعد التوترات العسكرية مع إيران، أعلنت وكالة الأنباء السعودية أن القوات الأمريكية المقاتلة عادت إلى المملكة، لتستضيف قاعدة الأمير سلطان الجوية 500 جندي أمريكي وطائرات مقاتلة وصواريخ باتريوت.
ويعد إعادة فتح الرياض لهذا الملف المثير للجدل انعكاسا آخر للرغبة في المخاطرة لدى ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، ويراهن الأمير بشكل أساسي على أن العداء الحالي تجاه إيران لدى شعبه والمؤسسة الدينية سيطغى على أي معارضة مستمرة للولايات المتحدة، لكنه يبقى رهانا محفوفا بالمخاطر.
ويعد السماح بعودة القوات الأمريكية نمطا من المقامرة العالية المخاطر من قبل ولي العهد، ويشمل ذلك الحرب في اليمن، التي تراجعت عنها الإمارات، بسبب تكاليفها الإنسانية والدبلوماسية التي لا يمكن تبريرها.
وتشمل المقامرات الأخرى الاعتقال الجماعي للأمراء والأثرياء السعوديين بتهم الفساد، فضلا عن القتل الوحشي للصحفي "جمال خاشقجي" في القنصلية السعودية في إاسطنبول العام الماضي.
وفي الآونة الأخيرة، سعى "محمد بن سلمان" إلى تحويل المجتمع السعودي من أعلى، عن طريق كبح الشرطة الدينية، وإصلاح قوانين الوصاية على النساء، والسماح للحفلات الموسيقية ودور السينما، ومنح النساء حق قيادة السيارات، تزامنا مع اعتقال الناشطات اللائي دفعن طويلاً من أجل الحريات ذاتها.
كما تحسنت العلاقات السعودية مع (إسرائيل) بسرعة، مدفوعة بالعداء المتبادل تجاه إيران. وفي فبراير/شباط، حضر وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية قمة وارسو بقيادة الولايات المتحدة إلى جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".
وفي الشهر الماضي، شارك ناشط سعودي يدعى "محمد بن سعود" في زيارة ترعاها الدولة إلى القدس وأدى أغنية باللغة العبرية مدح فيها "نتنياهو"، ولكن في الوقت نفسه تبذل الحكومة السعودية قصارى جهدها لإنكار حدوث التطبيع الدبلوماسي، مع علمها بحجم التعاطف مع الفلسطينيين في جميع أنحاء المنطقة وداخل المملكة العربية السعودية نفسها.

مواجهات داخلية
ومع هذا السلوك الاستراتيجي المتغير للبلاد، تواجه القيادة السعودية معارضة محتملة من مجموعات مختلفة في نفس الوقت، من الحرس الديني القديم إلى الناشطين الشباب، ويمكن لقرار استضافة القوات الأمريكية علانية مرة أخرى أن يحرك عن غير قصد الجهاديين أيضًا.
وتفهم السلطات السعودية أكثر من أي أحد كيف غذت دعوة القوات الأجنبية في السابق ظهور حركة إسلامية فتاكة.
وقد تم تدشين الخلاف بين مؤسس القاعدة "أسامة بن لادن" وبين الملكية السعودية منذ حوالي 30 عامًا مع عودة "بن لادن" إلى جدة بعد قيادته للجهاديين العرب الذين قاتلوا ضد السوفييت في أفغانستان في الثمانينات.
وفي أوائل عام 1990، بدأ "بن لادن" في التحذير علنا من الأخطار التي تهدد المملكة والمنطقة والقادمة من "صدام حسين" وحزبه البعثي "الملحد" في العراق، وجاء رد الحكومة السعودية برسالة مفادها "فكر فيما يخصك ولا تتدخل".
وأطلق غزو "صدام" للكويت في أغسطس/آب 1990 سلسلة من المفاجآت غير المريحة في المملكة العربية السعودية الضعيفة، وفوجئ الشعب السعودي بعجز حكومته عن الدفاع عن الكويت، على الرغم من ثروات البلاد النفطية والعقود المليارية مع صناعة الدفاع الأمريكية.
من جانبها، فوجئت الحكومة السعودية بعرض "بن لادن" لتعبئة جيشه المكون من 100 ألف من المجاهدين لحماية البلاد من "صدام حسين"، وغني عن القول أن الاقتراح قوبل بالرفض.
وكانت الرياض محورية لواشنطن وكان "بن لادن" غاضبًا من طلب الحكومة السعودية للجيش الأمريكي للدفاع عن المملكة واستخدام أراضيها المقدسة كقاعدة لتحرير الكويت، وكان هذا القرار، كما قال "بن لادن" لاحقا لأحد الصحفيين لاحقا، "أكبر صدمة في حياته كلها".
كان "بن لادن" غاضبًا أيضًا من القمع الحكومي لحركة الصحوة ورموزها أمثال "سفر الحوالي"، و"سلمان العودة"، وبعد أن استخدمت الحكومة الحركة وباركت أنشطتها أثناء حقبة الجهاد الأفغاني، تم إلقاء رموزها في السجن منذ عام 1994 بعد مطالبتهم برحيل القوات الأمريكية ووضع حد للممارسات الفاسدة للملكية الحاكمة.
لاحقا، تم إطلاق سراح بعض قادة الصحوة ومنهم "سلمان العودة" الذي نشر انتقادات قوية لـ"بن لادن" و"القاعدة"، لكن تم القبض على مجموعة منهم، بما في ذلك "العودة" نفسه مجددا في عام 2017 بدعوى "نشر الفتنة والتحريض ضد الحاكم"، وكانت جريمة "العودة" الرئيسية هي نشر تغريدة رحبت بالتقارب مع قطر، وهو يواجه الآن عقوبة الإعدام.
عندما أصبح من الواضح، بعد حرب الخليج، أن القوات الأمريكية ستبقى على الأراضي السعودية، بدأ "بن لادن" يربط بين كراهيته للنظام الملكي السعودي واستيائه العميق من الولايات المتحدة لدعمها لـ(إسرائيل)، وتبلور فكر الجهاد العالمي لاحقا كرد على قيام الحكومة الأمريكية باستخدام الأراضي السعودية المقدسة كقاعدة لمحاربة المسلمين.
وقد أحيا "حمزة بن لادن"، نجل "أسامة بن لادن" الذي أعلنت الولايات المتحدة مقتله مؤخرا، انتقادات والده لتحالف المملكة مع الولايات المتحدة وطالب صراحة بالإطاحة ببيت آل سعود.
وفي 23 يوليو/تموز، نشرت صحيفة "الشرق الأوسط" السعودية ذات الصلة بالدولة مقالة افتتاحية تشير إلى عدم ظهور أي انتقادات لعودة القوات الأمريكية للمملكة وأن "المواطنين السعوديين لم يعودوا حساسين تجاه هذه العلاقات العسكرية".
ومن الممكن جدا أن تتحول المواقف، وأن تختفي المحظورات القديمة التي كانت حاضرة في التسعينات، ومع ذلك، يجب أن يكون مسؤولو مكافحة الإرهاب في جميع أنحاء العالم في حالة تأهب، فما يحدث في المملكة العربية السعودية قد لا يكون ناتجا عن غياب المعارضة، بل هو الهدوء الذي تديره الملكية على خشبة المسرح قبل أن تتجدد العاصفة.

المصدر | فورين بوليسي - ترجمة الخليج الجديد