ذا أتلانتيك: التحالف السعودي الأمريكي على حافة الهاوية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 99
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 تجري جهود في واشنطن لإجراء إصلاح جذري لتحالف أمريكي عمره عقود من الزمن، إن لم يكن إنهاؤه تماما، لكن ذلك يأتي في عكس الاتجاه الذي يسلكه الرئيس "دونالد ترامب" تجاه هذا التحالف، وفي الواقع، يبرز الرئيس باعتباره أكبر قوة مقاومة للتغيير في هذا الأمر.
ويشعر الكونغرس بالاستياء من الكلفة الإنسانية الكارثية للتدخل العسكري السعودي في الحرب الأهلية في اليمن، كما يشعر بالفزع من مقتل "جمال خاشقجي"، كاتب العمود في صحيفة "واشنطن بوست".
ويبدو أن الكونغرس يحاول فرض إجراءات للرقابة على المملكة بشكل دوري، ومع ذلك، في كل منعطف، قام البيت الأبيض بمنع أو التحايل على هذه التحركات، حيث وقف بقوة إلى جانب ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، في حين صعد مواجهته مع "عدوه الأول" إيران.
وقد يظهر التقدير الحقيقي للشراكة السعودية الأمريكية إذا تم انتخاب رئيس من الحزب الديمقراطي عام 2020، وقد أصبح جميع المشرعين الديمقراطيين تقريبا، إلى جانب العديد من أعضاء الكونغرس الجمهوريين، والعديد من جماعات الضغط والمحللين والمسؤولين السابقين، ضد سلوك السعوديين، لدرجة أنه لا يمكن تخيل زيارة من "بن سلمان" لواشنطن العاصمة في وقت قريب، رغم الترحيب الذي حظي به في عامي 2017 و2018.
وعندما التقى "فرانكلين روزفلت" والملك "عبدالعزيز" على متن السفينة الأمريكية "كوينسي" عام 1945، لم يكن بإمكان أي منهما توقع حدوث توترات في العلاقة المبنية على المنفعة المتبادلة، حيث تتدفق الإمدادات الثابتة من النفط السعودي في مقابل الحماية العسكرية الأمريكية.
لكن حتى تداعيات هجمات 11 سبتمبر/أيلول، التي كان 15 من أصل 19 من المختطفين فيها من السعوديين، لم تشكل ذلك التحدي الوجودي الواضح اليوم.
ويشارك المشرعون الأمريكيون في العديد من الجهود لتقييد مبيعات الأسلحة للمملكة، ومحاسبة "بن سلمان"، إلى جانب كبار المسؤولين الآخرين، عن مقتل "خاشقجي".
وفي الوقت الحالي، يعتمد السعوديون على ولاء إدارة "ترامب"، ومع ذلك فهم يدركون أن العلاقة في طريقها إلى الهاوية، وأن وضعهم غير مستقر.
وفي شهر مايو/أيار، أعلنت الإدارة حالة الطوارئ لتجاوز الكونغرس وبيع أسلحة بقيمة مليارات الدولارات إلى المملكة العربية السعودية، وهو عرض للدعم الحكومي للمملكة لكنه يعكس إدراك الإدارة بأنها لن تكون قادرة على حث المشرعين على الموافقة على مبيعات الأسلحة.
ورد مجلس الشيوخ بتمرير عدة تدابير لمحاولة منع المبيعات، وهي خطوات لافتة للنظر، ليس فقط لأنها شملت كلا الحزبين، ولكن أيضا لحقيقة أنها جاءت وسط توترات متصاعدة مع إيران قدمها "ترامب" كسبب لحالة الطوارئ التي اعتمد عليها لبيع الأسلحة للرياض.
وفي أبريل/نيسان، استخدم "ترامب" حق النقض "الفيتو" ضد قرار ينهي الدعم الأمريكي للتدخل العسكري الذي تقوده السعودية ضد المتمردين الحوثيين في اليمن، وكان عليه أن يتخذ هذه الخطوة لأن 7 جمهوريين في مجلس الشيوخ، و16 في مجلس النواب، انضموا إلى كامل الديمقراطيين تقريبا في كلا المجلسين لدعم التشريع.
وقد دافع "ترامب"، الذي كانت زيارته الأولى إلى الخارج إلى السعودية، عن التحالف جزئيا لأن إدارته والحكومة السعودية يشعران بالقلق إزاء سعي إيران المزعوم إلى امتلاك الأسلحة النووية، ودعمها للجماعات المسلحة في الشرق الأوسط.
وركز وزير الخارجية "مايك بومبيو" على التهديدات التي تشكلها إيران خلال اجتماعاته مع العاهل السعودي وولي العهد في الرياض الأسبوع الماضي، وبينما قال "ترامب" إنه أثار قضية مقتل "خاشقجي" مع "بن سلمان" في قمة مجموعة العشرين في اليابان، لكنه لم يعتمد تقارير استخباراته المركزية الأمريكية، التي خلصت بثقة عالية إلى أن ولي العهد أمر بقتل الصحفي.

تحالف يتداعى
لكن دوافع "ترامب" لإنكار المخاوف بشأن الحرب في اليمن واغتيال "خاشقجي" تتراوح من العلاقة الشخصية الوثيقة بين "بن سلمان" وصهر "ترامب"، "جاريد كوشنر"، وصولا إلى مشتريات الرياض الوفيرة من الأسلحة أمريكية الصنع، التي يقول الرئيس إنها تخلق فرص عمل أمريكية، حيث يقول "ترامب" إن السعوديين قاموا بشراء معدات عسكرية بقيمة 450 مليار دولار، كما أعلن في تجمع حاشد أخير، وهو رقم أعلى من المبيعات الفعلية بكثير.
وبالطبع، كان لدى معظم الأمريكيين آراء سلبية عن المملكة منذ هجمات 11 سبتمبر/أيلول، وينظر ثلثا الجمهور في الوقت الحالي إلى المملكة بشكل غير ملائم، وهي أعلى نسبة للصورة السلبية عن المملكة وردت في استطلاعات "غالوب" خلال عقودها الثلاثة من الاستطلاعات حول هذه المسألة.
ويعد التطور الكبير الآن هو أن هناك أيضا هاجسا خطيرا في واشنطن العاصمة حول النفوذ السعودي، حيث ضخت السعودية، حسب أحد التقديرات، أكثر من 40 مليون دولار في حملات الضغط، والإعلام، ومراكز الفكر في عامي 2017 و2018 وحدهما.
وقد تضاعف إنفاقها على حملات الضغط منذ العام الأخير لإدارة "باراك أوباما" إلى العام الأول لإدارة "ترامب"، وكان السعوديون ينتظرون مقابل هذه الأموال، ورغم ذلك، لم يجدوا سوى صديق حميم في البيت الأبيض وثورة عليهم في "الكابيتول هيل".
وقال السيناتور "كريس ميرفي"، وهو ديمقراطي وناقد منذ فترة طويلة للرياض: "لقد اعتاد السعوديون على الحصول على دعم قوي من الحزبين في واشنطن، لكنهم الآن يتشبثون بهذا التحالف بالكاد من خلال العلاقة مع شخص واحد وهو دونالد ترامب".
وأضاف "ميرفي"، الذي رعى العديد من مشاريع القوانين لكبح جماح العلاقة الأمنية مع السعوديين: "ربما نواجه صعوبة في فرض إعادة ضبط للعلاقة أثناء وجود ترامب في منصبه، لكن إصلاح العلاقة قادم لا محالة".
وقد تواطأ الرؤساء الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء على منح السعودية في الغالب الضوء الأخضر للإفلات بانتهاكات حقوق الإنسان والقمع السياسي، بسبب اعتماد واشنطن على الرياض باعتبارها ثقلا جيوسياسيا مستقرا في الشرق الأوسط.
لكن العديد من المرشحين لعام 2020 أوضحوا استياءهم من السلوك السعودي، ويريد "جو بايدن"، المتسابق الحالي بين الديمقراطيين الذين يتنافسون للترشح الخروج من الحرب في اليمن، ودعا "كوري بوكر" الولايات المتحدة إلى "إعادة النظر في العلاقة بأكملها" مع الرياض، وانتقدت "إليزابيث وارين" "ترامب" لإرضائه مقاولي الدفاع الأمريكيين وعدم وقف تدفق الأسلحة إلى المملكة.
وقد أشار "بيرني ساندرز" إلى "بن سلمان" على أنه "مستبد قاتل"، وشمل المملكة في "محور" القوى الاستبدادية التي يزعم أن "ترامب" يشجعها، وقال إن جماعات الضغط السعودية في واشنطن تفسد السياسة الحكومية.
ويتساءل "ساندرز"، راعي أحد قرارات مجلس الشيوخ بشأن اليمن: "ما إذا كانت الصفقة الأساسية التي تم التوصل إليها بين روزفلت والملك السعودي عام 1945، حول الأمن مقابل النفط لا تزال قائمة.

علاقة مؤسسية
ولكن لدى سؤاله عن مدى قلق السعوديين من مستقبل التحالف في حالة انتخاب ديمقراطي عام 2020، قال مسؤول سعودي كبير إن العلاقة "مؤسسية"، وإن المرشحين للرئاسة، ديمقراطيين وجمهوريين، يميلون إلى تغيير موقفهم من المملكة أثناء الحملة الانتخابية. لكن حين يصبحون في مناصبهم فإنهم يفهمون الحاجة لـ "تعاوننا الاقتصادي وتنسيق سياسات النفط وشراكتنا في مكافحة الإرهاب وإيران".
لكن اغتيال "خاشقجي" لم يثر أعضاء الكونغرس فحسب، بل دفع أيضا بعض شركات الضغط ومؤسسات الفكر لرفض التمويل السعودي، ويدرك القادة السعوديون أن الأضرار التي لحقت بالعلاقات مع الولايات المتحدة جراء الحادث "أسوأ من 11 سبتمبر/أيلول"، كما يقول "فراس مقصد" من مؤسسة "العربية"، وهي مؤسسة فكرية مقرها واشنطن على دراية بتفكير المسؤولين السعوديين.
وفي حين أن وزارة الخزانة ووزارة الخارجية قد فرضت عقوبات على أكثر من 10 مسؤولين سعوديين لتورطهم في مقتل "خاشقجي"، لا ترقى هذه الإجراءات إلى مستوى الإجراءات العقابية ضد من يشغلون مناصب عليا في الحكومة السعودية التي يطالب بها الكثيرون في الكونغرس.
وكان تمرد الحزب الجمهوري حقيقيا، وإن كان محدودا، ولم يدعم "ليندسي غراهام"، أحد كبار حلفاء "ترامب" في مجلس الشيوخ، كل الجهود المعادية للسعودية في الكونغرس، لكنه مع ذلك كان ينتقد بشدة "بن سلمان".
وأيد غراهام، وجمهوريون آخرون، مثل السيناتور "تود يونج"، مشروع قانون يفرض عقوبات على أي مسؤول سعودي يثبت مسؤوليته عن مقتل "خاشقجي"، وهو يسعى إلى كبح جماح السعودية في اليمن. ومع ذلك، يتمسك معظم الجمهوريين بالمملكة كحصن ضد إيران.
وفي بعض الأحيان، استسلمت الإدارة لضغوط من الكونغرس، وفي العام الماضي، أوقفت الولايات المتحدة تزويد الطائرات السعودية بالوقود في الصراع اليمني.
وأشار "ميرفي" إلى أن "ترامب" وقع في وقت سابق من هذا العام بهدوء على مشروع قانون الميزانية الذي يحظر تقديم المساعدة إلى السعودية عبر برنامج التدريب العسكري، وقد ساعدت هذه المساعدة السعوديين سابقا للحصول على تخفيضات على شراء تدريب عسكري أمريكي إضافي.
وقال "ميرفي": "هناك حدود لما يمكن للكونغرس فعله فيما يتعلق بإضفاء الشرعية على العلاقات الثنائية"، خاصة عندما يكون "القليل من الجمهوريين" فقط على استعداد للتصويت مع الديمقراطيين.
وأضاف: "يمكننا وضع حدود. لكن لا يمكننا القيام بمهام الإدارة اليومية. ومع ذلك، قد تختفي هذه الحدود إذا نجح ديمقراطي بدلا من ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض".
ويعترف "مات دوس"، مستشار "ساندرز"، بأن الدفع الذي يقوده الديمقراطيون لكبح جماح السعوديين ليس مجرد نزاع سياسي، ويقول: "لقد خلق ترامب، بمجرد كونه ترامب، حافزا سياسيا للتشكيك في العلاقة. لكنها فرصة لفتح نقاش مهم حقا طال انتظاره. كنا قد بدأنا الأمر بعد 11 سبتمبر/أيلول، ثم توقفنا في مكان ما".
ويبدو أن ولاء الرئيس للرياض ينبع جزئيا من رغبته في عكس السياسة الخارجية لـ أوباما"، الذي انتقده لمحاولته المصالحة مع إيران على حساب المملكة.
وتفاوض "أوباما" حول الاتفاق النووي مع إيران، وكان متناقضا جدا بشأن التحالف مع السعودية، لكنه تجنب كسر الشراكة، مما يشير إلى أنه لم يكن ليقطع العلاقات مع السعوديين لو كان لا يزال رئيسا في ظل ظروف اليوم.
وأبدى "ميرفي" ملاحظة بأن "الرواية التي مفادها أن أوباما كان ليتخلى عن السعودية تعد نوعا من الهراء. فلقد باعهم أسلحة أكثر مما باعهم أي شخص آخر، وكان مستعدا لدعم الحرب في اليمن".
وأضاف "مورفي": "أعتقد أنه من الخطر حقا التعامل مع محمد بن سلمان، أعتقد أنه قوة متهورة ومزعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط… لكن المملكة ستبقى حليفا".
وأضاف: "لكننا سنكون أكثر حذرا في طبيعة العلاقة العسكرية، وسنكون أقل استعدادا لاتباعها في المعارك"، داعيا إلى تقليص مبيعات الأسلحة الهجومية.
وردا على سؤال حول المشرعين الذين يقولون إنهم لم يعودوا يرغبون في العمل مع "بن سلمان"، قال مسؤول سعودي البارز: "قيادتنا خط أحمر، مع كل الاحترام الواجب للمشرعين الأمريكيين، لكن الخلافة في المملكة هي شأن داخلي محض"، وأضاف المسؤول أنه "من غير المتصور أن نسير في اتجاه مختلف، بعد أن عيّن الملك سلمان ولي العهد خلفا له".
ويجب على الديمقراطيين وغيرهم من المنتقدين الأمريكيين لـ"بن سلمان" أن يعترفوا بأن ولي العهد، البالغ من العمر 33 عاما، راسخ بقوة في السلطة، وسيكون هو الشخص الذي سوف يتعامل مع أي رئيس أمريكي مستقبلي، لكن السعوديين، من جانبهم، لم يطلقوا "جهدا استراتيجيا منسقا ومدروسا" للوصول إلى هؤلاء المنتقدين، خاصة أن آثار مقتل "خاشقجي" تركت السفارة السعودية في العاصمة دون سفير، ومن المقرر أن تبدأ السفيرة الجديدة، الأميرة "ريما بنت بندر"، عملها هناك قريبا.
ويوجد قلق بين المراقبين السعوديين من أن المملكة قد راهنت كثيرا على علاقتها الشخصية مع "ترامب"، وأن الدعم الأمريكي للتحالف قد يتسبب في عدم إعادة انتخاب "ترامب"، كما يقول "مقصد".
لكن السعوديين يشعرون بالاطمئنان لكون بلادهم، بصفتها عملاقا في أسواق النفط، وحليفا استراتيجيا في الكفاح ضد إيران، وعضوا بارزا في حرب الأفكار في العالم الإسلامي، تبقى لاعبا قويا للغاية ولا يمكن تجاهله، بغض النظر عمن هو في السلطة في الولايات المتحدة.
وردا على سؤال حول ما يتطلبه الأمر للعودة لاستقبال "بن سلمان"، وغيره من القادة السعوديين، والاحتفاء بهم في واشنطن، قال "ميرفي" إنهم بحاجة إلى أن يكونوا هم "المحرضين" على التوصل إلى اتفاق سلام في اليمن، بدلا من "وضع العثرات"، مع كبح قمع المعارضين السياسيين.
ويجادل النائب "رو خانا"، وهو ديمقراطي يقود قانونا لوقف دعم الولايات المتحدة للحرب في اليمن، قائلا إن "الرؤساء يأتون ويذهبون، لكن الدول التي لديها علاقات مستقرة وعلاقات قوية مع الولايات المتحدة تحتاج إلى الاحتفاظ بالدعم في الكونغرس"، مستشهدا بالتحالفات الأمريكية مع بريطانيا وفرنسا والهند و(إسرائيل) كأمثلة.
وأضاف: "كنت لأكون قلقا للغاية لو كنت سعوديا، فقد فقدوا هذا الدعم الأساسي بالفعل".

المصدر | يوري فريدمان ويارا بيومي - ذا أتلانتيك