فورين بوليسي: على ترامب أن يقلق من سياسات بن سلمان

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 151
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية مقالا لـ"جون هانا" المستشار السابق لنائب الرئيس الأمريكي "ديك تشيني" والباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات الممولة من الإمارات العربية المتحدة، دعا فيه إدارة "ترامب" إلى القلق حول ما يحدث في المملكة العربية السعودية.

وحذر "هانا" من المسار الزلق الذي تسير فيه خطة الإصلاحات السعودية، بما في ذلك تعطيل اكتتاب "أرامكو"، ومغامرات السياسة الخارجية العدوانية لولي العهد، لكنه دعا واشنطن في الوقت ذاته إلى عدم التخلي عن "بن سلمان" ومواصلة تقديم الدعم لخططه الجيدة مع تحجيم ميوله العدوانية.

وفيما يلي ترجمة "الخليج الجديد" لمقال المسؤول الأمريكي السابق:

بالنسبة لأولئك الذين كانوا من المؤيدين الأقوياء لجهود الإصلاح غير المسبوقة لولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان"، فإن الأشهر القليلة الماضية قد أثارت القلق؛ حيث كان هناك تدفق مستمر من الأخبار السيئة.

ولا أقول إني مستعد بالتأكيد لضرب جرس الإنذار بعد، لكن أولئك الذين ظنوا أن عملية إخراج السعودية من الجمود إلى القرن الحادي والعشرين سوف تسير بسلاسة، دون أن يكون لها نصيبها من العثرات، كانوا يخدعون أنفسهم بالتأكيد.

لكن هناك إشارات تحذير كافية الآن لكي تبدأ إدارة "ترامب" بالحذر بشكل أكبر، والأهم من ذلك، اتخاذ إجراءات أكبر للحد من بعض الاندفاعات غير البناءة في دولة "بن سلمان".

وكانت أحدث علامة على المشاكل هي أخبار الشهر الماضي حول تأجيل اكتتاب "أرامكو" السعودية، شركة النفط المملوكة للدولة، طرحها العام الأولي الذي طال انتظاره.

وعلى الرغم من أن "خالد الفالح"، وزير الطاقة السعودي، سارع إلى الإصرار على أن الحكومة لا تزال ملتزمة ببيع حصة 5% في شركة أرامكو "في الوقت الذي تراه مناسبا"، لكن القليل كان مقتنعا بما قال.

ومنذ أن كشف "محمد بن سلمان" النقاب لأول مرة عن الفكرة وسط ضجة كبيرة عام 2016، فقد شهدت العملية تأجيلا تلو الآخر للموعد النهائي للتنفيذ.

والآن، اختفى الموعد النهائي تماما، ويبدو أن تأجيل الإعلان إلى أجل غير مسمى هو أكثر العبارات اللطيفة التي يمكن للمرء استخدامها لوصف وضع الاكتتاب العام الحالي، لكن وصفه بالانهيار ربما يكون أقرب إلى الحقيقة.

وبحسب ما ورد، قام والد "محمد بن سلمان"، الملك "سلمان"، بالانقلاب على خطة ابنه.

وبحسب "رويترز"، وخلال شهر رمضان الذي انتهى في يونيو/حزيران، تلقى الملك عددا من الشكاوى من الأمراء والمصرفيين ومديري شركة "أرامكو" حول الاكتتاب العام المنتظر.

وكان همهم الأساسي هو أن أي إدراج في إحدى البورصات الرئيسية في العالم سيتطلب الكثير من الإفصاح عن التعاملات المالية لشركة "أرامكو"، ويحتمل أن يكشف ذلك المخالفات التي قد تحرج وتقوض ليس فقط الشركة، ولكن أيضا شرعية أسرة "آل سعود" نفسها.

واعتبر المراقبون أن الإلغاء يمثل ضربة خطيرة لمؤهلات "بن سلمان" الإصلاحية.

وسواء للأفضل أو للأسوأ، كان ولي العهد يصور باستمرار عملية البيع كعنصر أساسي في برنامجه الجريء "رؤية 2030" لتحويل الاقتصاد السعودي.

وأصر على أن شركة "أرامكو" تقدر قيمتها بنحو تريليوني دولار، ما يجعلها الشركة الأكثر قيمة في العالم، وأن 100 مليار دولار التي سيجمعها الاكتتاب العام ستساعد في تغطية التكاليف الهائلة لخطته "رؤية 2030" لتنويع الاقتصاد، من خلال تقليل اعتمادها على النفط، وبناء مستقبل قائم على الابتكار والتكنولوجيا والقطاع الخاص النابض بالحياة.

لكن أهمية البيع لم تفق أهمية "أرامكو" كبقرة تدر النقد لـ"آل سعود". وكان من المفترض أيضا أن يكون البيع بمثابة إشارة ضخمة للتطمين للمستثمرين الأجانب، الذين ستكون مشاركتهم ضرورية لنجاح "رؤية 2030".

وكان من المفترض أن تسجل أسهم ملكية أهم الأصول السعودية في واحدة من أهم البورصات العالمية انفتاحا للمملكة على معايير الشفافية والمحاسبة وسيادة القانون على النمط الغربي.

تأثير معاكس

وبدلا من ذلك، كان لتخريب الاكتتاب العام تأثير معاكس، وقرر المستثمرون بسرعة أن تقييم "بن سلمان"، البالغ 2 تريليون دولار، مبالغ فيه بشكل كبير، على الرغم من عدم وجود معلومات كافية لتقييم أي رقم حقيقي بدقة.

ولم تقدم الحكومة السعودية تفسيرا موثوقا للتأخير المستمر للاكتتاب العام، ولم تبذل أي جهد لتوضيح المخاوف المحيطة بعملية البيع.

وبدلا من تدمير جدار التعتيم حول المملكة، ساعد الغموض حول عملية الطرح العام الأولي على تعزيزه.

وبدلا من تعزيز ثقة المستثمرين، أكد الإجراء المدى الذي لا تزال فيه القرارات الاقتصادية الرئيسية خاضعة للحسابات السياسية الضبابية، والاقتتال الداخلي، والتدخلات التعسفية للنخبة الحاكمة السعودية.

ويسعى "بن سلمان" الآن إلى التخفيف من فشل الاكتتاب العام، عن طريق الإصرار على أن تتكبد "أرامكو" عشرات المليارات من الدولارات كديون أجنبية لشراء حصة في "سابك"، وهي شركة البتروكيماويات التي تملكها مؤسسة الثروة السيادية السعودية، "صندوق الاستثمار العام".

وسيستخدم الصندوق بدوره الأموال الناتجة من البيع لتمويل إصلاحات "رؤية 2030".

وعلى الرغم من أن هذه الخطة الاحتياطية قد تعوض عن الأموال التي كان من المفترض أن يدرها الاكتتاب العام الأولي، لكنها قد تبدو بديلا أقل من المثالي فيما يتعلق بتعزيز جاذبية المملكة للمستثمرين الأجانب.

وقد أعلن المسؤولون التنفيذيون من كل من شركة "أرامكو" وشركة "سابك" عن عدم حماسهم للصفقة، وألمحوا إلى أن السبب الوحيد وراء ذلك هو دفع القيادة للقيام بذلك، وقد يُغفر للمستثمرين المحتملين الاعتقاد بأن الصفقة تعبر عن نقل "قسري" للأصول.

انهيار الإصلاحات

وقد يكون انهيار الاكتتاب أهم علامة على المشاكل التي واجهت الإصلاح السعودي خلال الأشهر الـ6 الماضية، لكنه لم يكن الوحيد.

وقبل أسابيع قليلة من رفع المملكة الحظر على قيادة النساء، في يونيو/حزيران، وهي مناسبة كان يجب أن تبدو كأنها لحظة انتصار كبيرة لـ"محمد بن سلمان"، تم اعتقال عدد من الناشطات المعروفات، اللواتي دشن حملات طويلة لصالح التغيير.

وشملت التهم الموجهة إليهن اتهامات ملفقة بالسعي إلى "زعزعة استقرار المملكة"، و"تكدير الصفو الوطني"، وقد تعرضن للاتهامات بأنهن خونة ويخدمن مصالح أجنبية، في روايات منسقة بشكل جيد من قبل وسائل الإعلام المملوكة للدولة.

وبدت الرسالة واضحة للغاية، وهي أن أي تغيير اجتماعي يجب أن يأتي من الأعلى إلى الأسفل، نابعا من رؤية وحكمة "محمد بن سلمان"، وليس من خلال أي نشاط شعبي من جانب مواطني المملكة.

ولا شك أن المقصود من ذلك هو دعم سلطة ولي العهد وسلطانه في الداخل، لكن تصوير الأمير لدى الغرب على أنه مستبد وقمعي لا يبدو جيدا بشكل خاص للمستثمرين الأجانب.

وجاءت ردة فعل المملكة على مجموعة من التغريدات (بما فيها واحدة باللغة العربية)، من قبل وزارة الخارجية الكندية، التي انتقدت بشكل معتدل اعتقال اثنتين من ناشطات حقوق الإنسان، في أوائل أغسطس/آب، لتجعل الأمور أسوأ.

وخلال ليلة واحدة تقريبا، طردت المملكة السفير الكندي، وألغت رحلاتها إلى كندا، وأمرت الطلاب السعوديين بالعودة إلى بلادهم، وقامت بتسييل استثماراتها في كندا، وجمدت الصفقات التجارية والاستثمارية الجديدة بين كندا والسعودية.

وهرع المدافعون ليشرحوا أن هذه الخطوة لا علاقة لها بإصلاح "بن سلمان" الإصلاحي، وأن كل ما يفعله هو تعزيز صورته في الداخل.

وفي هذا القول بالتحديد، لم يكن أمام ولي العهد خيارا سوى الرد بقوة على إهانة كندا المتصورة للسيادة السعودية، خشية من انتقاد قوى رجعية قوية داخل المملكة، القبلية والدينية منها على السواء، التي قد تروج لفشله في حماية هيبة الدولة السعودية.

لكن بالنسبة للجماهير الغربية، بما في ذلك الطبقة المستثمرة، أضاف الرد إلى السرد المتنامي الذي يصور "بن سلمان" على أنه سلطوي متهور يصنع قرارات غير عقلانية.

وقد وقعت كل هذه التطورات الأخيرة المؤسفة في ظل الشكوك الصارخة حول حملة مكافحة الفساد الشهيرة، التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، حيث تم اعتقال المئات من السعوديين الأثرياء، بمن فيهم أمراء أقوياء، ووزراء سابقون، ورجال أعمال، وتم احتجازهم قسرا في فندق "ريتز كارلتون" في الرياض، وإجبارهم على التنازل عن مليارات الدولارات من النقد والممتلكات.

وكانت ادعاءات الاعتداء الجسدي، حتى التعذيب الذي أدى إلى الموت، واسعة الانتشار، وغني عن القول إن هذا قد ألقى بظلاله على مناخ الاستثمار في المملكة.

وتحكي الأرقام قصة مزعجة، فخلال العامين الماضيين، كان هروب رأس المال هائلا من المملكة العربية السعودية، حيث بلغ نحو 80 مليار دولار في عام 2017، ومن المتوقع أن يبلغ 65 مليار دولار أخرى هذا العام.

وكان ذلك قبل الخلاف الدبلوماسي مع كندا، وتشير التقارير إلى أن الأرقام ربما كانت لتتخطى هذه المستويات إذا لم تتخذ الحكومة السعودية تدابيرا لوقف الاندفاع نحو خروج الأموال إلى الخارج.

ويعتقد السعوديون الأثرياء أن حساباتهم المصرفية تخضع الآن للرصد والمراقبة، وقد تم التدقيق والمساءلة في التحويلات النقدية الصغيرة من قبل المسؤولين الحكوميين، وتم حظر عمليات النقل الأكبر على الفور.

وتزامن هروب رؤوس الأموال من السعودية مع انهيار الاستثمارات الواردة إليها، وقدم تقرير أصدره مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية في يونيو/حزيران بعد التفاصيل المثيرة للقلق، ففي عام 2017 انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى أدنى مستوى له منذ 14 عاما.

ومقارنة بعام 2016، انخفض الاستثمار الأجنبي المباشر بأكثر من 80%، من 7.5 مليار دولار إلى 1.4 مليار دولار، ما يجعل هدف رؤية 2030 لجذب 18.7 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول عام 2020 يبدو كأنه مجرد حلم يتم ترويجه.

وحتى الأردن، الذي يعاني من نقص النفط والذي يتأرجح دوما في الهاوية الاقتصادية والبلد الذي يعادل اقتصاده عشر حجم الاقتصاد السعودي نجح في جذب المزيد من التدفقات النقدية أكثر مما فعلته المملكة العربية السعودية خلال العام الماضي، وحتى قطر التي فرض عليها حصار رباعي قادته المملكة نجحت في زيادة حصيلتها من الاستثمارات الأجنبية بنسبة طفيفة.

على واشنطن ألا تتخلى عنه

وبقدر ما تبدو هذه الصعوبات المتزايدة مقلقة فإن رد الفعل الصحيح من واشنطن لا ينبغي أن يكون هو التخلي عن "محمد بن سلمان" ورؤيته.

ولدى واشنطن مصلحة كبيرة في نجاح إصلاحات "بن سلمان" الذي اتخذ خلال الأعوام الماضية سلسلة خطوات بدت لفترة طويلة غير واردة الحدوث في المملكة المحافظة مثل تحجيم الأيديولوجيات المتشددة وتمكين المرأة وتخفيف القيود الثقافية، وخفض الإعانات المالية وفرض الضرائب.

ومن المؤكد أن تلك الخطوات تثير غضب الدوائر الانتخابية المحلية القوية، لاسيما داخل الأسرة الحاكمة والمؤسسة الدينية الوهابية.

ولا شك أن سياسة "بن سلمان" المحلية شديدة التعقيد حيث لا يمكن حساب متى يجب أن تمضي قدما ومتى تتراجع، ومتى يجب استرضاء المعارضين ومتى يمكن إغضابهم، لاسيما بالنسبة لشخص عمره 33 سنة وغير متمرس يسعى إلى تحويل واحدة من الأنظمة الحاكمة الأكثر غموضا ما يجعل الأخطاء، وحتى الأخطاء الخطيرة، أمرا لا مفر منه.

ومع ذلك، يجب على الولايات المتحدة، باعتبارها أهم حليف للسعودية، أن تعمل بفعالية ولكن بهدوء لمساعدة "محمد بن سلمان" على تجنب الأخطاء التي لا داعي لها حيثما أمكن، مع تخفيف عواقب الأخطاء التي وقعت بالفعل.

وقد سعى الرئيس الأمريكي "ترامب" إلى إصلاح العلاقات مع الشركاء الرئيسيين في الشرق الأوسط، خاصة السعوديين، الذين عانوا كثيراً في عهد سلفه، وذلك من خلال تبني مواقف أكثر صرامة تجاه إيران.

كما أن الرئيس وكبير مستشاريه وصهره، "غاريد كوشنر"، راهنوا بشكل كبير - وصحيح - بأن "محمد بن سلمان" سيظهر بسرعة باعتباره صانع القرار المسيطر في البلاد، وقد منحوا بوضوح دعم الولايات المتحدة لصعوده السريع.

وعلى الرغم من أن الإدارة استخدمت من حين لآخر نفوذها المتزايد للضغط على السعوديين في عدة قضايا منفصلة مثل شراء أسلحة أمريكية إضافية وضخ المزيد من النفط لخفض أسعار البنزين، لكنها أحجمت بشكل كبير عن الانخراط بشكل منهجي في إصلاحات ولي العهد التاريخية.

في الواقع، هناك تصور واسع الانتشار بأن السياسة السعودية للإدارة كانت آلية بشكل كبير حيث حرم ولي العهد من الاستفادة من المشورة الأمريكية المستمرة بشأن مجموعة واسعة من التحديات المتزايدة التي يواجهها، ليس فقط في الداخل، ولكن أيضا في المنطقة، بما في ذلك المستنقع المكلِّف للحرب في اليمن، والصراع مع قطر.

ويجب أن يتغير ذلك كله في أسرع وقت ممكن حيث تحتاج الإدارة إلى إدراك الصعوبات المتصاعدة التي يواجهها "بن سلمان" ووضع استراتيجية لتهذيب أدائه ويجب أن يكون الهدف هو تشجيع ودعم أفضل دوافعه وفي الوقت نفسه تحجيم أسوأها.

أو بعبارة أخرى: المزيد من التحرر الاقتصادي، وتمكين المرأة، والترويج للإسلام المعتدل، والقليل من الاعتقالات لنشطاء حقوق الإنسان المتعاطفين، والأزمات الدبلوماسية مع الديمقراطيات الغربية ومغامرات السياسة الخارجية ذات العواقب السيئة.

وفي هذا الصدد، فإن حقيقة أن الإدارة لم تحدد بعد سفيرًا للسعودية لمدة عامين تقريبًا تعد فشلا جسيما حيث ينبغي أن يكون ابتعاث شخص ذي خبرة كبيرة إلى الرياض أولوية قصوى.

ويجب على الإدارة أيضا أن تعيد إحياء الحوار الاستراتيجي الرفيع المستوى بين الولايات المتحدة والسعودية، بهدف تحسين التنسيق حول المصالح الأساسية خاصة الإصلاحات السعودية وقضايا الأمن الإقليمي.

قد يكون مسار المملكة العربية السعودية إما واعدا بالنجاح أو خطرا ماحقا على مستقبل الشرق الأوسط ومصالح الولايات المتحدة الحيوية، لذلك من المهم ألا تترك واشنطن "محمد بن سلمان" وحده، وقد آن الأوان لإدارة "ترامب" أن تتخلى عن المقاعد الجانبية وأن تدخل مباشرة إلى اللعبة.

المصدر | فورين بوليسي