اكتتاب أرامكو.. استشارة "الأمراء المحافظين" تكبح مغامرة "بن سلمان"

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 390
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

مروان رجب
"ثمة حاجة إلى فحص إضافي"..
 بهذا التعقيب المقتضب جاء أول رد لإدارة شركة "أرامكو" السعودية على حالة الجدل التي أثارها إعلان ولي العهد، الأمير "محمد بن سلمان"، في يناير/كانون الثاني 2016، أن الشركة ستدرج في سوق الأسهم على الملأ.
رد لم يمر مرور الكرام على خبراء الشأن السعودي.
إذ كشف بيان الشركة عن عدم استعداد إدارتها للإجابة على أسئلة أساسية بشأن الاكتتاب، وجاء متزامنا مع تصريح لوزير المالية السعودي آنذاك، "إبراهيم العساف"، ألمح فيه إلى إمكانية بيع حصة تمثل 5% من قيمة "أرامكو" عبر "صفقة خاصة" لشريك أجنبي، في مقابل تصريح آخر لوزير النفط، "علي النعيمي"، مفاده أن طرح أسهم الشركة سيكون في بورصة لندن.
وإزاء ذلك، بدا للمراقبين أن إعلان "بن سلمان" تخصيص خصة من أسهم "أرامكو" للاكتتاب جاء متسرعا، ولم يكن ناتجا عن مشورة مع مؤسسة الحكم السعودية والخبراء بالمملكة؛ ما دفع بعضهم إلى توقع التراجع عن طرح الاكتتاب مبكرا، ومنهم الباحث الاقتصادي، "عصام الزامل"، الذي طلب من متابعيه عبر "تويتر" تسجيل توقعه بـ"مفضلاتهم"، في إشارة إلى ثقته الكاملة به.
وعزز من توقع "الزامل" إعلان ولي العهد خطط طرح الاكتتاب خلال مقابلة مع مجلة "إيكونوميست" البريطانية، بينما ظل الإعلام السعودي متحفظا بشأن "تفاصيل" أخبار تداولتها وكالات مثل: "رويترز" و"بلومبرج" حول موعد طرح أسهم "أرامكو" والسوق المالية التي اختارتها المملكة لعملية الاكتتاب.

توجيه رسمي
وفي هذا الصدد، تلقت صحف إلكترونية بالمملكة توجيها رسميا بعدم التركيز على تفاصيل أخبار الاكتتاب، حسبما علم "الخليج الجديد" من مصادره، وصولا إلى تدخل الملك "سلمان بن عبدالعزيز" شخصيا لإلغاء اكتتاب الشركة في الأسواق العالمية، وفقا لما نقلته "رويترز" عن مصادرها.
ورغم تصريح وزير الطاقة السعودي الحالي، "خالد الفالح"، في أغسطس/آب الماضي، بأن الحكومة ملتزمة بتنفيذ الطرح العام الأولي "وفق الظروف الملائمة وفي الوقت المناسب الذي تختاره"، إلا أن معطيات موقف اكتتاب "أرامكو" رجحت تجميد الصفقة لدى مراقبي الشأن السعودي.
وبقدر ما كشف تطور الموقف السعودي الرسمي من اكتتاب "أرامكو" عن ميل ولي العهد إلى المبادرة والمغامرة، بقدر ما كشف عن أقطاب داخل أروقة المؤسسة الملكية (أمراء آل سعود) لا ترى في نهجه مصلحة راجحة على المستوى الاقتصادي، خاصة هؤلاء الأقرب سنا إلى جيل الملك منه إلى جيل ولي العهد، وهو ما أوردته "رويترز" عن 3 مصادر وصفتها بـ"المطلعة".
فقرار الملك "سلمان"، حسب المصدر ذاته، جاء بعد لقائه عددا من أمراء الأسرة السعودية الحاكمة ومصرفيين ومديرين كبار في قطاع النفط، بينهم رئيس تنفيذي سابق لشركة "أرامكو" ذاتها (لم يذكر المصدر اسمه)؛ حيث دارت بينهم مشاورات، انتهت منتصف يونيو/حزيران الماضي.
وأوضحت المصادر أن الشخصيات التي حاورها الملك "سلمان" أبلغته أن الطرح الأولي لن يكون في صالح المملكة، بل قد يؤثر سلبا عليها؛ لأنه سيدفع "أرامكو" للإفصاح الكامل عن كل تفاصيلها المالية.

تهديد الإفصاح
ويمثل هذا الإفصاح حجز الزاوية في خلاف الرؤية بين من استشارهم الملك السعودي وفريق ولي العهد؛ فهو بمثابة "تهديد" لحرية مطلقة اعتادت عليها الحكومة السعودية في تسيير شؤون عملاق النفط العالمي، من وجهة نظر أمراء جيل تأسيس المملكة، الذين عاصروا شراء "أرامكو" وتحولها إلى شركة سعودية خالصة في ثمانينيات القرن الماضي.
يرى أمراء هذا الجيل أن "أرامكو" بمثابة "كنز وطني" ملك للدولة والعائلة السعودية، ولا يجوز التفريط في أي نسبة منه، ولو على سبيل الشراكة الصغيرة، حتى لو كانت المملكة بحاجة إلى سيولة مالية تغطي نفقاتها المتعثرة بعد انهيار أسعار النفط ابتداء من 2014، واستمرار أمد كلفة الحرب في اليمن.
في المقابل، يرى ولي العهد وفريقه من الأمراء الشباب أن الأمور داخل المملكة يجب أن تدار بعقلية اقتصادية بحتة تنطوي على قدر من المغامرة، بعيدا عن عواطف التاريخ وشعارات الوطنية، خاصة في ظل عجز الموازنة العامة المتفاقم (52 مليار دولار عجز متوقع في 2018).
لكن نتائج مغامرات سابقة لـ"بن سلمان" على المستوى السياسي، ولاسيما في اليمن، لم تكن مشجعة لاتخاذ قرار استراتيجي بشأن "أرامكو" حسبما ارتأى الملك "سلمان"، الذي سجلت أكثر من محطة تدخله لوقف مبادرات سابقة لولي العهد؛ ومنها إلغائه مكافآت وحوافز لموظفي الدولة العام الماضي (2017).
وعزز من اتجاه الملك لترجيح رأي مستشاريه المتحفظين على اكتتاب "أرامكو" تلك التقديرات التي سبق أن أعلنها ولي العهد بشأن قيمة أسهم الشركة الإجمالية، وهي تريليوني دولار، في حين أن أفضل التقديرات المتفائلة لدى المؤسسات الغربية لم تتجاوز التريليون ونصف التريليون دولار.
وأمام عمق الخلاف المتواري خلف الكواليس، طفت حالة الارتباك لدى مسؤولي "أرامكو" على السطح، الذين بدوا عاجزين عن تقديم إجابات واضحة لأسئلة الصحف والوكالات العالمية بشأن طرح أسهم الشركة للاكتتاب؛ الأمر الذي أدى إلى إطالة أمد التنفيذ وصولا إلى تجميده.

بديل مالي
ويرى مراقبون أن حملة ولي العهد ضد الفساد، التي اعتقلت السلطات، على إثرها، العشرات من الأمراء والوزراء والمسؤولين ورجال الأعمال، جاءت بدافع "توفير بديل مالي" لحين طرح أسهم "أرامكو"، خاصة أن أغلب المعتقلين تم إخلاء سبيلهم نظير "تسويات مالية"، وبينهم –للمفارقة– "إبراهيم العساف" الذي جاء تصريحه بشأن "أرامكو"، عندما كان وزيرا، بمثابة "طرح بديل" لم يرق لولي العهد آنذاك.
أما "عصام الزامل" فقد شملته حملة الاعتقال، لكن دون إخلاء سبيل حتى اليوم، وتردد مؤخرا أنه أحيل وآخرون إلى محاكمات سرية، إلا أنه لم يعرف حتى الآن التهم الموجهة إليه.

انتقاص الهيبة
وفي ظل التناقضات الكبيرة بين رؤية "بن سلمان" لاقتصاد سعودي متحرر من أحادية الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، وإرث حكم "آل سعود"، القائم أصلا على اقتصاد النفط، لا تبدو ثمة احتمالية لإعادة طرح فكرة اكتتاب "أرامكو" إلى الواجهة مرة أخرى، طالما ظل الملك "سلمان" على عرشه، وفقا لما رجحه "ديفيد روزنبرج" في تحليل نشرته، مؤخرا، صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية.
ولأن ولي العهد لم يظهر أدنى نية للتنازل عن أي صلاحيات ملكية، وأظهر تشبثه بالحكم المطلق، فإن إلغاء خطة اكتتاب "أرامكو" يمثل انتقصا مؤكدا لهيبته، وفقا لما أوردته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، الأسبوع الماضي.
وحسب تحليل الصحيفة البريطانية فإن "البديل المالي" الذي بحث عنه "بن سلمان" لا يبدوا مستداما، خاصة في ظل استمرار الحرب في اليمن، وتوقعات استمرار كلفتها لأمد غير معلوم، ومن هنا جاءت المحادثات الأولية لاستحواذ "أرامكو" على حصة استراتيجية في "شركة الصناعات الأساسية السعودية" (سابك)؛ رابع أكبر شركة بتروكيماويات في العالم.
ويمثل هكذا توجه بديلا صحيحا لدى المستشارين المؤيدين لإلغاء اكتتاب "أرامكو" من زاوية حفاظه على "الأصول الوطنية" عبر شراء 70% من أسهم "سابك"، التي يملكها صندوق الاستثمارات العامة الذي تديره الحكومة، وباعتباره اتجاها تدريجيا نحو تنويع إطار عمل "أرامكو" على المدى المتوسط والبعيد في الوقت ذاته.
لكن الأمير المغامر لا يرى في ذلك البديل المرجو؛ إذ يمثل تلاشي اكتتاب "أرامكو" بالنسبة له "أزمة شخصية"؛ فهو "لم يكن محتاجا إلى المال بقدر ما كان في بداية مهمته لتغيير المملكة" حسب "بلومبرج".
فهل سيستمر ولي العهد في مغامرات جديدة باتجاه مشروع "تحديث المملكة" وفق رؤيته؟ أم يمثل تدخل الملك في صفقة "أرامكو" مؤشرا على تدخلات أخرى قادمة؟.
في الأيام القادمة الخبر اليقين.

المصدر | الخليج الجديد