كيف تتسبب الإصلاحات السعودية في تقسيم الشرق الأوسط؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 331
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 سلطت أزمة الخليج والحصار على قطر الضوء على الأساس المتآكل للأمن والاستقرار الإقليميين. وبشكل عام، تم تفسير الأزمة على أنها أحد مكونات المواجهة السعودية الإيرانية المتصاعدة، كما سلطت الضوء على التنافس القوي بين القوى العظمى في الشرق الأوسط. وقد تسبب تراجع ضمانات الأمن الأمريكي في خلق فراغ سياسي وأسهم في تقويض الركائز، المتداعية بالفعل، للنظام الإقليمي.
لكن إلى جانب العوامل الهيكلية، كانت أزمة الخليج في جوهرها أزمة محلية ومنتجا لسياسة الخليج. وقد تسببت الأجندات المتضاربة بشأن الاستقرار الداخلي والإقليمي، ورغبة القيادة السياسية في تقليل الدور الذي يلعبه الإسلام على الصعيد الشعبي، وتناقضات أمن الخليج في مرحلة ما بعد 2011، والبدائل الأيديولوجية المتنافسة، إلى تهميش السعي إلى وحدة الخليج وتقويض أحقية السعودية بالقيادة العربية. وقد ندعي أنه في غياب الإجماع الخليجي على النظام الإقليمي، فإن تكرار الأزمات أمر حتمي، ومن المرجح أن تكون قدرة دول الخليج على الابتعاد عن الصراعات الإقليمية حلم أو محض أوهام.

ضغوط من كل اتجاه
وتتعرض دول الخليج لضغوط من كل اتجاه، وقد أدت الشكوك المتزايدة بشأن الاقتصادات أحادية المورد، إلى جانب «التضخم» والحاجة الماسة إلى خلق فرص عمل، إلى فرض الكثير من الضغوط على الأنظمة الملكية في دول الخليج العربية. وربما تكون دول مجلس التعاون الخليجي قد نجت من الانتفاضات العربية بفضل الموارد المالية الضخمة، ومع ذلك، وكما أشارت تحركات ولي العهد السعودي الأمير «محمد بن سلمان» الأخيرة، فإن التغيير يقترب من كونه خيار حتمي.
وبالإضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية، أعطت القيادة السعودية الأولوية للحاجة إلى إصلاح الخطاب الإسلامي. وفي حين ينطوي العقد الاجتماعي السعودي القائم على دور واسع للإسلام في السياسة والحياة الاجتماعية، فإن ظهور العديد من المتنافسين من الإسلاميين السياسيين إلى الجهاديين المتطرفين، أضر بمطالبات القادة السعوديين بالزعامة الأيديولوجية. ومع ذلك، لا تزال السعودية تلعب دورا فريدا في السياسة الخليجية، وهي تواجه مخاطر انهيار النظام السياسي الخليجي الأوسع.
وقد تبنت القيادة السعودية برئاسة «محمد بن سلمان» سياسة القبضة الحديدية ضد المنافسين السياسيين في الداخل، إلى جانب تعزيز دورها في قيادة الدعوة إلى التغيير في المنطقة. وعلى الرغم من التناقضات التي تثيرها سياسات ولي العهد والأسئلة المتزايدة حول صدق وجدوى التغيير الذي يطرحه، يمضي «بن سلمان» مقدما في أجندته للإصلاح الاقتصادي والاعتدال الديني، ولكن عملية الإصلاح من أعلى إلى أسفل ستختبر جدواها مع مرور الوقت.
وعلى صعيد أوسع، تعد السعودية هي قوة الوضع الراهن التي تهدف إلى إدامة نظام ما بعد الاستعمار في الشرق الأوسط، الذي منح آل سعود النفوذ الاقتصادي والأمني ​​والديني. وبناء على هذه المزايا، تستند السياسة الخارجية السعودية إلى مظلة الأمن الأمريكية، وعائدات النفط، ودور العائلة المالكة كحارس أمين على المناطق الإسلامية المقدسة.
وكان الربيع العربي بمثابة ضربة أساسية لهذه الركائز التقليدية للسياسة الخارجية السعودية. أولا، أصبحت القدرة على الحفاظ على الدرع الأمني ​​الأمريكي هشة بعد تراجع التزام «أوباما» تجاه الشرق الأوسط. ولم يكن سقوط الرؤساء الأقوياء مؤشرا على نهاية تلك الحقبة فحسب، بل أيضا على حتمية التغيير، خاصة مع تزايد الشكوك حول دعم الولايات المتحدة. واستلزم هذا الأمر ترتيب البيت من الداخل أولا، وهو ما رأته القيادة السعودية على أنه ضرورة لتحدي البدائل السياسية والأيديولوجية وقد أدت هذه القراءة الوجودية للأحداث إلى مواجهة سعودية لا تتزعزع ضد «الإخوان المسلمون» وإيران.

ثلاثة أبعاد
وهكذا كان رد السعودية على الربيع العربي ذو ثلاثة أبعاد. ففي مرحلة مبكرة، كان الربيع العربي قبل كل شيء مشكلة أمنية داخلية للمملكة، ولقد أظهرت أعمال الشغب الشيعية في المنطقة الشرقية عام 2011-2012 الحاجة إلى احتواء الآثار الجانبية القادمة من المشيخات المجاورة، الأمر الذي بررت به السعودية العمل العسكري لقمع المظاهرات في البحرين حيث تخلى السعوديون عن مبدأ «عدم التدخل» في الشؤون الخليجية لتحدي تهديد التمرد الشيعي الثوري.
وقد سلط ذلك الضوء أيضا على «التهديد الإيراني» الذي كان في الوقت ذاته مفيدا في تحويل الانتباه عن التحديات الداخلية. وبالإضافة إلى ذلك، كان للتهديد الإيراني أيضا فائدة أخرى في تقريب السياسة الخارجية السعودية مع الولايات المتحدة والمحور المؤيد للغرب في الشرق الأوسط، وتحديدا الإمارات العربية المتحدة و(إسرائيل) ومصر والأردن والبحرين، باسم التحالف المضاد للثورة.
وفي أعقاب تحركها لمواجهة التهديدات الداخلية المبكرة، تحركت المؤسسة السعودية لضرب الأصول الإقليمية لإيران في المرحلة الثانية. وعلى الرغم من النشاط العسكري والحروب بالوكالة، فشلت المملكة في القضاء على النفوذ الشيعي في العراق أو سوريا أو لبنان أو اليمن، وفي ظل الظروف الحالية، لا تلعب التوازنات الإقليمية بالتأكيد لصالح السعوديين، وهو ما يمنح الأفضلية بدوره للتهديد الإيراني.
وأخيرا وليس آخرا، عارضت الرياض بثبات عودة الإسلام السياسي بقيادة «الإخوان المسلمون»، الجماعة التي برزت كأكبر بديل قابل للحياة للأنظمة الملكية السنية، من مصر إلى ليبيا وتونس وسوريا واليمن. وكانت الوجهة السياسية الأولى للزعيم السياسي الإسلامي في مصر «محمد مرسي» هي الرياض، لكن السعوديين كانوا أبعد ما يكونون عن تأييده ودعمه، وعلى هذا النحو، قام السعوديون بتأجيل المساعدات المالية الحيوية للحكومة الجديدة. وفي حين قدمت دول مثل تركيا وقطر دعما ماليا كبيرا لحكومات «الإخوان المسلمون» المنتخبة حديثا، تراجعت الولايات المتحدة عن طريق الإصرار على شروط صندوق النقد الدولي المؤلمة، وبدا ببساطة أن السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى بعيدة عن الصورة. وقد جسد مسار الأحداث اللاحق، لا سيما في مصر، أهمية الدعم المالي من قبل مجلس التعاون الخليجي لاستمرارية الأنظمة العربية الموالية للغرب.
ومع هيمنة جهاز المخابرات العسكرية على السياسة المصرية، والقلق الإسرائيلي من الإسلام السياسي، لم تضطر السعودية إلى بذل جهد في إقناع الشركاء الغربيين بالسكوت على الانقلاب العسكري، الذي يُعتقد أنه أعاد الكتلة السعودية الغربية إلى الصعود في ميزان القوى الإقليمي. ونتيجة لذلك، عمل رد الفعل الغربي الصامت تقريبا في مصر على إصلاح العلاقة المتزعزعة بين الرياض وواشنطن. وقدمت السعودية والإمارات دعما كاملا لنظام «السيسي»، حيث قدمتا الدعم المالي والسياسي الحيوي للحكومة المصرية بعد الانقلاب. وفي الوقت نفسه، لم تحقق المحاولات السعودية السابقة للتقارب مع روسيا والصين عائدات ملموسة، مما قدم دليلا على محدودية قدرتها على استبدال الدرع الأمني ​​الأمريكي.
وقد وضعت المملكة استراتيجية للحفاظ على توازن القوى لصالحها، من خلال تأمين أنظمة متشابهة التفكير مع الحلفاء التقليديين مثل مصر واليمن ومواجهة طموحات إيران للهيمنة الإقليمية في سوريا. ولهذه الغاية، أطلقت العنان لتأجيج الخطاب الطائفي، معتقدة أن مواردها المالية الضخمة ستوقف موجة التغيير. وقد نجحت الرياض في الحفاظ على سلامة حدودها، والحفاظ على الحد من تأثير الربيع العربي بعيدا عن أراضيها، ومع ذلك، فقد كلف ذلك السعودية سياسة تدخلية جديدة ومزيد من المشاركة في المنطقة.

السياسة الجديدة
ولكن مقاومة السعودية لنداءات التغيير في المنطقة تسببت في زعزعة أمنها واستقرارها وقوضت تحركات الوحدة السنية. كما فقد مجلس التعاون الخليجي مظهر الوحدة والترابط، والأسوأ من ذلك، انقلب على نفسه. وقد تسببت السياسة السعودية لإبقاء النار مشتعلة في المنطقة في خطر تحول تلك النار إلى تهديد هيكلي ضد الممالك العربية الموالية للغرب.
وأدت المحاولات التي قادتها السعودية لوقف انتشار الإسلام السياسي، والعمل ضد أنماط الحكم الانتخابية، إلى إضعاف الشرعية السياسية للأنظمة العربية. وكانت حركات «الإخوان المسلمون»، على الرغم من المآخذ عليها، قيد التطور إلى طريق ثالث بين الأنظمة البائدة للرؤساء المستبدين والدعوات الرجعية القائمة على التطرف الراديكالي. وبشكل عام، لا يزال الإسلاميون يمثلون التحدي الأول ضد الأنظمة السياسية في الخليج، وربما كان ظهور تنظيم «الدولة الإسلامية» مرحب به في البداية من قبل بعض الأوساط السعودية بسبب النظرة العالمية المعادية لإيران والمناهضة للشيعة، ولكن سرعان ما أصبح واضحا للإدارة السعودية أنه يشكل تهديدا أكثر إلحاحا من «القاعدة».
أولا، لم يقم تنظيم «الدولة الإسلامية» بالتمييز بين العدو القريب والعدو البعيد. ولذلك، أعطى الأولوية لـ«غزو» الأراضي الإسلامية، ونزع صفة الشرعية بشكل قاطع عن حكام الممالك العربية الموالين للغرب. وثانيا، أثبتت النبرة الأيديولوجية والرسالة النظرية لتنظيم «الدولة الإسلامية»، التي تحدت من جديد أي حداثة من أي نوع تتعدى المصادر التقليدية للإسلام، أن لها صوتا مسموعا عبر البلدان العربية، خاصة في دول الخليج. وثالثا، قدمت دعوة التنظيم للقتال من أجل الحقوق السنية والجهاد طريقا بديلا لمواجهة الحرمان السني، حتى وإن كان محكوما عليه بالفشل منذ البداية. وبشكل عام، أشار صعود التنظيم إلى الفراغ القائم في العالم الإسلامي، مع عدم وجود مصدر شعبي أصلي ديني شرعي مستقل للسلطة السياسية للتعامل مع مظالم المسلمين.
وفي حين كانت تلك التحديات تتصاعد، كانت العلاقات السعودية مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي تتعقد أكثر فأكثر، ورغم أن حجم المملكة العربية السعودية النسبي، وثرائها الاقتصادي، وشراكتها الرئيسية مع الولايات المتحدة، قد غذت دورها في قيادة الخليج إلا أن هذا لم يمنع بلدانا مثل قطر وعمان وحتى الإمارات من السعي إلى الحصول على مسارها المستقل.
ومرة أخرى، كانت القضية الرئيسية التي أدت إلى دق إسفين بين دول مجلس التعاون الخليجي هي التنافس حول النظام الإقليمي. وقد لعبت قطر دورا رائدا في احتضان الإسلام السياسي، حتى بعد سقوط «مرسي» في مصر، وكان يُنظر إلى مشكلة دعم قطر للحركات التابعة لجماعة «الإخوان المسلمون»، ودورها المتزايد في سوريا ومصر واليمن وليبيا وفلسطين وأفغانستان والسودان، من قبل السعوديين، وبشكل أشد من قبل الإماراتيين، على أنه دور أكبر من حجمها لا تستحقه. وبالنسبة للسعودية، كانت قطر بعيدة كل البعد عن كونها شريكا يجب استشارته حول التطورات الإقليمية، ولكن بدلا من ذلك يجب أن تصبح تابعا منضبط السلوك. وبالنسبة لقطر، كانت القضية الأساسية هي تبني سياسة خارجية مستقلة. ومن ناحية أخرى، كان لدى سلطنة عمان تقليديا خط أكثر تأييدا لإيران، في حين حاولت الكويت الحفاظ على دورها كوسيط نزيه.
ونشأ الدور المتصاعد لدولة الإمارات بهدف تحقيق لهدفها النهائي المتمثل في دحر الإسلام السياسي بشكل كبير لذا كان تحييد النفوذ القطري وقطع علاقات الدوحة مع «الإخوان المسلمون» من مصر إلى ليبيا وسوريا والسودان والصومال هو اهتمام أبوظبي الأكبر. ونتيجة لذلك، أطلقت الإمارات حملة شاملة ضد قطر في المحافل الإقليمية والعالمية. وترمز أزمة الخليج في حد ذاتها إلى انقلاب الإماراتيين على فكرة الوحدة الخليجية، وفي مقاربة أكثر إثارة للجدل، ادعت الإمارات أنها تقود جبهة علمانية وموالية للغرب ضد الجهود القطرية لاحتضان الإسلام السياسي، وعلاوة على ذلك، فإن القواعد العسكرية لدولة الإمارات من أرض الصومال إلى إريتريا واليمن، فضلا عن مشاركتها في العمليات العسكرية في ليبيا بالتعاون مع القوات المصرية، أبرزت سعيا أوسع للإمارة لقيادة التطورات الإقليمية.
وفي محاولة للتغلب على أزمة الانقسام، أسس الملك «سلمان» التحالف الإسلامي العسكري لمكافحة الإرهاب، بمشاركة 34 دولة إسلامية في البداية. وعلى الرغم من أن الهدف المعلن كان محاربة الإرهاب والتنسيق بين الدول الإسلامية، إلا أن استبعاد إيران أكد على هدف السعودية بعزل خصومها الإقليميين. وكان الدافع الضمني هو تجنب الانتقادات المتزايدة بشأن عدم التزام القوى السنية بمقاومة صعود تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا والعراق، لكن ما يسمى بـ «التحالف» أظهر عدم قدرة السعوديين على توحيد الدول السنية أو توجيهها نحو العمل المشترك.
وكانت نهاية عهد «أوباما» بمثابة تأكيد على المخاوف السعودية بشأن التنازلات الأمريكية أمام التوسع الإيراني حيث رفضت المملكة فكرة حول عمل «أوباما» على إعادة دمج إيران في «توازن» إقليمي من خلال الاتفاق النووي. والأسوأ من ذلك أن «أوباما» كان يتوقع من القوى السنية بقيادة السعودية أن تقاوم تنظيم «الدولة الإسلامية» وأن تتحمل مسؤولية عدم الاستقرار في العراق وسوريا، وفي تطور متسارع، كان الأمريكيون يتخلصون في الواقع من عبء الفشل المتتالي في العراق منذ عام 2003، بإلقاء المسؤولية على كاهل القوى السنية، مثل السعودية وتركيا والإمارات.
على هذه الخلفية، كان ترشيح الرئيس «ترامب» مرحبا به أكثر من جانب التحالف الذي تقوده السعودية، بهدف استعادة دعم واشنطن لقضيتهم ضد إيران والإسلام السياسي. وكانت زيارة الرئيس الأمريكي الأولى إلى الخارج إلى المملكة العربية السعودية لفتة معارضة واضحة لرؤية «أوباما» في الشرق الأوسط حيث حاول الرئيس الأمريكي استرضاء القادة العرب والتأكيد على ضمان أمنهم، كما هاجم إيران أيضا، ووصفها بأنها «مسؤولة عن الكثير من عدم الاستقرار في المنطقة».
تم تفسير زيارة «ترامب» على أنها لدعم الأهداف السعودية في المنطقة. ونتيجة لذلك، تحرك السعوديون «المنتشون» ممع الإماراتيين، لإخضاع قطر، وترمز أزمة الخليج إلى محاولة سعودية إماراتية لترسيخ التحالف المناهض لإيران ومعاقبة أي خروج عن هذا المسار في الخليج. وقد انضم الرئيس «ترامب» لهذا التحالف، رغم تراجعه عن ذلك لاحقا. وقد مهدت هذه الأزمة الطريق لظهور «محمد بن سلمان» باعتباره المحرك والدافع لتلك السياسة الإقليمية.
لكن استدامة العلاقات الأمريكية السعودية في عصر «ترامب» مشكوك فيها في أفضل الأحوال. فحتى لو لم يكن التفكير الأمريكي انعزاليا تماما، فإن المشاركة ستكون بالتأكيد محدودة وتستند إلى أهداف محددة، ولن تأتي بدون ثمن. وبالنسبة لإيران، أثبتت إدارة «ترامب» رغبتها في زيادة الضغط إلى أقصى حد، ولكن لا يزال من غير المحتمل استعداد الولايات المتحدة لتحمل تكلفة مواجهة عسكرية كبيرة في مختلف المسارح الإقليمية، ومرة أخرى، سوف يتم دفع تكلفة المواجهة مع إيران بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل دول المنطقة.
وفي (إسرائيل)، قوض الارتباط الوثيق لـ«بن سلمان» بالمصالح الإسرائيلية الدور السعودي المفترض كحامي للمصالح السنية، ونتيجة لذلك، خرج الملك «سلمان» مؤخرا ليؤكد مجددا التزام السعودية بالقضية الفلسطينية ووضع القدس. وعلى جبهة اليمن، لم تفلح العملية التي قادتها السعودية لدعم حكومة «هادي» المعترف بها دوليا في بلوغ هدف الانتقال السياسي، كما أدت أيضا إلى إدانة دولية كبيرة لمقتل المدنيين والكوارث الإنسانية التي تسببت بها الحملة العسكرية. وبعد 3 أعوام من الحرب، فإن امتداد الصراع إلى عمق الأراضي السعودية، مع الهجمات الصاروخية المستمرة من اليمن، فضلا عن الأنباء الأخيرة حول الاختلافات المتزايدة مع الإمارات حول الأهداف الانتقالية، تشير إلى المزيد من المشاكل للأهداف الأمنية السعودية في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول مدى استدامة برنامج الإصلاح الذي دفع به «بن سلمان»، ونشاط السياسة الخارجية في واشنطن، الأمر الذي أدى إلى مزيد من تشويه سمعة الولايات المتحدة في المنطقة.

الحل
تبدو التناقضات المتأصلة في السياسات السعودية لدعم الاستقرار المحلي والإقليمي واحدة من التحديات الرئيسية أمام النظام الخليجي المعاصر. وفي حين أثبت السعوديون نجاحهم في وقف التغيير خلال الربيع العربي، حتى لو كان ذلك بتكلفة باهظة، فإن التحول الذي يقوده «بن سلمان» لدفع الإصلاح في الداخل قد يكون هو «صندوق باندورا» الإقليمي. وما زالت معظم المشاكل الهيكلية في المنطقة تتفاقم في خلفية المشهد، لذا، فإن الجهود السعودية للإصلاح قد تؤدي عن غير قصد إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي.
ويرجع ذلك جزئيا إلى أن قدرة القيادة السعودية على امتلاك وإدامة الإصلاح تبدو مشكوك بها في أحسن الأحوال. ومع ذلك، يبدو السعوديون أكثر جرأة لاستمرار نشاط السياسة الخارجية الجديد، الذي يعتمد مرة أخرى على الركائز الهشة للقيادة الأمريكية، والطائفية المناهضة لإيران، والتحالف مع الجهات الإقليمية المؤيدة للغرب، بما في ذلك (إسرائيل). وبدون توافق في الآراء، ولا سيما بين مشيخات الخليج، حول النظام الإقليمي، فإن تكرار الأزمات أمر حتمي، ومن المرجح أن تكون قدرة دول الخليج على الابتعاد عن النزاعات الإقليمية مجرد وهم.
وتعد التصدعات في وحدة الخليج سببا كافيا لإعادة التفكير في النهج الحالي للقيادة السعودية، حيث تختلف البلدان الإقليمية والإسلامية حول الصراعات الجارية في المنطقة، من سوريا إلى اليمن. وقد تحول التنافس بين الإمارات وقطر على السيادة إلى نكسة كبيرة لاستقرار الخليج، وتؤكد أزمة الخليج في حد ذاتها على الحاجة إلى إيجاد أرضية مشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي. وحتى إمكانية «السلام البارد» القسري الذي تمارسه الولايات المتحدة لا يمكن أن يحقق العمل المشترك الذي تشتد الحاجة إليه بين دول الخليج. وسيكون للمواجهة التي تلوح في الأفق مع إيران عواقب وخيمة على أمن الخليج في كل السيناريوهات الـ3 المحتملة، اكتمال القنبلة النووية الإيرانية، أو الحرب الإقليمية، أو تغيير النظام في إيران.
إضافة إلى ذلك، يجب على النظام الإقليمي أن يستوعب التطلعات المتزايدة للأمن والرفاهية والكرامة من قبل الشعوب وفي ذلك، فإن استبعاد إيران أو التيارات الإسلامية يعد أمرا غير مقبول. وبدلا من ذلك، فإن النظام الإقليمي الأكثر شمولا سوف يحتاج إلى الدعوة إلى التعددية السياسية والاعتدال، وتوفير مساحة كافية لدمج المظالم السياسية في السياسة العربية الجديدة بهدف عزل القوى الأكثر تشددا والتي تهدف إلى تقويض هذه السياسة بشكل كلي.

المصدر | ناشونال إنترست