العراق ودول الخليج.. هل تنجح الشراكة المستحيلة؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 644
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير أسامة محمد - الخليج الجديد
 في الأشهر الأخيرة، ظهرت علامات على أننا قد نشهد إحياء دور العراق الضائع كلاعب إقليمي قوي، سواء في منطقة الخليج أو في العالم العربي الكبير. ومع ذلك، فإن عودة بغداد إلى هذا الدور تواجه العديد من التحديات الاقتصادية والأمنية الهائلة التي نتجت عن ثلاث حروب حدثت خلال العقود الأربعة الماضية في العراق.
وتركت هذه الصراعات للدولة الغنية بالنفط بنية تحتية مدمرة ودولة مفككة، وهما عاملان ساهما في ظهور العراق كمنصة مفتوحة للتنافس الإقليمي والدولي.
ومع ذلك فإن هناك تطورين رئيسيين وقعا في عام 2018 أشارا إلى أن العراق يتجه لتبني سياسة خارجية مستقلة عن السياسات التي تمليها الولايات المتحدة أو إيران والتي اتبعها العراق منذ عام 2003.
كان التطور الأول هو إعلان انتصار العراق على تنظيم "الدولة"، والثاني هو إحياء هوية وطنية عراقية تتميز برفض الطائفية والتدخل الأجنبي، وهي الهوية التي تعطلت بسبب الغزو الأمريكي.
وقد ثبتت هذه العودة هي الأخرى بعاملين.. أولاً، تسببت نتيجة الانتخابات الأخيرة في ظهور كتلة تعد بمحاربة السياسيين الفاسدين والتدخل الإيراني أو الأمريكي في العراق.
ثانياً، نددت الاحتجاجات الضخمة في جميع أنحاء العراق بالطائفية والسياسيين الفاسدين، وأدت إلى شن هجمات على مقرات مراكز الأحزاب المدعومة من إيران والتي كانت رمزا للفساد والتدخل الأجنبي.
في الوقت نفسه، تسارع التقارب العراقي تجاه العديد مع دول مجلس التعاون الخليجي بعد عقود من العداء الصريح أو العلاقات الباردة وذلك بفعل الحاجة الاقتصادية.
وفي حين أن حاجة العراق إلى الدعم الأمني ​​والدفاعي من واشنطن وطهران كانت عائقًا أمام بغداد لممارسة سيادتها بالكامل، فإن الزيادة الهائلة في التنافس بين دول الخليج وتخفيض تدخل الولايات المتحدة تثير احتمالات أن بغداد ستتمكن من التوسع بتأثيرها الإقليمي.
من أجل القيام بذلك، يمكن للعراق المساومة على شراكات استراتيجية في مقابل الأمن الداخلي أو المكاسب الاقتصادية.

أوراق بغداد
منذ تولي رئيس الوزراء العراقي "عادل عبدالمهدي" السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، بدأت العديد من دول الخليج في الضغط من أجل تعزيز العلاقات مع بغداد.
وبعد ستة أشهر من تشكيل حكومته، تطور هذا الأمر ليصبح سباقا شاملا تجاه العراق، وهي دولة ظلت لفترة طويلة معزولة عن معظم دول الخليج المجاورة.
وبين نوفمبر/تشرين الثاني 2018 وأبريل/نيسان 2019، قام 8 وفود على الأقل من إيران والكويت والسعودية وقطر بزيارة بغداد وإربيل.
في نفس الفترة، قام المسؤولون العراقيون بزيارة واحدة على الأقل لكل من جيران الخليج الأربعة.
اقتربت هذه الدول من الحكومة العراقية الجديدة بعروض سخية للتعاون في مجال التجارة والنقل والطاقة، وهي محاولات واضحة لإقامة شراكة استراتيجية مع العراق.
ومع ذلك، في هذا المناخ الذي يزداد فيه التوتر بين إيران من جانب، ومنافسيها الإمارات والسعودية من ناحية أخرى، كان على الحكومة العراقية الجديدة أن تضع معايير جديدة للتعامل مع العلاقات الثنائية مع جيرانها.
وبما أن العراق هو الديمقراطية الوحيدة في منطقة الخليج، حيث يمكن للناخبين إنهاء مهنة أي سياسي لا يحقق نتائج ملموسة، فإن الحكومة الجديدة تبدو مصرة على توجيه سياستها الخارجية لخدمة اقتصاد البلاد وأمنها.
وقد دفعت هذه الحقيقة رئيس الوزراء "عادل عبدالمهدي" والرئيس "برهم صالح" إلى اتباع سياسة تنأى ببغداد عن العداء المتزايد في المنطقة.
في الوقت نفسه، ربما تكون الحكومة الجديدة مصممة على الحفاظ على الحياد نتيجة لضغوط من العراقيين الذين ينظرون إلى أي تدخل أجنبي في العراق على أنه محاولة لتقويض اقتصاد البلاد أو إحياء الطائفية التي أضعفت تاريخيا ما كان يوما واحدا ما من أغنى دول العالم.
وقد أجبرت هذه العوامل جنبا إلى جنب مع حاجة العراق لجيرانه الحكومة الجديدة على تقديم سياسة تتعامل مع جميع الأطراف.
وأصبحت هذه الاستراتيجية محورية للحكومة الجديدة لمنع الاضطرابات الداخلية الإضافية.
ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة في الخريف الماضي، حدد الرئيس العراقي بوضوح السياسة الخارجية لبلاده بأنها "العراق أولاً"، وذلك بسبب حقيقة أن استقرار البلاد في المستقبل يتطلب أن تمتنع عن الانخراط في التوتر الإقليمي.
ومع ذلك، قد يكون لدى العراق فرصة نادرة لاستخدام الظروف الحالية لصالحه، على سبيل المثال، يمكن الاستفادة من انخفاض صادرات النفط الإيراني نتيجة للعقوبات الأمريكية من قبل الحكومة الجديدة لزيادة حصتها في إنتاج النفط في اجتماع "أوبك" القادم، حيث من المتوقع أن تنتهي تخفيضات الإنتاج المطبقة حاليًا.
يأتي هذا في وقت يضع فيه العراق (ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك) خططًا لزيادة طاقته الإنتاجية من النفط إلى 5 ملايين برميل يوميا.
ومن شأن زيادة الإنتاج أن تساعد اقتصاد البلاد وتمكن بغداد من التأثير على حصص إنتاج "أوبك"، وهو مؤشر سيطرت عليه السعودية مؤخراً بفضل قدرتها الإنتاجية البالغة 11 مليون برميل في اليوم.
ومع ذلك، فإن الوضع العام في المنطقة يمثل تحديًا لمهندسي السياسة الخارجية للعراق، حيث تتسابق كل من طهران وبعض دول مجلس التعاون الخليجي على النفوذ في بلادهم، لكن ذلك يمنح العراق بطاقات للعب على كلا الجانبين.
مع إيران، يدرك العراق أن نفوذ طهران على وحدات الحشد الشعبي في العراق يمكن أن يستخدم كرافعة لرعاية مصالح طهران في قطاعي التجارة والطاقة من أجل التخفيف من تأثير العقوبات الأمريكية على الاقتصاد الإيراني.
وعلى العكس من ذلك، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الغنية التي تأمل في خفض نفوذ إيران على بغداد ستواجه الجمهورية الإسلامية من خلال الاستثمار في البلاد، وهي فائدة متبادلة للعراق الذي يسعى لتوسيع شركائه التجاريين في منطقة الخليج وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ومع ذلك، ستظل الحكومة العراقية حذرة على الأرجح من دور بعض دول مجلس التعاون الخليجي، لأنها تدرك أن تدخل بغداد في التوتر السعودي الإيراني المستمر قد يجر العراق عن غير قصد إلى صراع آخر.
لذلك، ربما يكون أفضل نهج لدول مجلس التعاون الخليجي هو الاستثمار في علاقاتها مع العراق كدولة خليجية غنية رئيسية، بدلاً من تصميم علاقاتها الخارجية مع بغداد على أساس محاربة نفوذ إيران.

شراكة استراتيجية
بدأت أولى علامات التقارب بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق في عام 2017 عندما زار مسؤولون من قطر والسعودية بغداد واستقبلوا مسؤولين عراقيين في الدوحة والرياض، وكانت نقطة التحول هي افتتاح لجنة التنسيق السعودية العراقية، واللجنة القطرية العراقية العليا، مما رفع مستوى التنسيق وسهل الاتفاقات الثنائية.
علاوة على ذلك، تعاملت السعودية بهدوء ملحوظ خلال الخلاف الدبلوماسي الأخير بين العراق والبحرين حول التغريدات التي دعا فيها "مقتدى الصدر" (رجل الدين المؤثر ورئيس الكتلة البرلمانية الأكبر في العراق) إلى إزالة الملك البحريني من منصبه، حيث بدت الرياض مصممة على حماية علاقاتها المستعادة مع بغداد رغم تأكيدها على رفض التدخل في سيادة البحرين.
واحتضنت السعودية "مقتدي الصدر" عندما التقى مع ولي العهد الأمير "محمد بن سلمان" في جدة في يوليو/تموز 2017. وبعد أسبوعين من هذا الاجتماع، أعلنت المملكة العربية السعودية إعادة فتح الحدود السعودية العراقية التي ظلت مغلقة سنوات منذ حرب الخليج الأولى.
وفي نفس العام، قام نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري بأكثر من زيارة لبغداد وأعلن عن خطط للاستثمار القطري وتمويل خطط إعادة الإعمار باهظة الثمن في العراق.
وفي فبراير/شباط 2018، أي بعد شهرين من إعلان العراق انتصاره على مقاتلي تنظيم "الدولة"، تعهدت أربع دول خليجية (الكويت والسعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة) في مؤتمر دولي عقدته الكويت، تعهدت بتقديم مبلغ 5 مليارات دولار لتمويل عملية إعادة إعمار العراق، وهي أعلى تعهدات بعد تركيا والولايات المتحدة.
وبينما يكمن الهدف الرئيس وراء تقارب السعودية مع العراق في رغبة المملكة في محاربة نفوذ إيران في العراق، إلا أن قطر ربما تنظر إلى اتفاقياتها الثنائية مع العراق كشراكة استراتيجية مع قوة صاعدة جديدة في منطقة الخليج قد تعوض عن الوفاة السريرية لمجلس التعاون الخليجي.
من ناحية أخرى، تنظر الكويت إلى استقرار العراق بشكل أساسي من خلال عدسة الأمن القومي. وكان هذا واضحًا خلال المظاهرات الحاشدة في المحافظات الوسطى والجنوبية من العراق بالقرب من الحدود الكويتية عندما أرسلت الكويت وفودًا وقدمت كل الدعم اللازم لإنهاء المشكلات الاقتصادية والمتعلقة بالطاقة التي أدت إلى المظاهرات.
وبطبيعة الحال، ينبع هذا الاهتمام من حقيقة أن أي فوضى في جنوب العراق يمكن أن تؤدي إلى موجة من اللاجئين وغيرها من نقاط الضعف الأمنية التي تؤثر على أمن الكويت الوطني.
ودفعت هذه العوامل وغيرها الكويت إلى تقديم أعلى تعهدات بين دول مجلس التعاون الخليجي لصندوق إعادة إعمار العراق، فضلا عن دورها في حل أزمات الكهرباء في العراق وتعهدها بإنشاء منطقة تجارة حرة.
وتستمر اتفاقات التجارة والنقل والطاقة في قيادة قاطرة التحسن في العلاقات الدبلوماسية بين العراق والعديد من دول مجلس التعاون الخليجي خلال عامي 2018 و 2019.
ومنذ تشكيل الحكومة الجديدة، وقع العراق على العديد من الاتفاقيات المتعلقة بالكهرباء ومحطات الطاقة والنقل والتجارة مع الكويت والسعودية وقطر، وهي إشارة إلى أن بغداد تحاول خفض اعتمادها على طهران.
وعلى الرغم من أن الخطوات الأخيرة تعد تقدما في علاقات دول الخليج العربية مع العراق، إلا أن إيران لا تزال لديها العديد من أدوات النفوذ وقد تثبت استعدادها لمحاربة أي قوة جديدة تتحدى نفوذها في العراق.

وكان هذا التأثير واضحًا للغاية عندما قطعت إيران الطاقة عن العراق بسبب تأخر المدفوعات، حيث تسببت هذه الانقطاعات في حدوث أكبر موجة من الاضطرابات والمظاهرات التي شهدها العراق منذ الإطاحة بـ"صدام حسين".
بالإضافة إلى ذلك، على الرغم من محاولات دولة الخليج العربي بدء فصل جديد من العلاقات مع بغداد من خلال تعزيز التمثيل الدبلوماسي، لا يزال أمام تلك الدول طريق طويل لتقديم أنفسهم كشركاء اقتصاديين أو دول يمكن للعراق الاعتماد عليها في مجال الطاقة.
وفي الوقت نفسه، تعد إيران، باعتبارها ثاني أكبر شريك تجاري لبغداد، قوة راسخة في العراق بينما يخطط البلدان يخطط لزيادة التجارة الثنائية من 12 مليار دولار إلى 20 مليار دولار.
وألغت بغداد وطهران مؤخرًا رسوم تأشيرة الدخول بين البلدين، على النقيض من دول مجلس التعاون الخليجي التي لا تزال تطلب من العراقيين الحصول على تأشيرة دخول يصعب الحصول عليها.
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن أن يتنافس حجم التجارة بين العراق ودول مجلس التعاون الخليجي مع أرقام التجارة بين إيران والعراق.
وفيما يتعلق بالقوة الناعمة، فإن بعض دول مجلس التعاون الخليجي غير قادرة على التنافس على النفوذ في ظل هيمنة الأغلبية الشيعية على الطيف الاجتماعي والسياسي للعراق.
وبالنسبة للكثيرين، فإن نظرة العراقيين الحذرة تجاه نفوذ دول مجلس التعاون الخليجي ترجع إلى نفوذ علماء الدين الوهابيين في دول مجلس التعاون الخليجي الذين يصعدون من خطاب الكراهية ضد المسلمين الشيعة.
ويعني ذلك أن أي حكومة عراقية تنفذ أجندة يمكن اعتبارها تجر العراق إلى الصراع الطائفي السني الشيعي الذي يغذيه التوتر السعودي الإيراني سوف تواجه معارضة كبيرة.
وعلى الرغم من كل هذه التحديات، فإن لدى دول مجلس التعاون الخليجي فرصة كبيرة في أن يصبح شريكا استراتيجيا للعراق إذا ما نظرت بغداد إلى الأنر على أنه شراكة مفيدة لاقتصادها وأمنها لن تضع العراق كعضو في أجندة إقليمية تضر بأمنه الهش واقتصاده.
وقد ظهر هذا الأمر مع إعلان المسؤولين العراقيين لسياسة بغداد الخارجية كسياسة تعتمد على التعاون مع محيطها العربي والامتناع عن الانخراط في التوترات الإقليمية.
وأرسلت بغداد إشارة واضحة على سعيها إلى إحياء دورها داخل الخليج العربي والدول المجاورة عندما استضافت اجتماعًا لرؤساء برلمانات الدول المجاورة شمل كل من تركيا وسوريا وإيران والمملكة العربية السعودية.
وأظهر الاجتماع اهتمام كل من جيران العراق بدعوة بغداد عن طريق قبول دعوة لحضور اجتماع بدا مستحيلًا تقريبًا.
وامتدادا لهذا النهج نفسه، وسعت بغداد خطط الشراكة لتشمل الأردن ومصر عبر قمة ثلاثية مع العاهل الأردني والرئيس المصري، وهي خطوة يمكن أن تضع العراق على خريطة العالم العربي كدولة قوية وموثوق بها حليف.
كما يظهر التوازن الدقيق والحياد في العراق خلال أزمة الخليج، فالعراق يشعر بأنه بحاجة إلى مساعدة من كلا الجانبين إذا كان يريد إنعاش اقتصاده وتنفيذ خطة إعادة الإعمار.
ولكن على الرغم من هذا الحياد المعلن، رأى بعض المراقبين أن زيارة رئيس البرلمان العراقي آنذاك "سالم الجبوري" إلى الدوحة كانت بمثابة عرض رمزي لدعم لقطر.
وختاما، يمكن للعراق فقط أن يكون قادرًا على القيام بدور قيادي في المنطقة عندما تضمن الدولة الاستقرار والنمو الاقتصادي.
حتى ذلك الحين ستبقى سياستها الخارجية رهينة للقوى والتوترات الإقليمية التي تحاول الاستفادة من احتياجات العراق الاقتصادية والأمنية لخدمة مصالحها الخاصة.
وبما أنه من المتوقع أن تواصل كل من إيران والمملكة العربية السعودية محاولاتهما لجذب العراق إلى توتراتهما الثنائية، يجب على العراق أن يستغل هذه الفرصة لتلبية احتياجاته بشكل مستدام.
وبالنسبة لبقية دول الخليج العربي، فإن أفضل طريقة للعمل في العراق هي تفهم حاجة البلاد لموازنة علاقاتها الثنائية مع كل جيرانها العرب لجني المكاسب الاقتصادية.
وتبقى الحقيقة أن وجود اقتصاد عراقي قوي وتمكين مؤسسات الدولة في بغداد هي أمور تصب في صالح دول الخليج العربي والولايات المتحدة وتسهم في تخفيض تأثير إيران، خاصة مع مؤشرات الانتخابات الأخيرة التي تخبرنا أن الشكوك العراقية المتزايدة تجاه إيران تأتي من الشعب العراقي نفسه، وليس من أي طرف خارجي.

المصدر | منتدى الخليج الدولي