الولايات المتحدة تهدر مليارات الدولارات على الجيوش العربية الفاشلة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 184
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

كنيث بولاك
باحث مقيم في معهد أميركان إنتربرايز
 تجري قوات الكوماندوز التابعة للجيش المصري تدريبات قتالية في معسكرهم في مكان ما في الصحراء السعودية في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1990.
ترجمة وتحرير: نون بوست
أمضت الولايات المتحدة 70 عامًا وأنفقت عشرات الملايين من الدولارات في تدريب الجيوش العربية دون وجود أي مبرر تقريبا لبذل كل هذا الجهد. وفي الواقع، فشل حلفاء الولايات المتحدة العرب مراراً وتكراراً في تحقيق التوقعات العسكرية. وكان مردود القوات المسلحة المصرية المدربة في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1991 خلال عملية عاصفة الصحراء فاشلا. وقد تحسن أداءهم بشكل أفضل في ظل الوصاية السوفيتية خلال حرب أكتوبر سنة 1973.
علاوة على ذلك، انهار الجيش العراقي المدرّب من قبل الولايات المتحدة عندما هاجمه بضعة آلاف من المتطرفين من تنظيم الدولة سنة 2014. وقد فشل الجيش السعودي المدرّب من قبل الولايات المتحدة أيضا عندما تدخل في اليمن سنة 2015، ووجد نفسه عالقا فيها.
لذلك، إذا كانت الولايات المتحدة تريد الاستمرار في المشاركة في الشرق الأوسط، فعليها أن تعيد التفكير في الطريقة التي تتعامل بها مع الجيوش العربية. يجب تغيير الأحلام الطموحة للجيوش الحاضرة والمحدثة بخطط أكثر واقعية تعتمد على نقاط القوة الحقيقية للحلفاء، بدلاً من إجبار الجنود على التفكير في أن مجتمعاتهم وثقافاتهم قد جعلتهم لا طائل منهم. وإلا فإن واشنطن ستستمر في ضخ الأموال دون أي جدوى وسيواصل حلفاؤها العرب في الفشل. وفي جميع الأحوال، يضعهم هذا الأمر في موقف محرج للغاية.
لعقود، كان التدريب العسكري الأمريكي عنصراً حاسماً في التحالفات مع الحلفاء في الشرق الأوسط، المصمم لإظهار الالتزام بأمنهم ومنحهم شعورا بالقدرة على طلب المساعدة من الولايات المتحدة لحماية بلدانهم. وخلال السنوات الأخيرة، بدأ الأمريكيون يتطلعون إلى الخروج من الشرق الأوسط. لكن، لا يريد إلا قلة من العرب أن يبتعدوا عنهم، خشية من تتسلل إيران أو حزب الله أو تنظيم الدولة أو القاعدة أو غيرهم من أعداء الولايات المتحدة عندما تغادر الولايات المتحدة المنطقة.
نظرا لأن المصريين لا يسجلون مهماتهم أو استفسارتهم، التي تنتقد أدائهم، كما أن لا أحد على المستوى التشغيلي يريد أن يقر بأن تكتيكاتهم انتحارية وتدريبهم لا طائل منه، أصبحت كل هذه الممارسات عناصر مؤسسية لتدريب القوات الجوية المصرية.
في عالم مثالي، ستخلف الولايات المتحدة وراءها حلفاء عرب أقوياء، قادرين على الدفاع عن أنفسهم من أعدائهم المشتركين. لكن في الوقت الحاضر، يبدو هذا أمرا بعيد المنال ولن يستطيعوا تحقيق ما حققوه عندما بدأوا بتدريب القوات المسلحة العربية في الخمسينات.
من جانب الولايات المتحدة، كان الجهد المبذول لتدريب الجيوش العربية يتسم بالإخلاص والإصرار، ولكن أيضا، محكوم عليه بالفشل. لعقود، حاولت القوات الجوية الأمريكية تدريب القوات الجوية المصرية لاستعمال طائرة أف-16. ومع ذلك، في القرن الحادي والعشرين، أصبح نمط الهجوم الذي تتبعه القوات الجوية المصرية يقوم على جعل طائرتين تقتربان في وقت متزامن من الهدف من جهتين، متخذة مسارا تصادميا. وبالتالي، وحتى في التدريبات، يجب على طائرة واحدة من كل جهة أن تنحرف في اللحظة الأخيرة لتجنب حدوث اصطدام في الجو، مما يجعل قنابل الطيارين بعيدة عن الهدف.
نظرا لأن المصريين لا يسجلون مهماتهم أو استفسارتهم، التي تنتقد أدائهم، كما أن لا أحد على المستوى التشغيلي يريد أن يقر بأن تكتيكاتهم انتحارية وتدريبهم لا طائل منه، أصبحت كل هذه الممارسات عناصر مؤسسية لتدريب القوات الجوية المصرية. وقد أكد الطيارون الأمريكيون شعورهم الدائم بالإحباط في محاولة إقناع القوات الجوية المصرية بأن حلول مدرستهم ليست خاطئة فحسب، بل قد تكون مميتة.
في هذا الصدد، صرح أحد الطيارين الأمريكيين الذي تدرب مع القوات المسلحة أنه من "الجيد" عدم استخدام المصريين الذخائر الحية؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك، فإنهم سيفقدون الكثير من طائراتهم وطياريهم في هذه التكتيكات السخيفة والممارسات المُحرفة التي يعتمدونها في التدريب.
كان الطيارون المصريون والخطباء الذين شاركوا في ابتكار هذه الممارسة السخيفة أسرى لسلسلة من المشاكل التي طاردت الجيوش العربية في العصر الحديث والتي نمت من رحم المجتمع العربي المعاصر نفسه.
لم يتطور العالم العربي أبدا على المستوى الصناعي، ويعني هذا التخلف النسبي أن العديد من العرب جاءوا إلى الجيش دون فهم عميق للآلات المتقدمة
في الواقع، إن العلاقات المدنية-العسكرية المشحونة في العالم العربي تدل على أن العديد من الحكام العرب خائفون جداً من أن يتم الإطاحة بهم من قبل بالجنرالات الطموحين. لذلك، يعمدون إلى عرقلة القوات المسلحة لإبقائهم ضعفاء. وكلما حدث ذلك، نتج عنه ضعف على مستوى القيادة الاستراتيجية والاتصالات، وفي بعض الأحيان، تدهور المعنوي وتراجع تماسك القوات المسلحة.
عموما، لم يتطور العالم العربي أبدا على المستوى الصناعي، ويعني هذا التخلف النسبي أن العديد من العرب جاءوا إلى الجيش دون فهم عميق للآلات المتقدمة. ونتيجة لذلك، غالباً ما أخفق العرب في استغلال الإمكانات الكاملة في أسلحتهم وفشلوا في الحفاظ عليها. نتيجة لذلك، تضاءل العدد الحقيقي للدبابات والطائرات والمدفعيات التي يمتلكونها مقارنة بعددها عند شرائها.
لكن، يتمثل العامل الأكثر أهمية في جعل الممارسات التربوية الثقافية العربية لأفرادها سلبيين وفي مستويات أدنى من أي تسلسل هرمي ويتلاعبون بالمعلومات لتجنب اللوم. وفي المعارك الحديثة- حيث الفرق بين النصر والهزيمة غالبًا ما يكون عدوانيًا، ويكون صغار الضباط المبتكرين قادرين على الاستجابة لظروف غير متوقعة والاستفادة من الفرص العابرة- تبيّن مرارًا وتكرارًا أن هذه النزعة وهذه التوجهات مدمرة.
في الأثناء، يمكن لأجيال من العسكريين الأمريكيين الذين ذهبوا إلى الشرق الأوسط لمحاولة تعليم أحد الجيوش العربية القتال، مثل القوات المسلحة الأمريكية، أن يشهدوا على مواجهتهم المتكررة لهذه المشاكل. ولقد عايشت شخصياً فترة شعورهم بالإحباط خلال التدريبات التي امتدت من دلتا النيل إلى وديان نهر بلاد الرافدين. ولأن المشاكل التي كانوا يحاولون إصلاحها نابعة من هذه العوامل المجتمعية، فقد سمعت نفس الشكاوى مراراً وتكراراً، من بلد إلى آخر ومن عقد إلى آخر.
في الحقيقة، اعترى الروس نفس الشعور بالإحباط لأنهم واجهوا نفس القضايا المستمدة من المجتمع العربي على نطاق واسع. على سبيل المثال، في الفترة التي سبقت حرب أكتوبر، اعتمد المصريون على التكتيكات السوفيتية إلى حد أكبر، أكثر من أي وقت مضى. في ذلك الوقت، كانت العقيدة السوفيتية تقوم على أن يحدد قائد فصيلة الدبابات هدفًا واحدًا، حيث يشرع الفصيل بأكمله (ثلاث دبابات، بما في ذلك قائدها) في الهجوم حتى يتم تدمير الهدف، ثم يقوم القائد بتعيين هدف جديد.
على الرغم من هذا التاريخ الحافل بالفشل السوفيتي والأمريكي، فقد كان من الممكن تحسين الأداء القتالي للجيوش العربية، ولكن الأمر صعب للغاية
توصل السوفيت إلى أنه على ضوء المهارات المدفعية لطواقمها، فإن الأمر يتطلب عادة ثلاث هجمات من الفصيلة (أو تسع طلقات) لقتل دبابة العدو. وبدلاً من رؤية هذا كدليل عام للتخطيط، حوله المصريون إلى قاعدة صارمة وعلّموا جميع فصائلهم إطلاق ثلاث قذائف على الهدف المحدد ثم الانتقال إلى الهدف التالي.
في المقابل، تبين أن مدفعية الدبابات المصرية كانت أفقر بكثير من السوفيتية. ونتيجة لذلك، خلال حرب أكتوبر، لم تصب الطلقات التي أطلقت من الصفوف الثلاث لفرقة الدبابات المصرية دبابة العدو الإسرائيلي التي استهدفتها، في كثير من الأحيان.
مع ذلك، ولأن المصريين تلقوا تعليمات صارمة بأن يطلقوا ثلاث طلقات ثم الانتقال للهدف الثاني، فإنهم سيحولون نيرانهم إلى الهدف التالي على الرغم من أنهم لم يدمروا الهدف الأول. وبهذه الطريقة، جعل المصريون مستشاريهم الروس يبذلون جهودا أخرى لإقناعهم بعدم اتخاذ ارشاداتهم بمثابة قوانين صارمة غير قابلة للخرق. وهي أيضا من بين الأسباب الكثيرة التي جعلت المصريين يخسرون الكثير من المعارك التي انتهت لصالح الدبابات الإسرائيلية سنة 1973.
على الرغم من هذا التاريخ الحافل بالفشل السوفيتي والأمريكي، فقد كان من الممكن تحسين الأداء القتالي للجيوش العربية، ولكن الأمر صعب للغاية. في الحقيقة، يتطلب ذلك جهدا كبيرا من أجل تحسين هيكلة القوات نفسها والعمليات التي ستقوم بها، وقد أثبت أنه من الصعب للغاية مساعدتهم على اكتساب أكثر من قدرات متواضعة، حتى مع بذل الكثير من الجهد.
من جانب آخر، كان أحد أكثر الأساليب نجاحًا هو إبقاء النخب صغيرة الحجم، وتجنيد نسبة عالية، بشكل غير معتاد، من الجنود والضباط ذوي المهارات غير الثقافية المنتظمة. كما أن ميزة الاعتماد على تشكيلات النخبة الصغيرة تعني السماح للجيش باختيار أفضل الجنود والضباط من القوة الأوسع وتركيزهم حيث يمكن أن يكون لهم الأثر الأكبر.
ذا هو النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة في العراق سنة 2014، حيث استثمرت بكثافة في نخبة القوات الخاصة العراقية، مما ساعد العراقيين على تحديد (ثم تدريب) أفضل الأشخاص، ونقلهم إلى القوات الخاصة العراقية، و ثم استغلال تلك القوة لقيادة كل حرب عراقية ضد تنظيم الدولة
في الحقيقة، لا تعد الميولات الثقافية سوى عناصر يتجمع حولها الأفراد ويتفرقون. وبعبارة أخرى، لا يثق كل جندي أو ضابط عربي بهذه التوجهات نفسها بنفس القدر. فكلما زادت قدرة أولئك الذين يتمتعون بالمهارات والقدرات الصحيحة وتم تركيزهم في تكوينات النخبة، كلما كان من المرجح أن تكون تلك التشكيلات الأكثر قدرة.
عموما، هذا هو النهج الذي اتبعته الولايات المتحدة في العراق سنة 2014، حيث استثمرت بكثافة في نخبة القوات الخاصة العراقية، مما ساعد العراقيين على تحديد (ثم تدريب) أفضل الأشخاص، ونقلهم إلى القوات الخاصة العراقية، و ثم استغلال تلك القوة لقيادة كل حرب عراقية ضد تنظيم الدولة.
في المقابل، يعد النهج المعتمد من قبل قوات النخبة محدود ويصعب الحفاظ عليه. وقد يكون النهج البديل الذي قد تستخدمه الولايات المتحدة في ظروف أخرى هو تشجيع الجيوش العربية على التركيز على القيام بما يتقنونه بشكل جيد وتجنب مناطق الحرب، لأن القيود الاجتماعية تجعل من المهمة صعبة أو مستحيلة.
بشكل عام، تنفذ الجيوش العربية عمليات هجومية مدروسة ومدرّبة جيداً أو عمليات دفاعية ثابتة، وغالباً ما تقاتل بشجاعة استثنائية. ولكنهم يقدمون أداءً سيئًا في حروب المناورة، والعمليات المخصصة، وحرب الجمع بين الأسلحة، وعمليات جو-جو وجو-أرض (خاصة عندما لا يمكن الاعتماد على الذخائر الموجهة بدقة للقيام بمعظم العمل). وعموما، يجب أن تترك أي مهمة تتطلب إدارة معلومات بطريقة مرنة ودقيقة للقوات الغربية الأكثر قدرة.
على مستوى أعمق وأكثر صعوبة، كلما زادت قدرة الولايات المتحدة على التأثير في تعليم الجنود والضباط العرب في سن مبكرة، كلما زاد احتمال وجود أعداد أكبر من الأشخاص الذين يتمتعون بالمهارات المناسبة
من ناحية أخرى، استخدمت الولايات المتحدة هذا النهج إلى حد ما في الحرب ضد تنظيم الدولة أيضًا، معتمدة على القوة الجوية للتحالف والقوات الخاصة للقيام بأكبر قدر ممكن من الاستكشاف والقتل لتقليل المطالب على قوات الأمن العراقية. إلا أن أفضل مثال على ذلك هو الطريقة التي حاولت بها الولايات المتحدة بناء العمليات العربية كجزء من عملية عاصفة الصحراء. وهناك، كانت تشكيلات الجيش الأمريكي والبحرية المؤهلة وذات القدرات مسؤولة عن الهجوم التحويلي الرئيسي في الكويت والمناورة العظيمة ("الخطاف الأيسر")، في حين طُلب من الحلفاء العرب فقط تغطية الأجنحة الأمريكية من الاعتداءات.
في الحقيقة، كلما أتيحت الفرصة للولايات المتحدة الأمريكية، اعتمد طرقا أخرى لتطوير الجيوش العربية. وإلى الحد الذي تستطيع فيه الولايات المتحدة التأثير على ترقيات الضباط وتفويضات القيادة- مثلما فعلت في العراق خلال الفترات 2006-2010 و2014-2017- لم تتردد على ذلك للحد من تأثير التسييس وتمكين القادة الذين لديهم مهارات ضرورية للغاية والتي تكون مهارات غير ثقافية منتظمة.
على مستوى أعمق وأكثر صعوبة، كلما زادت قدرة الولايات المتحدة على التأثير في تعليم الجنود والضباط العرب في سن مبكرة، كلما زاد احتمال وجود أعداد أكبر من الأشخاص الذين يتمتعون بالمهارات المناسبة. في الواقع، لا أحد يولد مع الميول الثقافية. الثقافة هي سلوك مكتسب، وكلما تغيّرت العمليات التعليمية العربية من التركيز الاستبدادي على الحفظ والاستظهار على نحو روتيني (بدلاً من خلقه)، كلما زاد تنشئة وتكوين رجال ونساء ذوي مهارات لازمة تمكنهم من البقاء على قيد الحياة والازدهار في ساحة المعركة الحديثة.
عموما، لم يكن فشل الولايات المتحدة في تحسين الجيوش العربية الوحيد أو خطئا أمريكيا. لكن، كان يجب على الولايات المتحدة أن تتعلم منذ فترة طويلة أن محاولة جعل القوات العربية نسخة كربونية من جنود المارينز لن تنجح.
في الأثناء، بدلاً من أن يحاول الأمريكيون إجبار القادة العسكريين العرب على قيادة جيوشهم بطريقتهم، عليهم أن يبحثوا عن طرق لمساعدتهم على تنفيذ مهامهم ولكن بشكل أفضل. في المقابل، لن تصل الجيوش العربية إلى مستويات فعالية الولايات المتحدة بهذه الطريقة. لكن مرة أخرى، محاولة إجبارهم على التفكير والتصرف مثل الأمريكيين لم تنجح حتى الآن وربما لن تحقق ذلك.
على المدى الطويل، قد تكون الصورة مختلفة جدًا، حيث يتغير المجتمع العربي بشكل كبير؛ سياسيا واقتصاديا وثقافيا، نظرا لموجة الثورات التي شهدها خلال سنة 2011، والأمر سيان بالنسبة للحروب. يوما ما، قد يكون المجتمع العربي الجديد منسجمًا بشكل أفضل مع أي متطلبات تفرضها حروب المستقبل. وعندما يحدث ذلك، ربما لن يحتاج الأمريكيون لتدريب جيوشهم وربما سيقومون بتدريب الأمريكيين.

المصدر: فورين بوليسي