لماذا تتطلع السعودية إلى شراكة أقوى مع الهند؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 612
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 كان وصول وفد هندي إلى الرياض، في نوفمبر/تشرين الثاني 2018، لاستكشاف فرص الاستثمار المرتبطة بالمشاريع العملاقة في المملكة العربية السعودية، إيذانا بتسليط الضوء على العلاقة الاقتصادية بين السعودية والهند، التي غالبا ما يتم تجاهلها. وتخفي أرقام التجارة والاستثمار الثنائية المتواضعة إمكانية تحقيق نمو كبير، في حين تشكل قرارات السياسة المحلية والتوترات الجيوسياسية عقبات جديدة أمام تعزيز الشراكة الاقتصادية، لكن يمكن في نهاية المطاف التغلب عليها. وتقف السعودية والهند في مرحلة حاسمة؛ حيث يجب على صناع القرار أن يقرروا كيفية المضي قدما بطريقة تمهد الطريق للنمو المشترك بين أكبر اقتصادين في كل من منطقة الخليج وجنوب آسيا.
ومن الناحية النظرية، يجب أن تكون العلاقة الاقتصادية بين الرياض ونيودلهي علاقة مثمرة. وتعتبر المملكة واحدة من أكبر الدول المصدرة للنفط الخام في العالم، ومن المقدر أن ينمو استهلاك الطاقة في الهند بنسبة 165% بحلول عام 2040. وتأمل المملكة في أن تعزز الشراكات الدولية القوية الاستثمار الأجنبي، وتدعم جهود التنوع الاقتصادي الطموحة. ومع معدل نمو يبلغ 7.3% في عام 2018، ما يجعلها واحدة من أسرع الاقتصادات نموا في العالم، تبدو الهند مناسبة تماما لهذه الشراكة. علاوة على ذلك، تمتلك الشركات الهندية والعمال الهنود تاريخا عريقا في المشاركة في اقتصادات دول الخليج العربية، مما يضمن معرفة متبادلة بالمؤسسات والديناميات التجارية والعادات الاجتماعية.
وقد ساعدت الروابط القائمة منذ فترة طويلة، والقرب الجغرافي الوثيق، بين دول الخليج العربية وجنوب آسيا، على الحد من الحواجز التجارية وبناء أساس للاستثمارات. وبصفتها رابع أكبر شريك تجاري للهند، نمت التجارة الثنائية بين المملكة والهند بنسبة 9.56%، لتصل إلى 27.48 مليار دولار للعام المالي المنتهي في مارس/آذار 2018. وقد ارتفع إجمالي الاستثمارات الأجنبية المباشرة من السعودية في الهند، من 16.1 مليون دولار فقط في عام 2016، إلى 124.8 ملايين دولار في عام 2017. ولا يزال قطاع الهيدروكربونات على وجه الخصوص مجالا رئيسيا للتعاون؛ حيث تأتي المملكة كثاني أكبر مورد للنفط إلى الهند بعد العراق، كما تعاونت "أرامكو" السعودية مع مصافي النفط الهندية في أبريل/نيسان 2018 لبناء مصفاة بقيمة 44 مليار دولار على الساحل الغربي للهند. علاوة على ذلك، أدت المخاوف المستمرة بشأن الأمن الغذائي في السعودية، إلى جانب الإمارات العربية المتحدة، إلى زيادة الروابط مع القطاع الزراعي الهندي.
ويبلغ إجمالي الاستثمارات الهندية الحالية في المملكة 1.6 مليارات دولار، مما يترك مجالا كبيرا للنمو. وعلى هامش قمة مجموعة العشرين في "بيونس آيرس"، التقى رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي" مع ولي العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" لمناقشة "سبل تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية والعلاقات في مجال الطاقة". ويهتم صناع السياسة في الهند بشكل خاص بتأمين الاستقرار، وزيادة المعروض من الطاقة. وقد اشتد هذا القلق بعد تجدد العقوبات الأمريكية على واردات النفط الخام الإيرانية، على الرغم من أن الهند تم منحها إعفاءً في البداية. وتقدم المشاريع العملاقة ومبادرات البنية التحتية في السعودية، مثل "نيوم"، ومشروعات الترفيه والسياحة، والسكك الحديدية التي تربط مكة والمدينة، فرص استثمار واسعة النطاق للشركات الهندية غير النفطية.

تحديات ملحة
وفي الوقت الذي تقدم فيه مبادرات التنمية السعودية فرصا طويلة الأجل للشركات الهندية، تشكل الأجندات السياسية الجديدة في المملكة تحديا ملحا للعلاقات الاقتصادية بين البلدين. وأدت مبادرات السعودة الصارمة، على سبيل المثال، إلى تهجير العمال ذوي المهارات المنخفضة من البلاد. ويشكل الهنود أكبر مجموعة من المغتربين في البلاد، بواقع 3.2 مليون نسمة، تأثر معظمهم بإصلاحات العمل هذه. وبما أن نسبة 11.6% من إجمالي التحويلات المالية الهندية، التي وصلت إلى 69 مليار دولار في عام 2017، قد جاءت من السعودية، فإن صانعي السياسة في الهند سيضطرون إلى مواجهة العواقب المحلية المترتبة على انخفاض تدفقات التحويلات المالية.
ولم تنفذ السعودية الإصلاحات اللازمة لزيادة جاذبية البلاد للمهنيين وأصحاب المشاريع ذوي المهارات العالية من الهند. وفي عام 2018، أصدرت الإمارات المجاورة قوانين جديدة تمنح تأشيرات طويلة الأجل للمستثمرين، وتوسع نطاق الصناعات المتاحة للاستثمارات الأجنبية الكاملة. وبالفعل، يعمل زيادة أعداد المواطنين بشكل مضطرد وارتفاع معدلات البطالة بينهم، على زيادة المخاطر السياسية المرتبطة بالإصلاحات التي تمس المغتربين في المملكة. ومع ذلك، لا تزال هناك مبادرات أقل إثارة للجدل تحت تصرف صانعي السياسات الاقتصادية. على سبيل المثال، وقعت الإمارات مقايضة عملة بقيمة 496 مليون دولار مع الهند في أواخر عام 2018، لتعزيز التجارة الثنائية والاستثمار. وتعمل مقايضات العملات على تقليل الاعتماد على عملة ثالثة، وتجنب الرسوم الناشئة عن تقلبات أسعار الصرف وتكاليف التحويل.
وتزيد العلاقات الاقتصادية القوية بين الهند وجيران السعودية من التنافس الإقليمي على التجارة والاستثمار. وتتجاوز التجارة الثنائية السنوية بين الهند والإمارات 50 مليار دولار، أي ما يقرب من ضعف قيمة التجارة بين السعودية والهند، ويأمل المسؤولون الإماراتيون أن يصل الرقم إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020. علاوة على ذلك، بلغت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر المتراكمة إلى الهند من الإمارات 5.3 مليارات دولار بين عامي 2000 و2017، في حين بلغت الاستثمارات من المملكة 200 مليون دولار فقط خلال الفترة نفسها.

مخاطر
وقد أوضح وزير الدولة الهندي للشؤون الخارجية أن علاقات الهند مع دول الخليج تتمحور حول 4 معايير رئيسية، وهي لا تخضع للمقارنات، لا تستهدف الضرر لأي من الأطراف، غير تمييزية، ولا تنحاز إلى طرف في النزاعات داخل المنطقة. ومع ذلك، فإن لدى العوامل الجيوسياسية الإقليمية، التي تشمل باكستان وإيران، القدرة على تشكيل طبيعة النشاط الاقتصادي في المستقبل بين السعودية والهند. وقد وافقت المملكة على حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 6 مليارات دولار لباكستان في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وتعتزم المملكة تمويل مصفاة بتكلفة 10 مليارات دولار في ميناء "جوادر" في المياه العميقة في باكستان. وتتنافس المصفاة الجديدة مع مصافي التكرير الهندية التي تمولها السعودية. وبينما أثبتت الهند أنها بارعة في احتواء التوتر مع باكستان، فإن تزايد الأعمال العدائية بين الجارتين قد يؤثر على موقف المملكة تجاه شركائها في جنوب آسيا.
وتلوح أيضا العلاقة مع إيران في الأفق. ومن المرجح بشكل متزايد أن تجد الهند نفسها في وضع يفرض عليها الانحياز في التنافس الجيوسياسي بين المملكة العربية السعودية وإيران من أجل التأثير الاقتصادي والأيديولوجي في جنوب آسيا. وتعد كلا من السعودية وإيران من كبار مزودي النفط الخام إلى الهند. ومع ذلك، فقد غيرت العقوبات الأمريكية على إيران ميزان العلاقات التجارية لتتحول الكفة لصالح المملكة. وبموجب الإعفاء من الولايات المتحدة لمدة 6 أشهر، يمكن للهند أن تستمر في استيراد نحو 300 ألف برميل من النفط الخام الإيراني يوميا حتى شهر مايو/أيار. وقد أكدت الإدارة الأمريكية من جديد هدفها في دفع صادرات النفط الإيراني إلى الرقم "صفر"، لكن مبعوث وزارة الخارجية إلى إيران رفض استبعاد تمديد الإعفاءات. وحتى مع توسيع الإعفاءات، من غير المرجح أن تزيد الصادرات الإيرانية على المدى القصير. وبحسب ما ورد، توقفت 3 دول حاصلة على الإعفاء عن استيراد النفط الإيراني، وانخفضت حصة إيران من السوق في واردات السوق النفطي الهندي من 11.7% إلى 6.2% في عام 2018.
وستستمر ما يقرب من 500 مليون دولار من الاستثمارات الهندية في ميناء "تشابهار" الإيراني في إغضاب السعودية. وقد استثنت الولايات المتحدة الاستثمارات في "تشابهار" من العقوبات، لأن الميناء يلعب دورا أساسيا في إعادة الإعمار وطرق الإمداد والتنمية الاقتصادية لأفغانستان.
ولكن مع رئيس لا يمكن التنبؤ به في الولايات المتحدة، واتحاد أوروبي منقسم على نحو متزايد، قد تبدأ السعودية بوضع استثمار أكبر في علاقتها مع الهند. وتمثل الإصلاحات الاقتصادية في المملكة، والعوامل الجيوسياسية الإقليمية، بعض العوائق أمام تلك العلاقة، لكن هذه القضايا يمكن السيطرة عليها إذا التزمت القوتان الإقليميتان حقا بالرغبة في إقامة شراكة أقوى.

المصدر | روبرت موغلنيكي - معهد دول الخليج العربي في واشنطن