العلاقات التركية السعودية.. احتراق أم اختراق؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 346
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

مهنا الحبيل
 جاء نبأ قبول ولي العهد السعودي لدعوة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان -التي حملها رئيس الحكومة التركية السيد بن علي يلدرم- في اتجاه مختلف عن اللغة المتوترة والمتصاعدة من الرياض ضد تركيا.
ورغم أن الرئيس التركي اشتهر بحضور خطاباته العاطفية -التي أثارت بعض الإشكالات المعقدة على السياسات التركية- فإن أردوغان يتمتع بحراك براغماتي واسع عبر مواقف يتواصل فيها خلال زمن دقيق، أو عبر فريقه الخاص.
وفي كل الأحوال؛ يبدو أن هذه الزيارة هدّأت التوتر، وخرجت من لأواء الشراسة الإعلامية التي لا تزال قائمة من طرف الرياض، سواء بسبب موقفها التحالفي الاندماجي القوي مع إمارة أبو ظبي، أو لطبيعة اللغة التي تصاعدت تزامناً مع الأزمة الخليجية.
ويطرح ذلك سؤالا مهما: هل الزيارة ستتم قريباً؟ وهذا مرجح، وإذا جرت فهل ستحقق انعطافة كبيرة في علاقة الدولتين المركزيتين في الشرق الإسلامي؟
هناك ميزان مهم اتخذته قيادات حزب العدالة والتنمية منذ صعودها، بأن تحافظ على شعرة معاوية مع الرياض مهما بلغ الخلاف، وبالتالي يمكن أن تُفهم هذه الدعوة بكونها تأكيدا لاستبعاد الرياض من مواجهة أنقرة الأخيرة مع أبو ظبي، والتي يبدو أنها انكسرت حدتها ولم تتحول إلى أزمة دبلوماسية ولا حتى إجراءات عقابية، وإنما كانت ردًّا إعلاميا حازما، لعل أنقرة اكتفت به ليوجه رسالة حادة لأبو ظبي، القوية في منظومة الاقتصاد التركي وذات الاستقطاب المؤثر فيه.
وبالتالي فإن ما جرى هو عملية استباقية لأي تصعيد يحرق ما تبقى من جسور بين العاصمتين. ومنذ أن صعد ولي العهد إلى مدارات الأحداث -بعد تولي والده العرش- كان هناك تواصل إستراتيجي بينه شخصيا وبين أردوغان، حيث فضلت أنقرة أن تستمر جسورها بين طرفيْ النفوذ: ولي العهد السعودي السابق وولي العهد الحالي.
لكن منذ إقصاء الأول بدأت الأمور توتر إثر متابعة الرياض لموقف أبو ظبي من تركيا حزب العدالة، وكل توتر يجمعها مع الإسلاميين السُّنّة في العالم من مدارات صراع معقدة، ثم جاءت ذروة التوتر بعد قرار أنقرة المساهمة الجدية في منع العمل العسكري الذي هُدّدت به الدوحة، حيث أطلق الإعلام السعودي حملة شرسة جداً على الشخصية التركية والحكم الحالي.
وهذه الحملة لا تزال مستمرة، غير أن الرسالة الأخيرة تشير إلى أن ولي العهد السعودي تجاوب مع هدنة ضرورية لدولته، وخاصة في موقعه الذي يتحكم كليا في سياسات الدولة، ومستقبل صعوده المتوقع للعرش السعودي خلفاً لوالده أو مفوَّضاً منه، وستبقى الشكوك قائمة في ظل هيمنة شخصيات محددة على مفهوم السياسة الخارجية والإعلام، الذي تورطت به السعودية خارجياً مؤخرا.
كلغة عنصرية لها جذورها داخليا مناطقياً ومذهبياً وعنصرياً؛ تحولت السياسة الخارجية إلى اشتباك إعلامي مع كل دولة تخالف سياسات الرياض، وبالتالي هناك دهشة وغياب للثقة في أي خريطة مصالح موضوعية، يُقدم عليها ولي العهد السعودي، قبل تنحية هذه المنصة وعودة فريق موضوعي للسياسة الخارجية، يساعده في مغادرة مربع الأزمة مع قطر وغيرها.
وقد يكون ذات الملف المشتبك في أزمة السياسة الخارجية السعودية هو المدخل مع أنقرة، خاصة إن كانت أنقرة بلّغت مخاوفها من تهديدات جدية رصدتها تركيا لمستقبل الدولة السعودية وتقسيمها، وأن أنقرة -وهذه مسألة أدركتُها مباشرة من خلال موقعي- قلقة جدا من مسألة سقوط الدولة السعودية، لكونه مقدمة تهديد لسقوط تركيا، بحسب قناعات المسؤولين الأتراك.
وأما جدول المصالح التركية السعودية وحاجة كل من الدولتين فهو قائم وواسع، وبالتالي هل أراد ولي العهد السعودي أن يوجه رسالة إلى المحيط الإقليمي بأنه يتعامل واقعياً خلاف سياسات فريقه الإعلامي ولو على الأقل في بحث الحد الأدنى من صفقات المصالح؟ هذا راجح هنا، وقد يمثل له نوعا من بناء الثقة الجديد مع تركيا كمحيط إقليمي.
ورغم الخسائر التي تعرضت لها السعودية مؤخراً -عبر التقدم الإيراني واستعدائها لدول عديدة في المنطقة- فإنّ أنقرة لا تريد أن تُحسب ضمن تحالف إستراتيجي مع إيران على حساب العمق السُّني الذي يوليه الرئيس أردوغان اهتماما خاصا، كقاعدة سياسية ضمن فكرة عودة الدولة التركية الإسلامية الجديدة.
وسواء أَأُنجز اتفاق سوتشي الذي لا نعرف هل عودة حديث الرئيس التركي عن استحالة بقاء بشار الأسد اليوم مقدمة للانسحاب منه، أم هو تعبيرات خطابية لن تمنع من إنجاز الاتفاق؛ فقد تزايدت الشكوك كثيراً بعد سماح أنقرة لقوى المعارضة السورية الميدانية والسياسية فيها بالتعبير عن رفضها للاتفاق الذي باركته تركيا سابقا.
وهنا نلاحظ أن أنقرة تبدو -بعد انهيار مشروع الانفصال السوري الكردي، وتصدع نظيره العراقي- أكثر ارتياحاً، وحتى الاضطرابات الإيرانية قد تصب في صالحها، لإضعاف مصالح موسكو وطهران أمامها؛ فما الذي يعنيه الرئيس أردوغان بحديثه الجديد عن التقسيم؟ ومن يقصد به؟
هنا مدخل آخر للعلاقة مع الرياض، وأوّله أن تطرح وحدة للموقف بين منصتيْ الرياض وأنقرة أمام سوتشي، بمعنى أن يكون هناك اتفاق ضمني على خلاصة موقف بين الرياض وأنقرة من اتفاق سوتشي لتعديله، أو لاستبداله عبر تحالف ثنائي يتفاوض مع موسكو، وتعود حلقة البحث الإقليمي التي انقطعت في ملفات مصالح أخرى، وإن كانت لم تحقق أي اختراق سابقا.
وأمام كل الملفات الإقليمية؛ سيبقى أن أنقرة تريد وقف سلسلة الحرائق في علاقتها مع الرياض، والعمل على اختراق الأزمة بعودة مصالح إقليمية تعزز تثبيت علاقتها بالسعودية. ويبقى السؤال قائما عما إن كانت الانهيارات في المشهد الإقليمي ستساعد الرياض على الخروج من ربقة الاتفاق الاندماجي مع إمارة أبو ظبي، أم ستشهد انتكاسة جديدة بعد زيارة ولي العهد لأنقرة إن تحققت قريبا.
وربما يفتح نموذج التعاطي السعودي الجديد مع اليمن الباب لنوع من التفكير المختلف للرياض تجاه أنقرة، وبالتالي هناك احتياج مهم لإعادة تموضع جديد مع تركيا بدلاً من حرق السفن معها، وهي ملفات تمتد أيضاً إلى مصرالتي يمكن أن يَخلق وجود شفيق مهددا ضمنيا بإثارة للشارع السياسي، وقد بدأت قاهرة السيسي تبعث رسائل حذرة بشأن علاقة جديدة مع أنقرة قد تتحقق حتى دون مشاركة السعودية.
فهل سيتم -ضمن مراجعة القرار السعودي- بحث ملف مصالحة نسبية في مصر، وإن كان السلوك الإرهابي للنظام ضد الرئيس محمد مرسي وجماعة الإخوان ومعتقلي ثورة 25 يناير، لا يزال في أسوأ حالاته. وعموماً فإن الاتفاقات -أو المدخل لها- لا تنتظر دائماً الظروف الإنسانية الأفضل، ويبقى الأمر وارداً.
ويبقى هناك ملف سيتم التعامل معه بسرية بالغة، وهو ملف الأزمة الخليجية وخطة السعودية لاستهداف قطر، فليس من المعقول أن يتم لقاء أنقرة دون أن يُبحث هذا الملف، وقد يكون مواصلة فريق ولي العهد السعودي الإعلامي خطاب الملاعنة الكريه جزءاً من الضغط الأخير قبل حصول اتفاق ينهي الأزمة، وتخرج به السعودية -بصفة ودية- طرفا غير خاسر ولا منتصر، وتنظمه أنقرة، وإن كان هذا لا يضمن لأحد، بعد جرد الحساب الصعب في الأزمة.
ويلتقي الملف القطري، مع بعدين:
الأول استنفاد تأثيرات قضية قطر على الشأن الداخلي السعودي، والثاني القناعة العملية بأن بعض قائمة المطالب تعجيزي ولم تعد صالحة للمفاوضات. ولكن الرياض تريد أن تضمن بعض المصالح الإعلامية والسياسية مع قطر، بعد هذه الرحلة الصعبة التي كيّفت فيها قطر نفسها مع إستراتيجية طويلة المدى، وباشرت الانتقال إليها.
وعليه؛ فستكون أنقرة هي الطرف المناسب لتحقيق اختراق يبني على جهود أمير الكويت الشيخ صباح السابقة، ويعلن فك الاشتباك عبر العودة للوساطة الكويتية، بعد أن تكون تركيا حققت اختراقاً نوعيا لها، فتتوجه الرياض إلى ملفاتها الصعبة الأخرى، وتكسب عودة تحالفها مع أنقرة في الزمن الأخير.
ويبقى الجزم بذلك أمرٌ صعب لطبيعة العهد السعودي الجديد، إلا إن كان الأمير السعودي قد قرر إطلاق مسيرة تصحيحية يدخل بها عهداً جديد.

* مهنا الحبيل مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول.
المصدر | الجزيرة نت