عن المواجهة بين الأنظمة والسلفية الجهادية: المسؤولية لا تقع على المتطرفين وحدهم

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 330
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

محمد مختار قنديل
فجر الحادي والعشرين من تشرين الثاني من العام 1979، دخل جيهمان العتيبي برفقة أتباعه إلى الحرم المكي، وعلى أكتافهم نعوش كانوا ينوون إقامة صلاة الجنازة عليها بعد انقضاء صلاة الفجر. بمجرد ما فرغ المصلون من صلاتهم، صاح العتيبي في الجمع بأن المهدي المنتظر قد فر من أعدائه ولاذ بالحرم، وختم صياحه بمبايعة صهره محمد بن عبد الله القحطاني وطالب العموم بفعل المثل. أثناء ذلك كانت أبواب الحرم المكي تغلق بإحكام، وكان القناصة من أتباع العتيبي يهمّون باصطياد عناصر الحرس السعودي المنتشرين حول المكان.
برغم الطابع الأمني للحدث، أخذ الأمر بداية شكل «أزمة فقهية». فما بين تحريم القتال في الحرم المكي، وما بين رصاصات مسلحي العتيبي، وجدت الأجهزة الأمنية والعسكرية السعودية نفسها في مأزق. ثم انتهى بها المطاف بخروج فتوى تجيز التعامل الأمني داخل الحرم، وهو التعامل الذي راح ضحيته نحو 120 فرداً من قوات الحرس السعودي والجيش، وتمكنت إثره القوات السعودية من تحرير المكان، ومن إلقاء القبض على العتيبي ومعاونيه، ليُسجل بعد ذلك أكبر حكم إعدام في المملكة العربية السعودية: 61 فردًا، بينهم العتيبي الذي كان على رأس القائمة.
الأهم في حادثة الحرم المكي لم يكن الجبروت الفكري للعتيبي ولا الفتوى السعودية بالقتال داخل الحرم، إنما شخص تركي الفيصل الذي كان يترأس الاستخبارات السعودية آنذاك، وخروجه بالمشروع الأكبر لمكافحة الإرهاب داخل المملكة، وللحد من تنامي خطر المجاهدين وتحديهم لشرعية النظام الحاكم.
فكّر الفيصل في عملية مبتكرة تمكنه من تفادي خطر الفكر الجهادي، وشارك بتصميم عملية «إعصار» التي أطلقتها الولايات المتحدة لتصدير المجاهدين إلى بلاد الأفغان بقصد مواجهة المد الشيوعي. وقد سار الفيصل في ركبها، وسمح لكل من له ميول جهادية أو يرغب في «الجهاد» بالسفر إلى أفغانستان لنيل نصر أو شهادة. ولعل هذا ما يعزز من فرضية صحة التقارير التي تفيد بأن بن لادن أخذ الإذن بالسفر إلى أفغانستان بعد استشارة تركي الفيصل.
تلاحقت الأحداث في أفغانستان ونجح المجاهدون في القضاء على الوجود السوفياتي هناك، برعاية أميركية ـ سعودية. لكن تركي الفيصل لم يبدُ على دراية بطبيعة الخطوات اللاحقة الواجب اعتمادها، لجهة ابتداع وسائل تمكنه من التعامل مع المجاهدين بعد عودتهم إلى المملكة. فأصبح السؤال الواجب طرحه ولم يلق إجابة إلى يومنا هذا: ما مصير «المجاهدين» العائدين؟ وما موقف الدولة منهم؟
وكما أخطأت الدولة في حساباتها لناحية تحجيم هؤلاء، بتسهيل سفرهم إلى الخارج بقصد توظيفهم في معركة ضد موسكو، أخطأت أيضاً في التعامل معهم بعد العودة. فقد كان الأسلم آنذاك أن تقوم بتطويعهم أو احتوائهم، على اعتبار أنها كانت مسهّلة لأفعالهم، أو موافقة عليها، أو متجاهلة لها بالحد الأدنى. وكان يفترض أن تعمل على إعادة تأهيلهم بعد العودة. غير أنها، كما فعل نوبل يوم ندم على اختراع الديناميت، ندمت على فعلتها وصنعت حالة عداء بينها وبينهم، فأخذ هؤلاء يكشرون عن أنيابهم، ووصفوا المملكة بـ «دار الباطل» و «دولة كفر»، واتهموا نظام الحكم فيها بأنه إسلامي بالتصريح لا بالفعل. فأصبحت المملكة بذلك من أبرز أهدافهم، وبات موقفها منهم وسيلة تستخدمها قياداتهم لاستدرار العطف وادعاء المظلومية، وانطلاقاً من هذا وذاك، لتجنيد آلاف من العناصر الآخرين.
بعد سبعة وثلاثين عاماً من حادثة الحرم المكي، عاد قبل أسبوعين من اليوم الحديث عن الحرم والتفجيرات حوله، إثر وقوع ثلاثة هجومات في المملكة، أحدها في موقف سيارات لقوات الطوارئ من الجهة الجنوبية للحرم، يقع على مقربة أيضاً من المحكمة الشرعية في المدينة المنورة، وجاءت حصيلة التفجيرات ضئيلة نسبياً، بمقتل أربعة من رجال الأمن وإصابة خمسة آخرين.
ولعل العنوان الأصلح للحدث يتمثل بعبارة «الحفيد انتقم». فقد أظهرت التقارير الأمنية السعودية أن القائم بأحد التفجيرات هو عمر عبد الهادي العتيبى، الشاب الذي لم يبلغ العشرين من عمره. وكما ضلل العتيبي الكبير الأجهزة الأمنية ودخل الحرم المكي بالنعوش قبل أكثر من ثلاثة عقود ونيّف، ضلل العتيبي الحفيد عناصر الأمن وتناول معهم الإفطار، ليقوم بعد ذلك بتفجير نفسه في ما يشبه محاولة الانتقام.
السؤال الواجب طرحه بخصوص هذه الأحداث وغيرها مما يُحتمل وقوعه: لماذا يستهدف هؤلاء الحرم أو محيطه؟ ولماذا يستمر الإرهاب؟
في ما يتعلق باستهداف الحرم، فإن رمزية المكان للعتيبي الكبير واتخاذه لإعلان نفسه مهدياً مُنتظراً، شكّل وسيلة فعالة للقول إن حكام المملكة خارجون عن الإسلام وغير معنيين بالوصاية على الحرم الشريف، كما أفاد لناحية نفي صفة «ولاة الأمر» عنهم. أما بالنسبة للعتيبي الحفيد، فلعل الحادثة الأولى قبل عقود شكّلت مادة مُحفزة ومشجعة على التكرار ولو على نطاق مصغّر، خاصة أن الدولة لم تتعامل مع أفكار العتيبي الكبير بما يمكّنها من استئصال أفكاره تماماً.
أما في ما يتعلق باستمرار الإرهاب، فالواقع يشير إلى وجود علاقة طردية بين العمليات الإرهابية وبين الأسلوب المتبع راهناً لجهة مكافحة الإرهاب، من جانب الأجهزة الرسمية، السياسية والأمنية وخلافها، سواء في العالم العربي أو على الساحة العالمية. حيث أن أنظمة الدول التي تخوض حروباً ضد ظاهرة الإرهاب، بتفاوت في المدى والأساليب، تتعامل مع الظاهرة تلك بلغة المدافع فقط. وكل يوم يمر يثبت فشل هذا الأسلوب، ويزيد من خطر وقوع هجمات دموية. علماً أن سبب لجوء كثير من الدول إلى مثل هذا المسلك يعود بالدرجة الأساس إلى صورة ذهنية خاطئة لدى صنّاع القرار فيها كما المؤسسات المساعدة، تتمثل في النظر إلى أفراد الجماعات المتطرفة وأنصارها المتعاونين معها أو المتعاطفين، على أنهم أفراد متخلفون جاهلون يمتطون الخيول ويقاتلون بالسيف، وذلك لمجرد عدم تبنيهم نموذج الحداثة الأوروبي. تلك النظرة في المخيال السياسي للكثير من الأجهزة السياسية والأمنية، على مستوى العالم العربي والعالم، تجاه التنظيمات الإرهابية، تزيد من ثبات تلك التنظيمات وفعاليتها. بل إنها تضيف أحياناً كثيرة من حجم التعاطف معها، وترفع من رصيدها ومن قدراتها على استقطاب الشباب عن طريق أكثر أدوات التواصل حداثة من حيث التقانة، كما يُثبت تنظيم «الدولة الإسلامية» منذ نشأته حتى يومنا هذا.
من هنا، يمكن افتراض أن عمر العتيبي ليس مسؤولاً أوحد عن العمليات الإرهابية المذكورة، ولا غيره من أمثاله المقاتلين تحت راية «السلفية الجهادية». إذ لعل السياسات التي خطّها تركي الفيصل في السابق، ومن يسيرون على نهجه اليوم، تستبطن قدراً كبيراً من المسؤولية بدورها، لناحية تعاملها مع أنصار القوى الراديكالية عن طريق الهروب إلى الأمام، لا عبر مواجهة حقيقية وجذرية. علماً أن المواجهة أساسها فكري، وما دون ذلك يأتي بعدها، ويُبنى عليها.