البحرين | في ما وراء قضية مي آل خليفة: التطبيع يشْرُخ أُسر الحُكم الخليجية

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 222
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

بدأ التطبيع مع إسرائيل يُظهر شروخاً داخل أُسر الحُكم الخليجية، فيما من غير المستبعد أن يتسبّب بعودة صراعات الأفخاذ، في حال إصرار الأنظمة الخليجية على ربْط مصائرها بالعدو. وبعد أن ظهر تملمُل داخل الأُسرة السعودية إثر بثّ مشاهد لإسرائيليين في مكّة والمدينة، شهدت البحرين إقالة مي آل خليفة من منصبها في رئاسة هيئة الثقافة والآثار، لرفضها مصافحة السفير الإسرائيلي في المنامة

تتجاوز قضية وزيرة الثقافة البحرينية السابقة، مي آل خليفة، الرمزيّات التي أحاطت برفضها مصافحة السفير الإسرائيلي في المنامة، إيتان نائيه، وقيام الملك، حمد بن عيسى، بطردها من المنصب نتيجة لذلك، ومن ثمّ انطلاق حملة تضامن واسعة معها، بحرينياً وخليجياً وعربياً. ما فعلته مي، حمل إلى السطح صراعات خفيّة داخل أُسر الحُكم في الخليج حول مسألة العلاقة مع الكيان، حيث تتضمّن كلّ تلك الأُسر أجنحة رافضة للتطبيع، إن لم يكن لأسباب مبدئية، فلأسباب تتعلّق بمستقبلها، خصوصاً أن العديد من الأنظمة الخليجية تعيش مرحلة انتقالية على مستوى الشرعية والتغطية الأمنية لوجودها. وفي حالتَي البحرين والإمارات، صارت التغطية الأمنية الأولى، إسرائيلية، بعد موافقة الدولتَين على نشر منظومات رادارية للعدو على أراضيهما. وقد لا تكون السعودية، هي الأخرى، بعيدة عن هذا المسار - ولو بعد حين - في ظلّ إجراءاتها التطبيعية الأخيرة. وفي حين أن حُكّام الإمارات غير مجتمعين على التطبيع، حيث عبّر آل القاسمي في الشارقة علناً، عن رفضهم له، من دون أن تتأثّر علاقتهم برئيس الدولة، محمد بن زايد، فإن السعودية بدأت تشهد خروج أصوات معارضة من داخل الأُسرة، وفق قوْل معارضين سعوديين، بعد أن استفزّت المشاهد التي بثّها إسرائيليون تسلّلوا إلى مكة والمدينة اللتين يُمنع على غير المسلمين زيارة الأماكن المقدّسة فيهما، مشاعر السعوديين. وكانت رُصدت، قبل عامين، مؤشّرات إلى رفض الملك سلمان نفسه تسرُّع وليّ عهده ونجله، محمد، في مسار الانفتاح على إسرائيل.
وبالعودة إلى البحرين، فإن مي آل خليفة هي حفيدة عبدالله بن عيسى آل الخليفة، الذي خاص صراعاً على الحُكم مع جدّ الملك الحالي - والذي يحمل الاسم نفسه (حمد بن عيسى) - في ثلاثينيات القرن الماضي، حيث دَعم البريطانيون الأخير لأنه أكثر مواءمة لمصالحهم. وكذلك، تُعتبر الوزيرة السابقة محسوبة على رئيس الوزراء الراحل، خليفة بن سلمان آل خليفة، عمّ الملك، والذي دخل في صراع معه هو الآخر، وظلّ في منصبه 50 عاماً منذ استقلال البحرين في عام 1971، إلى حين وفاته عام 2020، وكان مسيطراً على الأجهزة الأمنية، واليد الثقيلة في قمع انتفاضة 2011. وبعد وفاته، بدأ الملك، ووليّ عهده، سلمان بن حمد، إقالة الكثير من الشخصيات المحسوبة على خليفة، وخصوصاً من صقور الأجهزة الأمنية. وكان عزل مي من منصبها مُتوقَّعاً، إلّا أن القرار جاء بعد بروز قضية المصافحة، وعقب اتّصال هاتفي جرى بين ولي العهد، ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير لابيد. ويشير موقف مي، والذي سُجّل خلال عزاء لوالد السفير الأميركي في المنامة، إلى وجود جناح داخل الأُسرة المالكة في البحرين، يعارض إقامة علاقة مع الكيان، ويتماهى مع خيار الشعب البحريني في هذا المجال، بمعزل عن الأزمة الداخلية في البلاد.

وتختلف البحرين عن غيرها من دول الخليج؛ إذ إن الموجة القومية العربية واليسارية وصلتْها في وقت مبكر. ومنذ نشوء الكيان، تَشكّل الوعي البحريني المعادي له. ولذلك، عندما تمّ توقيع «اتفاقات آبراهام»، أعلن مسؤولو «الموساد» أن البحرين ليست آمنة للسيّاح الإسرائيليين. ولا توجد حركة سياحة إسرائيلية إلى هذا البلد كتلك التي تشهدها الإمارات، كما أن الجالية اليهودية هناك تتألّف من بضع عشرات من الأشخاص، بعد أن غادر معظم أفرادها إثر إقامة الكيان. ولأن مي شخصية ثقافية مرموقة في الخليج والعالم العربي، فقد كان لطرْدها من منصبها وقْع ثقيل على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث شاركت في التعليقات شخصيات معروفة من أمثال الشاعرة الكويتية، سعاد الصباح، التي أشادت بالوزيرة السابقة. وحتى وداع الأخيرة لمرؤوسيها كان مؤثّراً واعتُبر تحدّياً للملك، حين اصطفّ معظم هؤلاء عند مدخل مبنى الوزارة، وبعضهم يغالب دموعه، لتحيّتها، مؤكدين مرّة أخرى أن التطبيع مرفوض شعبياً، وإنّما مفروض بقوّة القمع ذاتها التي استخدمها حمد بن عيسى في سحق الانتفاضة، من دون أن يراعي في حالة مي، حتى الدين والعادات، حيث المصافحة بين رجل وامرأة أجنبيَّين غير مألوفة في الخليج.
بعض «مثقّفي البلاط» في الخليج سعوا لنفْي أن تكون الإقالة بسبب رفض المصافحة، ومن هؤلاء الأكاديمي الإماراتي، عبد الخالق عبدالله، المقرّب من محمد بن زايد، والذي قال إن إقالة مي تأتي في إطار تغييرات اعتيادية، وشارك على حسابه على «تويتر» شريط صور يشير إلى أن المسؤولة السابقة زارت المعبد اليهودي في البحرين سابقاً، واجتمعت برئيس الجالية اليهودية، إبراهيم نونو. ولكن عبدالله نفسه الذي يَظهر التردُّد في تعبيراته، سجّل أن الإماراتيين لم يذهبوا للسياحة في إسرائيل هذا الصيف ‏«ومَن ذهب إليها ذهب سرّاً وخجلاً ومتستّراً»، مضيفاً أن «تلك المسرحية الهزلية التي رحّبت بإسرائيل انتهت، وهذا متّسق مع استطلاع للرأي يُظهر أن 71 % من الجمهور في الإمارات انطباعاتهم تُراوح بين سلبية وسلبية جدّاً تجاه العلاقة مع إسرائيل».

لكنّ الاستطلاع نفسه الذي أجراه «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى»، لا يبدو واقعياً؛ إذ يدرك كلّ مَن يعرف المزاج العربي أن نسبة التأييد للتطبيع مع العدو بين الشعوب تكاد لا تُذكر، ولا يمكن أن يكون 71% فقط من الإماراتيين معارضين لهذا المسار، ولا سيما أن المعهد يشير إلى «تراجُع» ملحوظ في نسبة مؤيّدي الاتفاقيات مع الاحتلال في كلّ من السعودية والبحرين والإمارات «ليصبحوا أقلّية»، وأن نسبة هؤلاء المؤيّدين كانت 40% في استطلاع سابق أُجري عند توقيع الاتفاقات قبل عامين! ولذا، ثمّة شكوك في أن يكون الاستطلاع مفبركاً بالكامل، للإيحاء بوجود مقبولية للتطبيع، ولو من قِبَل أقلية (وازنة)، لتسهيل تمريره على الرأي العام العربي.