“السعودية” تستدعي ٤٩ شخصا على خلفية تغريدات تشكي البطالة وسوء الأحوال الإقتصادية
في خطوة تعكس تصاعد الرقابة على الفضاء الرقمي في “السعودية”، أعلنت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام عن اتخاذ إجراءات بحق 49 شخصًا وإحالتهم إلى لجان النظر في ما وصفته بـ”المخالفات الإعلامية”، على خلفية نشر محتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي قالت إنه يتضمن 68 مخالفة للنظام. القرار أثار موجة انتقادات واسعة، خصوصًا أنه يأتي في ظل تصاعد تفاعل السعوديين على مواقع التواصل بشأن قضايا الفساد والبطالة وتدهور الأوضاع المعيشية، إضافة إلى المطالبات المتزايدة بتحسين الظروف الاقتصادية وتوفير فرص العمل للشباب. وبحسب بيان الهيئة، فإن الإجراءات استندت إلى الفقرة 12 من المادة الخامسة في نظام الإعلام المرئي والمسموع، والتي تحظر نشر أي محتوى من شأنه “الإخلال بالنظام العام والأمن الوطني ومقتضيات المصلحة العامة”. غير أن هذه الصياغات تواجه انتقادات حقوقية متكررة باعتبارها فضفاضة وتُستخدم لتجريم التعبير السلمي وتوسيع دائرة الملاحقة ضد المنتقدين وأصحاب الرأي. ورغم أن الهيئة تحدثت عن “إجراءات نظامية” وعمليات استدعاء وتحقيق، إلا أن غياب الشفافية بشأن مصير المستهدفين وطبيعة الضمانات القانونية المتاحة لهم أثار مخاوف من تعرض بعضهم للاعتقال أو الاحتجاز، في ظل سجل طويل من الملاحقات المرتبطة بالنشاط الرقمي والتعبير عبر الإنترنت. ويرى مراقبون أن الخطوة تتجاوز إطار “تنظيم المحتوى الإعلامي” لتندرج ضمن سياسة أوسع تهدف إلى ضبط المجال العام وإحكام السيطرة على الخطاب المتداول في المنصات الرقمية، خصوصًا مع اتساع مساحة الانتقادات الشعبية المتعلقة بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. كما أن استخدام عبارات مثل “المصلحة العامة” و”تهديد النظام العام” يمنح السلطات مساحة واسعة لتفسير أي خطاب ناقد باعتباره مخالفة تستوجب العقوبة، وهو ما يحوّل منصات التواصل إلى ساحة مراقبة دائمة، ويضع المستخدمين أمام معادلة تقوم على تقييد التعبير ضمن الحدود التي ترسمها السلطة. وجاءت الحملة الأخيرة وسط أجواء مشحونة بالتوترات الإقليمية والضغوط الاقتصادية الداخلية، حيث تشهد المنصات الرقمية في السعودية نقاشات متزايدة حول البطالة وارتفاع تكاليف المعيشة واتساع الفجوة الاجتماعية. وقد انعكس ذلك في تعليقات عدد من المواطنين الذين اعتبروا أن السلطات تتحرك بسرعة لقمع الأصوات المنتقدة، في وقت لا تظهر فيه الاستجابة نفسها لمعالجة الأزمات المعيشية أو توفير فرص العمل. ورأى آخرون أن استهداف صنّاع المحتوى والناشطين الرقميين يهدف إلى ترهيب كل من يحاول طرح قضايا الرأي العام أو انتقاد الأداء الحكومي، مؤكدين أن تشديد القبضة الأمنية على الإنترنت لن يؤدي إلى إخفاء الأزمات المتراكمة داخل البلاد. وتؤكد منظمات حقوقية بشكل متكرر أن حرية التعبير، بما في ذلك التعبير عن الآراء السياسية والاجتماعية بصورة سلمية، تُعد حقًا أساسيًا تكفله المواثيق الدولية، وأن استخدام القوانين الإعلامية والأمنية بصيغ فضفاضة يفتح الباب أمام الانتهاكات ويقوّض أي مساحة للنقاش العام المستقل. وتعقيبا على الحدث، قال القيادي في “لقاء” المعارضة في شبه الجزيرة العربية، الدكتور فؤاد ابراهيم، عبر منصة إكس: “يأسف كل حر على مئات الكفاءات التي تقبع خلف القضبان..في سجون دول الخليج، وفي ظلام الزنزانات.. ومنذ سنوات..جرمهم الوحيد رأي حر عبّروا عنه بملء ارادتهم، من دون طلب “رجل مباحث” أو اعلامي مرتبط بالداخلية، أو حتى مسؤول أمني أو اعلامي …بلغ التهاون ان يهمل السجناء فيمضون السنين بلا محاكمات عادلة ولا أحكام فبتركون لقدرهم ومنهم من يتوفاه الله أو ينهكه المرض، وحتى اذا رأى النور فلن يعود كما كان..أي ظلم يعانيه هؤلاء المعتقلون في سجون طغاة الخليج”. هذت وشاركت إحدى الموظفات الأجنبيات في “السعودية” تجربتها في التعرض للانتقادات جراء البطالة التي يعيشها أبناء البلد في حين يُستقطب الغير بملايين الدولارات للعمل. وقالت:”مشروعكم في جذب الأجانب لا يعتمد على الرواتب،بل على تقبل المجتمع.إذا شعر الوافد بعدم الترحيب سيغادر ولن يعود. تاريخنا لا يزال في ذاكرتهم، وتعليقاتنا الحادة تعيد المخاوف.أصلحوا الوضع قبل أن يصلحه المجتمع بطريقته”. وفي السنوات الأخيرة، كثّفت “السلطات السعودية” من توظيف الأنظمة المتعلقة بالإعلام والأمن السيبراني لملاحقة المغردين والناشطين، حيث تحوّلت منصات التواصل إلى واحدة من أكثر الساحات خضوعًا للمراقبة، بالتزامن مع صدور أحكام قاسية بحق عدد من مستخدمي الإنترنت بسبب منشورات أو آراء اعتُبرت مخالفة للتوجهات الرسمية. وبينما تواصل الرياض الترويج لصورة “الانفتاح” والإصلاح، يرى منتقدون أن الممارسات على الأرض تكشف استمرار النهج الأمني في التعامل مع الحريات العامة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالنقد السياسي أو المطالب الاجتماعية والاقتصادية. فبدل توسيع هامش التعبير، تتجه “السلطات” إلى مزيد من التضييق، عبر تحويل أي مساحة رقمية مستقلة إلى هدف للرصد والملاحقة.

