القوات الباكستانية في السعودية.. الدور والأهداف
أُعلنت الرياض اليوم عن وصول طلائع قوة عسكرية باكستانية ستتموضع في (قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية) بعد أن أعلن سابقاً عن اتفاقية دفاع مشترك بين البلدين. ويأتي هذا، في خضم الحرب الصهيوأمريكية على الحمهورية الإسلامية في إيران، واحتراق السعودية ودول الخليج ـ جزئياً على الأقل ـ بلهيبها. كما يأتي إرسال القوات الباكستانية في وقت انكشف فيه ضعف القوات السعودية امام الأخطار، وفشل مشاريع الحماية الأمنية الأمريكية للنظام عبر القواعد المنتشرة، وتضعضع ثقة الرياض بـ “الحماية الأمريكية” التي ثبت بالتجربة أنها مجرد (وهم). تجدر الإشارة إلى أن الرياض، طلبت من الباكستان أن تشارك بقواتها في الحرب على اليمن (عاصفة الحزم)، بحجة الدفاع عن مكة المكرمة والمدينة المنورة، ورفض الباكستانيون ذلك، وقالوا: إذا ما تعرضت الأماكن المقدسة فسنقوم باللازم حينها! ولقد انزعجت الرياض كثيراً من الموقف الباكستاني، وقلّصت أو منعت دعمها للباكستان، وألغت القروض، وزاد الأمر سوء وصول عمران خان للحكم قبل أن تتم الإطاحة به سعوديًا أمريكيًا! لكن الوجود الباكستاني في “السعودية” ليس جديداً، فلماذا تختار الرياض الاستعانة بقوات باكستانية بالذات؟ وليست أندونيسية أو تركية أو حتى مصرية؟ هناك أسباب عديدة مثل: الجيش الباكستاني جيش محترف خاض حروباً عديدة ولديه خبرة قتالية ـ لكن هذا ليس هو السبب الأساس، فهناك جيوش أخرى لديها خبرة ايضاً. السبب الأساس هو أن الباكستان منذ السنوات الأولى لنشأتها، تم الاستثمار سعوديًا فيها على الصعيدين المذهبي والسياسي منذ عقود بعيدة. ولم تستثمر الرياض في بلد عربي أو إسلامي مثل ما استثمرت في الباكستان بما جعلها الفضاء الأوسع الذي نُشرت فيه الوهابية خارج “السعودية”، فقد صرفت الرياض عشرات المليارات على بناء وتشييد المساجد، وشراء ولاءات رجال الدين، واستقطاب زعماء القبائل، وطباعة الكتب، وبناء المدارس الدينية. لم يشعر العسكر في الباكستان (وهم الحاكمون) بالمصيبة إلا متأخراً. أي قبل بضع سنوات، حين تمت مهاجمة العسكر ومدارس أبنائهم وتم قتلهم، على يد فئات دينية وهابية. المهم ان الاستثمار الديني السعودي تُرجم إلى استثمار سياسي، وهو أمر لم يحدث في أكثر البلدان العربية والإسلامية، وهذه التجربة التاريخية جعلت الرياض صانعة للقرار في الباكستان. وللتذكير فإن الرياض دعمت انقلاب ضياء الحق، وأصرّت على قتل ذو الفقار علي بوتو. وفي تعيين كل رئيس وزراء باكستاني ـ بمن فيهم شهباز شريف ـ كان للرياض دور مؤثر، والذين شذوا عن القاعدة تم قتلهم جسديًا أو سياسيًا: مثل بنازير بوتو وعمران خان. بنت “السعودية” شبكة استخبارات داخل الباكستان، فرجالها كثر، من السياسيين ورجال الدين والمثقفين وغيرهم. والسعودية لها تعاون عسكري مع الباكستان قديم أيضاً. في مجال البحرية.. فأكثر ضباط البحرية السعودية يتدربون في الباكستان منذ السبعينيات وحتى اليوم، وقد أشاد قائد القوات البحرية السعودية، الفريق محمد الغريبي، في منتصف 2025 بالتدريب عالي المستوى الذي تتلقاه الدفعات السعودية في الأكاديمية البحرية الباكستانية. وكانت الرياض بين ممولي صناعة القنبلة النووية الباكستانية، وظنّت انها ستحصل على شيء من الغُنم. لكن كيف يكون ذلك؟ فهم الرياض في هذا الموضوع بالذات كان قاصرًا. والأمريكي ليس بعيداً عن الباكستان فهي دولة حليفة له. وحين تقرر الرياض أنها محتاجة إلى قوات تحميها أو تدعمها لظرف سياسي ما، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هي الاستعانة بجيش الباكستان (بعض دول الخليج استخدمتهم في قوى الأمن ايضاً). الرياض لا تريد قوات عربية او تركية، لأنها مسيّسة، وفوق ذلك لا تأمن من الطموح السياسي لتلك الدول (مصر مثلاً ـ كان أول قرار للملك فهد بعد تحرير الكويت عام ١٩٩١ أن طلب من القوات المصرية الخروج. وبرر أحد الأمراء ذلك: لا نعلم ماذا يفعل المصريون مع الحجازيين ـ يقصد دعم استقلال الحجاز عن السلطة السعودية)! فالرياض ترى الباكستان كدولة لا طموح سياسياً لها داخل الخليج، وهي مأمونة مذهبيًا بسبب التغلغل الوهابي، وتتمتع “السعودية” بشعبية وسط الشعب الباكستاني نظرا لوجود الحرمين الشريفين، وتطمئن الرياض إلى حالة الانسجام بين المذهب والسياسة والعسكر.. هذا العوامل مجتمعة تجعل صانع القرار السعودي أكثر حماسة وثقة بالجيش الباكستاني. لكن الرياض، بعد آخر تجربة استقدام قوات باكستانية لحماية النظام أو بحجة التدريب، باتت تطلب أن يكون جميع العسكريين الباكستانيين الذين يخدمون في السعودية (سنّة) وأن يتم استبعاد الضباط والجنود الشيعة، وغير معلوم حتى الآن إن كررت شرطها هذه المرة أيضا، ولا ما إذا كانت الباكستان قد خضت لهذا الطلب السعودي، لأنه قد يفجر أزمة داخل القوات المسلحة الباكستانية نفسها، فالجيوش هي معمل الصهر للهوية الوطنية. والشيعة يمثلون نحو ثلث السكان في الباكستان، واستبعادهم على أساس مذهبي سيؤدي الى اختلال كبير ليس في الجيش وحده، وانما في النسيج الاجتماعي أيضاً. تجربة ارسال قوات باكستانية الى السعودية (١٩٧٢ – ١٩٨٣) في أواخر السبعينيات الميلادية كان في القواعد السعودية شرقاً وغرباً ووسطاً، نحو ٣٠ ألف جندي باكستاني. يعني جيش كامل. كيف حدث؟ ولماذا؟ بدأ إرسال قوات باكستانية بشكل تدريجي، منذ عام ١٩٧٢، وكان الغرض من ذلك التدريب والتشغيل، خاصة في مجال القوات الجوية. كانت الرياض في بداية تأسيس جيش حديث (أو هكذا يُقال)، ثم تصاعد العدد بعد انفجار أسعار النفط عام ١٩٧٣، وصار وجوداً محسوساً واسع النطاق وبعشرات الآلاف. وبلغت الذروة بين عامي ١٩٧٧ و ١٩٧٩ وهو تاريخ انتصار الثورة الاسلامية في إيران. كان الاتفاق ينص على خروج القوات الباكستانية آو بلفظ آخر: الاستغناء عنها في ١٩٨٠. لكن انتصار الثورة في إيران جعل الوضع مضطرباً. فتأخر الخروج الباكستاني إلى ما بعد قيام الحرب العراقية الإيرانية، وحينها شعرت الرياض (التي دفعت صدام حسين للحرب وشجعته ومولته) أن الخطر تقلّص عليها من العراق ومن إيران نفسها. لهذا بدأ الوجود الباكستاني يتراجع ويتقلص شيئاً فشيئاً منذئذ، ليحل الوجود الأمريكي ويتضاعف أكثر فأكثر ويتوسع الاعتماد عليه، وهو وجود كان ملموساً وحاضراً، في “السعودية” والمنطقة عامة لكنه تعاظم منذ بداية الثمانينيات. انسحب الباكستانيون من “السعودية” تدريجياً، خاصة بين عامي ١٩٨٢ و ١٩٨٣، وإن بقيت بعض العناصر من الطيارين والمدربين والمستشارين العسكريين، ولم يعد لهم ذلك الانتشار الواسع السابق في الطائف والشرقية وتبوك والرياض . السؤال لماذا كانت الرياض تحتاج للقوات الباكستانية؟ لم يكن الهدف حماية الحدود السعودية، أو مواجهة قوة خارجية تهدد النظام، بل كان الهدف هو حماية الداخل (حماية النظام) إلى أن يتم بناء ما قيل عنه لاحقاً (جيش الكبسة)! كان الباكستانيون يمثلون حسب الخبراء الغربيين أحد أهم أعمدة أمن النظام السعودي في تلك الفترة. فقد كانت هناك وحدات مشاة، وقوات دفاع جوية باكستانية، وطيارين ومدربين، وتقنيين لتشغيل الرادارات وصيانتها وغير ذلك. واحدة أخرى من أبرز مهمات القوات الباكستانية كانت: حماية منشآت النفط. ولقد أتيح لي ولغيري من المواطنين في الشرقية: رؤية العديد من الجنود الباكستانيين في المنطقة الشرقية، وكان بعضهم من الشيعة، وفي محرم ١٤٠٠ هـ، والذي نسميه عام الانتفاضة، كان بعضهم يحضر المجالس الحسينية الشعائرية، كأي شيعي في هذا الكون. في فترة السبعينيات عامة، كان هنالك قلق سعودي من قيام انقلابات عسكرية داخلية، وقد شهدت البلاد أخطر انقلابين حدثا في عام ١٩٦٩. أرادت الرياض فيما يبدو حينها الاعتماد على قوة عسكرية أجنبية باكستانية موثوقة، من خارج البنية القبلية لمكونات المجتمعات المحلية، كضمان لقمع أي تمرد شعبي أو غير شعبي (انقلاب عسكري). في بداية فترة الوجود العسكري الباكستاني، لم تكن الرياض تنظر إلى اسرائيل كخطر، فالخطر الذي كان يقلق آل سعود حينها: العراق البعثي؛ واليمن الجنوبي الماركسي. وتشاء الأقدار أن تقوم الثورة الاسلامية في إيران، والوجود الباكستاني كان حاضراً في كل مناطق “السعودية”، فاستضافت الرياض ـ كما الباكستان نفسها ـ الآلاف من العسكريين الأمريكيين ورجال السي آي أيه والموظفين الأمريكيين الهاربين من إيران، وهناك كتابات غربية كثيرة في هذا الشأن تتناول هذه القضية بتفصيل مسهب. بعد الثورة، سارع الرئيس الأمريكي كارتر إلى القول: أن أمن المملكة العربية السعودية جزء من الأمن القومي الامريكي. وجيء بأسراب من طائرات أمريكية لتقوم حيث شاركت في مناورات في المنطقة الشرقية. وتلاها شراء أول ٦٠ طائرة اف ١٥متطورة حينها (مقابل اف ١٤ الاعتراضية التي لدى ايران العديد منها والموروثة من زمن الشاه). واليوم يعود الباكستانيون مرة أخرى ليحموا النظام السعودي من جديد، بعد أن شعر رأس النظام بأن الجيش السعودي قد يدخل اختباراً (غير اختبار اليمن وعاصفة الوهم) فيكون فيها هلاكه. تأتي القوات الباكستانية إلى “السعودية” ولا نعلم حجمها إلى الآن.. وقد يزداد عددها بالتدريج كقوات (حماية) أو بمثابة (الكفيل الجديد) أو إن شئت تسميتها بـ (قوات مرتزقة) لأنها جاءت من أجل المال ليس إلا.. تأتي لتؤكد لنا المرة تلو الأخرى، أن هذا النظام السعودي، نظام مهلهل، وكل ما اشتراه من سلاح، وما زعمه من تصنيع، وما روجه من بطولات مجرد بالونات دعائية استعراضية.. وأن النظام السعودي غير قادر على حماية نفسه، وأنه بحاجة دائمة إلى كفيل أجنبي يحميه ويدافع عن عرشه.

