بعد زيارة بايدن.. مستقبل أسعار النفط وسط الغموض بشأن الطلب

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 256
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

عاودت أسعار النفط الارتفاع بعد انخفاض حاد في منتصف يوليو/تموز ليتم تداولها بأكثر من 100 دولار للبرميل بعد أن أنهى الرئيس الأمريكي "جو بايدن" زيارته إلى السعودية دون تأمين التزام بزيادة فورية في إنتاج النفط.

وفي حين تأثر السوق مؤقتا بمؤشرات تراجع الطلب، فإن المخاوف بشأن الإمدادات ساهمت في الحفاظ على مستوي الأسعار، في وقت يستعد فيه تحالف "أوبك+" للتراجع عن آخر تخفيضات الإنتاج التي تم إقرارها في أبريل/نيسان 2020.

وسيكون إنهاء تخفيضات الإنتاج في 31 أغسطس/آب استكمالًا لدورة الزيادات الشهرية في الإنتاج التي تم الاتفاق عليها في يوليو/تموز 2021 مع بداية التعافي من جائحة "كورونا". ويشار إلى أن وزراء "أوبك+"، الذين يمثلون 23 دولة منتجة للنفط، قاموا بتقديم شهر في جدول الاستعادة الكاملة لآخر "9.7 ملايين برميل يوميا" تم سحبهم من السوق في بداية الوباء.

وجاء قرار تسريع التراجع عن التخفيضات في الإنتاج جزئيًا استجابةً لمناشدة الدول المستهلكة الرئيسية -بما في ذلك الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي- لتعويض الإمدادات الروسية وكذلك مواكبة تعافي الطلب بعد الوباء.

ومن الناحية النظرية، يجب أن يؤدي إنهاء قيود الإنتاج إلى زيادة الإمدادات في شهر سبتمبر/أيلول ما لم يقرر الوزراء خلاف ذلك في اجتماع "أوبك+" القادم في 3 أغسطس/آب. لكن عددا من المنتجين وصلوا بالفعل إلى قرب سعة الإنتاج القصوى وهم يكافحون الآن لتلبية حصص أعلى من الإنتاج بسبب نقص الاستثمار في قطاعات الطاقة الخاصة بهم خلال الدورات الماضية من انخفاض الأسعار.

وأدى تعثر الإمدادات الليبية -حيث لا يزال الاستقرار السياسي بعيد المنال- بالإضافة إلى العقوبات ضد إيران وفنزويلا لتقييد الإنتاج لدى 3 منتجين رئيسيين في "أوبك".

 

انخفاض مؤقت وعودة للصعود

هبطت أسعار النفط لأقل من 95 دولارا للبرميل في 14 يوليو/تموز بعد يوم من بداية زيارة "بايدن" إلى الشرق الأوسط. لكن "بايدن" غادر المنطقة دون تأمين التزام من السعودية بزيادة فورية في إمدادات النفط للمساعدة في خفض أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وأدى ذلك إلى صعود الأسعار مجددا مع اختتام رحلة "بايدن" إلى السعودية.

وكان "بايدن" وعد أن يلمس سائقو المركبات في الولايات المتحدة تحسنا في الأسعار نتيجة لمناقشاته في السعودية. وفي مؤتمر صحفي في جدة، قال إن محادثاته مع الزعماء السعوديين شملت "مناقشة جيدة حول ضمان أمن الطاقة العالمي وإمدادات النفط الكافية لدعم النمو الاقتصادي العالمي. وسيبدأ ذلك قريبًا". وأضاف: "أنا أفعل كل ما بوسعي لزيادة الإمدادات وأتوقع أن يحدث ذلك قريبا. تفهم السعوديون الحاجة الملحة لزيادة الإنتاج. وبناءً على مناقشاتنا اليوم أتوقع أن نرى خطوات ملموسة في الأسبوع المقبل".

لكن مسؤولًا سعوديًا كبيرًا أوضح أن المملكة لم تشاركه نفس الإحساس بالإلحاح، قائلاً إن القرارات المتعلقة بسياسة العرض سيحددها السوق. وقال وزير الخارجية السعودي الأمير "فيصل بن فرحان" للصحفيين: "نستمع إلى شركائنا وأصدقائنا من جميع أنحاء العالم وخاصة الدول المستهلكة، لكن في نهاية المطاف تتابع أوبك+ وضع السوق وتوفر المطلوب حسب الحاجة".

وربما ترغب الرياض في إصلاح العلاقات المتوترة مع حليفتها التاريخية واشنطن، لكنها تريد أيضًا الحفاظ على تحالف الطاقة المهم مع موسكو. وكما أوضح وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية "عادل الجبير" في مقابلة مع "بلومبرج" فإن المملكة ستعمل بالتنسيق مع شركائها "أوبك" و"أوبك+" وتطرح المزيد من النفط إذا كان هناك نقص.

لكنه ألقى باللوم على التطورات الجيوسياسية فيما يتعلق بالدوامة الحادة الأخيرة في أسعار النفط، ولا يعود ذلك برأيه لاختلال التوازن بين العرض والطلب. وقال: "نتتبع وضع العرض والطلب بعناية فائقة، إذا كان هناك نقص محتمل، فسنعمل على زيادة الإنتاج بالتنسيق مع شركائنا في أوبك وأوبك+".

وبالرغم من المخاوف المتعلقة بالطلب والتي تتصاعد بين الحين والآخر نتيجة عدم اليقين بشأن مسار الوباء والمخاوف من الركود العالمي، ظلت الأسعار مرتفعة نتيجة المخاوف من النقص الوشيك في الإمدادات الروسية نتيجة اتفاق زعماء الاتحاد الأوروبي في مايو/أيار الماضي علي خفض واردات النفط من روسيا بنسبة 90% بحول نهاية 2022.

وأدى قرار "أوبك+" تسريع زيادات الإنتاج بمقدار 1.3 مليون برميل يوميًا في يوليو وأغسطس -فيما يقدّم الجدول المحدد شهرًا- إلى توفير بعض الراحة وربما منع المزيد من القفزات في أسعار النفط، وهو ما يفضل المنتجون تجنبه وسط علامات على تأثير ذلك سلبيا على الطلب.

 

توقعات متباينة

توضح التوقعات المتباينة بشأن العرض والطلب (خلال بقية العام الجاري والعام المقبل) من قبل "أوبك" و"الوكالة الدولية للطاقة" و"إدارة معلومات الطاقة الأمريكية" والصادرة في يوليو صعوبة إجراء تنبؤات دقيقة بشأن اتجاه السوق.

وقالت "الوكالة الدولية للطاقة" في تقرير سوق النفط في يوليو: "نادراً ما كانت التوقعات لأسواق النفط بهذا الغموض.. التوقعات القاتمة للاقتصاد الكلي ومخاوف الركود تثقل السوق في حين أن هناك مخاطر مستمرة بشأن الإمدادات". وأشارت الوكالة إلى أن "تباطؤ النشاط الاقتصادي" نتيجة لتوقعات صندوق النقد الدولي بانخفاض النمو الاقتصادي العالمي وتحذيرات الركود المحتمل "أضاف المزيد من الشكوك إلى مستقبل الطلب على النفط".

وقامت الوكالة بإجراء مراجعة طفيفة على "توقعات الطلب على النفط لعامي 2022 و2023". وتتوقع الوكالة حاليا تزايد الطلب بمقدار 1.7 مليون برميل يوميا مقارنة مع 1.8 مليون برميل يوميًا في تقديرها السابق في يونيو/حزيران. وبحلول عام 2023، تشير توقعات الوكالة إلى ارتفاع في الطلب بمقدار 2.1 مليون برميل يوميًا بدلا من توقع 2.2 مليون برميل يوميًا وفقا للتوقعات السابقة.

أما "أوبك" فهي أكثر تفاؤلاً بشأن توقعات الطلب؛ حيث تتوقع أن ينمو بمقدار 2.7 مليون برميل يوميًا في عام 2023 على خلفية "الأداء الاقتصادي القوي في البلدان الاستهلاكية الرئيسية وكذلك تحسن التطورات الجيوسياسية واحتواء كوفيد-19 في الصين".

وبحلول الربع الأخير من عام 2023، تتوقع"إدارة معلومات الطاقة الأمريكية" أن يصل إجمالي الطلب إلى 101.74 مليون برميل يوميًا، بينما تتوقع "الوكالة الدولية للطاقة" أن يكون 102.69 مليون برميل يوميًا وتتوقع "أوبك" 105.40 ملايين برميل يوميًا، وكل هذه التقديرات تتوقع للطلب أن يصبح أعلى من مستويات ما قبل الجائحة.

ومع ذلك، فحتى إذا تمت مراجعة تقديرات الطلب هذه، فسيتعين على منتجي "أوبك+" الضخ بأقصى سعتهم لتجنب نقص الإمدادات، خاصة إذا تعافى الطلب الصيني الذي تم كبحه مؤخرًا بالإغلاقات الناجمة عن فيروس "كورونا". ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى مزيد من الضغط على طلب المنتجات النفطية المكررة، والتي يتم تداولها أيضًا عند مستويات قياسية بسبب محدودية قدرة التكرير العالمية وفقدان إمدادات الديزل والبنزين من روسيا.

 

كشف هشاشة صناعة النفط

سيؤدي رفع قيود "أوبك+" على الإنتاج لكشف هشاشة صناعة النفط والغاز التي تظهر الآن تأثير 8 سنوات من الانخفاض الاستثمار في قطاع الهيدروكربونات. ومهّد هذا العجز في الاستثمار الطريق للأزمة التي ظهرت قبل غزو أوكرانيا، إلا إنه لا يمكن إلقاء اللوم في ذلك بالكامل على تحول الطاقة، بالرغم أن تبني معظم العالم المتقدم لهدف "صافي صفر انبعاثات كربونية" ساهم أيضًا في تقويض منظومة الطاقة.

وأشار ولي العهد السعودي وحاكمها الفعلي "محمد بن سلمان" في بداية قمة جدة إلى ذلك قائلًا: "تبني سياسات غير واقعية للحد من الانبعاثات من خلال استبعاد المصادر الرئيسية للطاقة سيؤدي في السنوات المقبلة إلى التضخم غير المسبوق وزيادات أسعار الطاقة".

وأضاف أن السعودية كانت تقوم بدورها في زيادة القدرة الإنتاجية لكنها لن تتجاوز التوسع المخطط له بالفعل إلى 13 مليون برميل يوميًا، بمعنى أن المملكة لن تتحمل وحدها مسؤولية زيادة القدرة الإنتاجية. وتقوم شركة "أرامكو" حاليًا بالعمل على إضافة السعة الجديدة، لكن الزيادة الكاملة لن تتحقق قبل عام 2027.

تمتلك السعودية الجزء الأكبر من القدرة الإنتاجية الاحتياطية في العالم إلى جانب الإمارات، وهذا هو السبب في أن قادة العالم كانوا يناشدون البلدين في الأشهر الأخيرة لضخ إمدادات بديلة للنفط الروسي.

وحتى الآن، تم إعادة توجيه صادرات النفط الخام الروسية التي رفضتها السوق الأوروبية إلى آسيا، وخاصة الصين والهند، التي تشتري كميات قياسية من النفط الروسي "ابسعر أقل" بدلًا من الموردين التقليديين في الشرق الأوسط.

لكن لا يمكن ضمان تدفقات الخام الروسية إلى السوق العالمية، وقد انخفض إنتاج روسيا عن حصة "أوبك+" المقررة في يونيو، وفقًا لمسح أجرته وكالة "بلاتس" المختصة في الإبلاغ عن الأسعار، وقد قدرت أن إنتاج النفط الخام الروسي كان 913 ألف برميل يوميا وهو أقل من الحصة المقررة (9.29 ملايين برميل يوميًا) في يونيو.

ومع الزيادة المحتملة التي ستقوم بها "أوبك+" للإنتاج في سبتمبر/أيلول (إذا لم يتم وضع قيود جديدة) فإن السعة الإنتاجية الاحتياطية ستقل، وبالتالي تتراجع صمامات أمان السوق، لا سيما إذا تراجع الإنتاج الروسي أكثر مع تصاعد حظر الاتحاد الأوروبي.

 

فجوة كبيرة

وضعت السعودية باستمرار طاقتها الإنتاجية النفطية المستدامة (الإنتاج الذي يمكن توفيره في غضون 30 يومًا والحفاظ عليه لمدة 90 يومًا) عند 12.5 مليون برميل يوميًا، بما في ذلك الإنتاج من المنطقة المحايدة التي تتشاركها مع الكويت.

وتقدر "الوكالة الدولية للطاقة" السعة الإجمالية القصوى المستدامة للسعودية عند 12.2 مليون برميل يوميًا. سترتفع حصة السعودية في "أوبك+" من 10.8 ملايين برميل يوميًا إلى أعلى بقليل من 11 مليون برميل يوميًا في أغسطس، وهو المستوى الشهري الذي لم تصل إليه إلا مرتين في السابق وفق ما تقوله الوكالة.

لكن "الوكالة الدولية للطاقة" تعتقد أن السعودية يمكن أن تحافظ على إنتاج حوالي 11 مليون برميل يوميًا لفترة طويلة "بالرغم أن هذا الجهد سيظل تحديًا".

وإذا تحققت توقعات الطلب التي وضعتها "أوبك" لعام 2023، فسيحتاج أعضاؤها إلى إنتاج 32 مليون برميل يوميًا بحلول نهاية 2023، بزيادة 3.3 ملايين برميل يوميًا عن إنتاج يونيو المقدر بـ28.7 مليون برميل يوميًا.

وقد تخلف أعضاء "أوبك" العشرة الذين يخضعون لقيود عن هدف إنتاج يونيو بمقدار 1.1 مليون برميل يوميًا، وكانت الفجوة أوسع بالنسبة لـ"أوبك+" حيث وصلت إلى 2.7 مليون برميل يوميًا، فيما يعود جزئيًا لإغلاقات الصيانة.

وبموجب اتفاقية إدارة الإمدادات الحالية التي تم وضعها في يوليو 2021، أعطت "أوبك+" نفسها مساحة حتى نهاية العام لتعديل الإنتاج صعودًا أو هبوطًا إذا لزم الأمر، لكن السعودية كانت واضحة في تأكيدها على عدم ربط الإنتاج بالسياسة؛ حيث قال "الجبير" في هذا السياق: "النفط ليس سلاحًا سياسيًا.. النفط ليس دبابة".

 

المصدر | كيت دوريان/ معهد دول الخليج في واشنطن - ترجمة وتحرير الخليج الجديد