معضلة بايدن في اليمن

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 130
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سافر مستشار الأمن القومي الأمريكي "جيك سوليفان" إلى الرياض في 27 سبتمبر/أيلول ورافقه المبعوث الأمريكي الخاص لليمن "تيم ليندركينج". وسلطت الزيارة الضوء على اهتمام إدارة "بايدن" المستمر بإنهاء الحرب في اليمن، وشكلت دفعة عالية المستوى لجهود "ليندركينج" في هذا السياق.

وفي الوقت نفسه، تؤكد القضايا الأوسع في العلاقات السعودية الأمريكية، المدرجة أيضا على جدول أعمال اجتماعات "سوليفان" في المملكة، الأولويات المتضاربة في سياسة الرئيس الأمريكي "جو بايدن" الخارجية وتهدد جهود السلام التي يبذلها في اليمن.

اشتداد حرب اليمن

وبعد 9 أشهر لإدارة "بايدن" ومبادرتها للسلام في اليمن، يبدو أن الزخم نحو السلام قد توقف؛ حيث شهدت البلاد أسبوعا عنيفا بشكل مكثف. واشتد القتال مؤخرا حول مدينة مأرب، وعاد نشاط جبهة الحديدة على ساحل البحر الأحمر.

علاوة على ذلك، يستخدم الحوثيون مرة أخرى ضربات الطائرات بدون طيار ضد السعودية، بينما تصعد الطائرات السعودية قصفها لقوات المتمردين التي تتحرك لتطويق مأرب من الجنوب، وإن كان ذلك ببطء شديد وبمعدل إصابات مرتفع للغاية.

ومن المؤكد أن الخسائر المدنية في المدينة وحولها كانت من بين الأسوأ منذ بدء الحرب، وفقا للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية.

وبالرغم من التأكيد على أن الولايات المتحدة لم تتخل عن حل النزاعات، وعلى وجه التحديد بذكر اليمن وإثيوبيا في هذا السياق، فإن منتقدي "بايدن" يتهمونه بالقيام بالعكس تماما ويتهمونه بأن شعار "أمريكا عادت" لا يختلف عن شعار سلفه "أمريكا أولا".

ويستشهد النقاد بأن واشنطن تتشبث بالشراكات الأمنية في الخليج وتستعد لمواجهة محتملة مع الصين كدليل على استمرار عقلية الحرب الباردة. على سبيل المثال، أعطت صفقة الغواصات الأخيرة مع أستراليا الأولوية لتحالف أنجلو ساكسوني مع المملكة المتحدة وأستراليا على اتفاق أوسع بين الناتو وأوروبا، وهو اتفاق لا يمكن ضمانه، وذلك تماشيا مع استراتيجية إسقاط القوة في المحيط الهادئ.

 

التوترات السعودية الأمريكية

وتصطدم الرغبة في إنهاء تورط الولايات المتحدة في حروب الشرق الأوسط، التي أظهرها انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، بالحاجة المعلنة لمواصلة الحرب العالمية على الإرهاب. وكان هذا مصدر قلق عبر عنه كبار الضباط العسكريين في شهادتهم أمام الكونجرس يوم 29 سبتمبر/أيلول بأن عناصر القاعدة لا تزال على الأرض في أفغانستان.

وفي الواقع، لا يزال تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية، الذي يعتبر الفرع الأقوى للتنظيم، عاملا إلى حد كبير في اليمن. وتتطلب الجهود الأمريكية المستمرة لمواجهته كلا من الاستخدام المباشر للقوة ومساعدة الأصدقاء والشركاء في المنطقة.

ووصف المسؤولون الأمريكيون السعودية تاريخيا بأنها شريك في الحرب على الإرهاب، ولم تكن إدارة "بايدن" استثناء في هذا الصدد. وتطرح رغبة الولايات المتحدة في الانسحاب من الشرق الأوسط صراعات في حربها ضد الإرهاب، وكان "بايدن" قد تعهد بالضغط على القادة السعوديين بشأن سياساتهم الحقوقية، في الوقت الذي تأتي فيه زيارة "سوليفان" الأخيرة بالتزامن مع الذكرى الثالثة لمقتل "جمال خاشقجي".

ويثير هذا التناقض فيما يتعلق بدور المملكة كشريك للولايات المتحدة مع الاستمرار في العمل كمنتهك لحقوق الإنسان. وهناك أيضا مخاوف من أن روسيا والصين حريصتان على استبدال النفوذ الأمريكي في السعودية. وفي الواقع، يعد هذا جزءا من استراتيجية الرياض لدرء الضغط الأمريكي، الذي لم ينتج عنه الكثير من التغيير بعد.

وركزت مناقشات "جيك سوليفان" في يوليو/تموز مع نائب وزير الدفاع السعودي، الأمير "خالد بن سلمان"، على كل من القضايا الأمنية وحقوق الإنسان، ولكن لم يكن هناك دليل على حدوث تغيير في السلوك السعودي منذ ذلك الحين.

من ناحية أخرى، وبالرغم من المراجعات الأولية للمساعدة الأمنية الأمريكية، فإن الموافقة الأخيرة على حزمة بقيمة 500 مليون دولار للسعودية تظهر أن مبيعات الأسلحة إلى المملكة عادت إلى المسار الصحيح.

وفي الواقع، تراجعت جرأة "بايدن" في الشروع في مراجعة العلاقة الاستراتيجية مع السعودية واستعداده المعلن لوضع مبيعات الأسلحة في الميزان منذ البداية بسبب التمييز الإشكالي الذي أجرته الإدارة بين العمليات الهجومية والدفاعية السعودية في اليمن.

وفي الحرب، يمكن تعريف جميع الأسلحة والعمليات على أنها من أي نوع. وفي الواقع، كما يقول "شيلين" و"ريدل"، فإن الحصار حول اليمن، الذي تواصل الولايات المتحدة الموافقة عليه ودعمه، هو بحد ذاته مسيء بطبيعته لأنه يمنع، أو على الأقل يعيق بشدة، المساعدة الإنسانية لليمن، وبالتالي ربما يكون قد تسبب في أكبر ضرر حتى الآن للسكان المدنيين.

ولا يزال السعوديون يرفضون اتخاذ الخطوة الأولى من الرفع الجزئي للحصار من خلال السماح لمطار صنعاء وميناء الحديدة بالعمل.

وبالتالي، يظل النفوذ على السعودية معرضا للخطر طالما أن الأهداف المتضاربة تجذب الولايات المتحدة في اتجاهات مختلفة، وغالبا ما تكون متعارضة. ويمكن قول الشيء نفسه عن الإمارات، التي يلزم تعاونها أيضا في تهدئة الحرب في اليمن، لكن هذا الأمر معقد مرة أخرى بسبب العلاقة المضطربة مع إدارة "بايدن".

وكان الإماراتيون أكثر ارتياحا للموقف المتشدد لإدارة "ترامب" تجاه إيران، وكانوا قلقين في وقت مبكر بشأن رغبة "بايدن" المعلنة في إعادة الدخول في خطة العمل الشاملة المشتركة وإحيائه لتأكيد الرئيس "أوباما" على دعم التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط.

وقد تكون شراكة الإمارات مع إسرائيل، التي رعاها ودعمها "دونالد ترامب"، تحفز الدولة الخليجية الطموحة على مسار في المنطقة قد لا يتماشى بشكل جيد مع أولويات السياسة الخارجية لـ "بايدن". وفي اليمن، هناك قلق مشروع من أن يؤدي الوفاق الإماراتي الإسرائيلي إلى موقف تصادمي أكثر من بناء السلام.

 

عامل إيران

وتواجه رغبة "بايدن" في دفع إيران للتعاون، ليس فقط في العودة إلى الاتفاق النووي ولكن أيضا في حل النزاعات في المنطقة، تحديا صعبا أيضا. فإيران، التي لا تزال عدوا في انتظار العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، هي لاعب إقليمي مهم آخر له تأثير على الصراع اليمني.

ومع ذلك، فإنها قد تجد صعوبة في ممارسة أي نفوذ للحث على التعاون لإنهاء الحرب. واتخذ الرئيس الإيراني الجديد "إبراهيم رئيسي"، نهجا أكثر تشددا بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة منذ توليه منصبه.

واتهم "رئيسي" في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، على عكس تأكيدات "بايدن"، بأن الولايات المتحدة لا تتخلى عن الحرب بل تخوضها بدلا من ذلك بفرض عقوبات اقتصادية. ومن جانبهم، فإن الحوثيين، بعد الترحيب في البداية بالرئيس الأمريكي الجديد، يبدون الآن أقل استعدادا للتسوية التفاوضية، وهم يتهمون واشنطن بالوقوف إلى جانب الرياض في السعي لوقف تقدم الحوثيين في مأرب والضغط من أجل استسلامهم الكامل.

وبالرغم من الرغبة الحقيقية في العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، تبدو إدارة "بايدن" ممزقة بين الجزرة والعصا. وكان الاهتمام بالحوار واضحا في تعيين "بايدن" مبعوثا خاصا لإيران، كما أن اختياره في هذا الصدد، وهو "روبرت مالي"، أرسل أيضا رسالة ودية إلى طهران لأنه كان من المدافعين المعروفين عن نهج الدبلوماسية أولا تجاه إيران.

لكن هذا النهج الذي يبدو إيجابيا تراجع بقرار الإبقاء على العقوبات الاقتصادية على إيران، وهو أمر تعتبره إيران عملا عدائيا ومؤشرا على عدم وجود نية جادة للعودة إلى الاتفاق. وبالرغم من أهمية قرار الانسحاب من أفغانستان، فإن طي صفحة الولايات المتحدة أخيرا مع إيران سيكون أكثر أهمية.

وسيتعين على إدارة "بايدن" إنفاق رأس مال سياسي ضخم لإقناع الجمهوريين بأن الرئيس لا يخضع للزعماء الإيرانيين إذا قرر رفع العقوبات والتوقيع على خطة العمل الشاملة المشتركة وإقامة علاقات دبلوماسية طبيعية مع إيران. ومع ذلك، يبدو أن العودة إلى مثل هذه العلاقات شرط مسبق للتأثير على سلوك إيران، في كل من اليمن والمنطقة ككل.

كما أن مسألة النفوذ على الحوثيين ليست سهلة. ومنذ بداية الحرب في عام 2015، تجنبت الولايات المتحدة أي دور عسكري مباشر في اليمن، وليس لدى إدارة "بايدن" أي نية لتغيير هذه السياسة، الأمر الذي يعني التخلي عن العصا. أما الجزرة، التي تعني إزالة الحوثيين من تصنيف الإرهاب، فلم يكن لها تأثير كبير. علاوة على ذلك، سيتطلب تجاوز ذلك نهجا أكثر مباشرة، وبالتالي رفع مستوى العلاقات بين الجانبين، وهو ما يمثل أيضا إشكالية لـ"بايدن" فيما يتعلق بالسياسة الأمريكية المحلية.

 

الديناميكيات الداخلية في اليمن

وتزيد التأثيرات الإقليمية، بالرغم من أهميتها في مسار الصراع، من تعقيد الوضع الداخلي المعقد بالفعل في اليمن. ولقد أصبح من الكليشيهات أن الرئيس اليمني "عبدربه منصور هادي" لم يمارس سوى القليل من القيادة أو ربما انعدمت تماما، بالرغم من ترؤسه لما يعتبر دوليا الحكومة الشرعية لليمن.

ولم يدر ائتلافه بشكل جيد، وظل على خلاف خطير مع المجلس الانتقالي الجنوبي الذي أبقته قواته فعليا خارج عدن. أما حزب الإصلاح، وهو مكون رئيسي في حكومة "هادي"، فهو مؤيد للغاية للسعودية والعكس ضد الإمارات. أما الجنرال "طارق صالح"، الذي يقود قوات عمه الراحل "علي عبدالله صالح" ويواجه الحوثيين في الحديدة، فهو ممول بالكامل وتسيطر عليه الإمارات.

والأسوأ من ذلك هو الانقسام وانعدام التنسيق بين القوات الموالية لـ"هادي" التي تدافع عن مأرب من الحوثيين، الذين يشنون هجوما شرسا على المدينة منذ فبراير/شباط. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجنوبيين ليسوا أفضل حالا لأن المجلس الانتقالي الجنوبي يسيطر على عدن.

ويمثل الانقسام بين المجلس الانتقالي الجنوبي و"هادي" جزئيا الصراع الداخلي القديم في الجنوب والذي بلغ ذروته في حرب دموية عام 1986. ومع ذلك، قد تتم دعوة المجلس الانتقالي الجنوبي لتمثيل الجنوب في محادثات السلام المستقبلية، حتى لو كانت سيطرته على المنطقة كدولة مستقلة لا يزال ضعيفا في أحسن الأحوال.

واندلعت مظاهرات ومواجهات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين في شوارع تعز وعدن والجنوب بشكل عام بسبب التضخم والفقر وتدهور الأوضاع المعيشية. وسياسيا، تمثل هذه الاحتجاجات إدانة لحكومة "هادي"، التي لم تتمكن من تأمين أي أموال من الخليج أو أي مكان آخر لمعالجة الأوضاع في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحوثيين في اليمن.

وبالنسبة لمنطقة عدن الكبرى، تشير الاحتجاجات العامة أيضا إلى إدانة المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي انتزع السيطرة على الحكومة المحلية من قوات "هادي" لفشلها في توفير الخدمات الصحية والتعليمية والأمنية الأساسية التي يحتاجها الناس.

أما بالنسبة للحوثيين، فقد حافظوا إلى حد كبير على جبهة موحدة في المناطق الشمالية تحت سيطرتهم، بالرغم من أن جماعات حقوق الإنسان تقول إن ذلك تم من خلال الترهيب بدلا من الاحتواء. وتعمل هذه الوحدة بشكل جيد لصالح المجموعة في المفاوضات طالما أنهم يمثلون منطقتهم فقط.

وإذا وسع الحوثيون سيطرتهم إلى مناطق أبعد في جنوب وشرق اليمن وحاولوا التفاوض نيابة عن البلد ككل، فسيكون ذلك أمرا مختلفا. وتراجع الدعم القبلي للحوثيين في مأرب وحضرموت وتشكل القوات القبلية جزءا قويا من مقاومة تقدم الحوثيين في تلك المناطق.

وفي الجنوب، حيث رفض العودة إلى أي سيطرة شمالية، فإن الخوف من هيمنة الحوثيين يتقاطع مع الانقسامات داخل المنطقة ومن المرجح أن يكون القتال ضد مكاسب الحوثيين شرسا.

 

القيادة الجديدة مطلوبة

ويعد وجود ضباط عسكريين وضباط مخابرات سعوديين على الحدود الشرقية في المهرة دليل على قلقهم على المصالح الوطنية في تلك المنطقة من اليمن. وتؤكد القوات الإماراتية والمستشارون العسكريون الإماراتيون بدورهم على المصالح الإماراتية في عدن وسقطرى وجزيرة ميون، ومؤخرا في ميناء بلحاف على الساحل الجنوبي لشبوة، ربما استعدادا لتقدم محتمل للحوثيين في حال نجحت قواتهم في الاستيلاء على مدينة مأرب.

وتقع الخلافات بين السعودية والإمارات، وهما الركيزتان الرئيسيتان للتحالف العربي الذي يقاتل لدعم "الشرعية" في اليمن، لأن البلدين يدعمان فصائل مختلفة ويرعيان قادة محتملين مختلفين لحكومة يمنية مستقبلية.

ومع ذلك، وحتى لو تمكنت الولايات المتحدة من حمل هاتين القوتين الإقليميتين على تنحية خلافاتهما جانبا والعمل من أجل يمن موحد وسلمي وديمقراطي، فإن الانقسامات الداخلية، التي أحبطت لفترة طويلة مناورة ماهرة مثل تلك التي نفذها الرئيس الراحل "صالح"، تثبت بالتأكيد أنها تمثل صعوبة لا يمكن التغلب عليها لأي مفاوض سلام أمريكي. وهذا، بالطبع، ما لم يظهر زعيم جديد وأكثر جاذبية ومهارة من الرئيس "هادي" على الساحة ونجح في إعادة توحيد اليمنيين معا.

 

المصدر | نبيل خوري - المركز العربي واشنطن دي سي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد