ابن سلمان يزيح ظلّ أبيه: العرش على بُعد خطوة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 215
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

منذ أشهر، بل سنوات، تتزايد المؤشّرات إلى أن الملك السعودي، سلمان بن عبد العزيز، لم يَعُد يؤدّي أيّ دور مهمّ في الحياة السياسية للمملكة، وأن وليّ عهده، محمد بن سلمان، يُمسك بناصية الحُكم منذ أن أطاح بكلّ منافسيه من الأسرة، واحداً بعد الآخر، من مراكز القرار كافّة، وركّز جميع السلطات في يده، ما خلا منصبَي الملك ورئيس الوزراء، وهما منصبان يباشرهما وليّ العهد بالفعل، وإنّما من وراء صورة أبيه. بالقرارات الأخيرة التي صدرت باسم سلمان، ولكنّها حملت بصمة ابن سلمان نفسه، وأبرزها تعيين الأخير رئيساً للوزراء، استثناءً من حُكم المادة السادسة والخمسين من النظام الأساسي للحُكم، والتي تنصّ على أن الملك هو رئيس مجلس الوزراء، ومن الأحكام ذوات الصلة الواردة في نظام مجلس الوزراء، يقطع وليّ العهد جزئياً هذا الرابط مع أبيه، ويصبح على مسافة خطوة واحدة من تولّي العرش، سواءً بوفاة سلمان أو بعزله، فهل يوحي ما يجري بأنه يمهّد للإطاحة بوالده في حياته، وهو ما لم يحصل في تاريخ السعودية، إلّا في حالة الملك الراحل سعود الذي عزله إخوته، بقيادة الملك فيصل؟ وفي الحالات المعروفة الأخرى، بقي كلّ ملوك السعودية، منذ عبد العزيز آل سعود، في مناصبهم حتى يوم الوفاة. وفي الحالة التي تحمل كثيراً من أوجه الشبه بين ثُنائية الملك ووليّ العهد، ظَلّ الملك فهد في منصبه على رغم أنه كان مقعَداً عاجزاً منذ عام 1997 حين أصيب بجلطة دماغية، حتى وفاته في عام 2005، وكان أخوه عبدالله يتولّى الحُكم فعلياً، إلّا أنه لم يصبح رسمياً ملكاً أو رئيساً للوزراء إلا بعد الوفاة.
ومع ذلك، فلو كان انتقال المُلك المتوقَّع من سلمان إلى ابنه، طبيعياً، لكان يمكن القول إن ما حدث لا يمثّل تغييراً أساسياً، لكن لأن ولي العهد شخصية غير متوافَق عليها داخل الأسرة، ولا يحظى بتغطية غربية، أميركية تحديداً، كاملة حتى الآن، لتولّي العرش، تُصبح تلك القرارات ذات دلالات عميقة، وتأثيرات بعيدة على مستقبل المملكة. ولعلّ بصمة ابن سلمان تَظهر أكثر ما تَظهر في القرارات المرافقة، التي توحي بأن الأخير بدأ يحدّد شكل إدارته المقبلة، وأهمّها تعيين شقيقه خالد وزيراً للدفاع، ما يعطي انطباعاً بأنه سيكون وليّ عهده عند وصوله إلى العرش، على رغم الكلام الذي قاله كثير من المعارضين في الآونة الأخيرة عن استبعاده، مستدلّين على ذلك خصوصاً بغيابه عن الواجهة خلال قمّة جدة التي شهدت حضور الرئيس الأميركي، جو بايدن، إلى السعودية، علماً أن خالد كان واحداً من مُهندسي إعادة العلاقات بين الرجلَين من الجانب السعودي. وبدت لافتة، أمس، الصور التي بثّها التلفزيون السعودي وأظهرت خالد يقبّل رُكبة ولي العهد، في مشهد ذكّر بيوم انقلاب ابن سلمان على ابن عمّه محمد بن نايف عام 2007، حيث قبّل الأوّل يد الأخير وركبته، بعد الأمر الملكي الذي أطاح بابن نايف في ذلك الحين، ومن ثمّ لم يرَه أحد بَعدها، وسط تقارير عن تعرّضه لتعذيب متكرّر حيث يتمّ احتجازه مذّاك. أيضاً، وفي ما يبدو تعزيزاً للفريق الأمني المحيط بوليّ العهد، شملت الأوامر تعيين اللواء طلال العتيبي مساعداً لوزير الدفاع، وهو من الضباط الذين كرّمهم ابن سلمان في العام 2018 باعتباره واحداً من «المخلصين»، في غمرة اندفاعات الأوّل الكثيرة، ومنها العدوان على اليمن، واعتقالات «الريتز» التي طالت عدداً كبيراً من أبناء الأسرة.

ويقول المعارض عمر بن عبد العزيز الزهراني إن تعيين ابن سلمان رئيساً للوزراء، وفقاً لاستثناء من المادة السادسة والخمسين من دون تعديلها، يعني أن ابن سلمان عندما يصبح ملكاً سيحتفظ بمنصب رئيس الوزراء بقوّة النظام الأساسي للحُكم. ويردّ الزهراني التعيين إلى استحقاق يواجهه وليّ العهد في الولايات المتحدة بعد أسبوع، وهو الموعد الذي حدّدته المحكمة الناظرة في قضية اغتيال جمال خاشقجي، للتقرير في ما إذا كانت تريد منْح ابن سلمان الحصانة التي يمنحها القانون الأميركي لقادة الدول. ويبدو أن وليّ العهد، بحسب الزهراني، قد حصل على مشورة أميركية في هذا المجال، خاصة أنه خسر عدداً من القضايا في الولايات المتحدة، إحداها خصْمه فيها المُعارض سعد الجبري. وعلى رغم أن إدارة بايدن قد تطْلب، مِن جِهتها، منْح الحصانة لابن سلمان، في ضوء رفع إنتاج النفط السعودي إلى مستويات غير مسبوقة والتراجع الملحوظ في الأسعار، لكنّ القرار النهائي في هذا الخصوص يعود إلى المحكمة التي قد تأخذ بتوصية الحكومة الأميركية وقد لا تأخذ، أي قد تَعتبر أن رأس الدولة في السعودية هو الملك سلمان وما زال موجوداً في منصبه، وبالتالي لا يحق لوليّ العهد نيْل تلك الحصانة.

الخيار الآخر لابن سلمان هو الانتقال الكلّي إلى الحُكم، أي عزل الملك من منصبه، بدفْعه إلى التنازل عن العرش، إلّا أن ذلك يتطلّب ترتيبات أوسع بكثير، تشمل أطرافاً أخرى في الأسرة، وتتضمّن اجتماع هيئة البيعة لمبايعته ملكاً. ويبدو أن هذه الترتيبات ليست ناجزة بعد، وقد لا يمكن للأخير القيام بها إلّا عند وفاة أبيه.