مرحلة جديدة.. خطط أوروبا لتوسيع دورها في أمن منطقة الخليج

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 532
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

اجتمع مجلس الاتحاد الأوروبي في بروكسل في فبراير/شباط الماضي لمناقشة توسيع مفهوم الوجود البحري المنسق ليشمل شمال غرب المحيط الهندي، وقد تم تجريب هذا الأمر للمرة الأولى في خليج غينيا في بداية عام 2021، وتعد هذه أداة مرنة لدعم الأمن البحري عبر تعزيز الوعي المشترك والتحليل والمعلومات (في المجال البحري) بين الدول الأعضاء.

وخلص المجلس إلى أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يعزز التنسيق والتعاون مع بعثة التوعية الأوروبية البحرية في مضيق هرمز (إيماسوه) واعتبار "المنطقة البحرية ذات الاهتمام" هي شمال غرب المحيط الهندي، وهي منطقة تمتد من مضيق هرمز إلى المنطقة الاستوائية الجنوبية ومن شمال البحر الأحمر إلى مركز المحيط الهندي. وقد شكلت هذه القرارات إجماعًا نادرًا بين دول الاتحاد الأوروبي، ويؤكد ذلك أن الدول الأعضاء ترى أن الأمن البحري للخليج هو مصلحة إستراتيجية لأوروبا ككل.

وتم إطلاق "إيماسوه"، وهي مبادرة فرنسية، في يناير/كانون الثاني 2020 لضمان خفض التصعيد الإقليمي في الخليج وحرية الملاحة في البحار حول مضيق هرمز. ويقع مقر المبادرة الرئيسي في قاعدة بحرية فرنسية في أبوظبي، وقد تم إنشاؤها ردًا على الهجمات الإيرانية على الناقلات والسفن التجارية في المياه الإماراتية والضربات ضد منشأتي النفط في بقيق وخريص في السعودية، وكلاهما في عام 2019.

وبعد وقت قصير من الهجمات وبالتحديد في يناير/كانون الثاني 2020، أطلقت بلجيكا والدنمارك وفرنسا وألمانيا واليونان وإيطاليا وهولندا والبرتغال "إيماسوه" كمهمة مراقبة بحرية، باعتبار أن هذه الحوادث تقوض حرية الملاحة في الخليج وسلامة السفن في مضيق هرمز. ويشمل العنصر العسكري في "إيماسوه" (عملية أجينور) النرويج بالإضافة إلى الدول الأوروبية الثمانية، وتقوم بدوريات في الممر المائي بسبع سفن ووحدة مراقبة جوية.

وتخضع العملية لقيادة بلجيكية منذ مارس/آذار الماضي. وتتواجد 7 من الدول التسع في المقر الرئيسي بأبوظبي بينما تدعم البرتغال وألمانيا المسار الدبلوماسي للبعثة. ويعتبر قرار المجلس بتبني نظام "إيماسوه" رسميًا، والذي يعمل بالتوازي مع مشروع بناء الأمن البحري الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة، خطوة صغيرة في اتجاه اعتراف الأوروبيين بأنهم لن يكونوا قادرين دائمًا على الاعتماد على الولايات المتحدة للدفاع عن مصالحهم، حتى في الخليج الذي طالما اعتبره الأوروبيون "بحيرة أمريكية".

 

الدور الأمني الأوروبي في الخليج إلى أين؟

لا يعني ذلك أن الولايات المتحدة تغادر الخليج أو الشرق الأوسط على نطاق أوسع. وحتى في خضم تقليص حجم القوات على مدار العامين الماضيين، لا يزال لدى الولايات المتحدة أكثر من 13 ألف جندي وقواعد عسكرية كبيرة في الخليج، وتلعب واشنطن دورًا مركزيًا في عدد من المهام الأمنية متعددة الأطراف، بما في ذلك في المجال البحري.

ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة تعيد ضبط مشاركتها بالتأكيد خاصة مع تحول المصالح، بما في ذلك ظهور محور لاحتواء الصين في منطقة آسيا والمحيط الهادئ وإنهاء الاعتماد الأمريكي على إمدادات الطاقة من الشرق الأوسط والذي كان منذ فترة طويلة السبب الرئيسي لموقفها الإقليمي.

في المقابل، تسعى أوروبا إلى تعزيز علاقاتها في مجال الطاقة مع موردي الشرق الأوسط للتغلب على اعتمادها على النفط والغاز الروسي، وهو جهد من المرجح أن يتصاعد في حالة قيام الاتحاد الأوروبي برفع مستوى التحركات لحظر واردات النفط الروسي. وبالفعل، شهدت الأسابيع الماضية تواصلا أوروبيا مع الجزائر والمغرب، بالإضافة إلى إعادة النظر في البنية التحتية الجديدة للطاقة لتسهيل الواردات من دول شرق البحر المتوسط. وتتطلع بعض العواصم الأوروبية أيضًا إلى الغاز الإيرانيلذلك تضاعف جهودها لإحياء الاتفاق النووي في أقرب وقت ممكن.

وفي حين أن شمال أفريقيا وإيران وشرق البحر الأبيض المتوسط ​​خيارات مجدية على المدى الطويل، فإن البنى التحتية الحالية للطاقة في هذه الأماكن إما مهجورة أو غير موجودة، ما يحول دون حل سريع لأزمة الطاقة في أوروبا. وسيكون الفوز بالجائزة الكبرى هو تأمين شراكة في مجال الطاقة مع دول الخليج التي يمكن أن تزيد الإمدادات إلى أوروبا بسرعة أكبر ولديها القدرة على استقرار سوق الطاقة العالمية على حساب روسيا.

وقد أبرم مسؤولون من إيطاليا وألمانيا بالفعل صفقات توريد مع قطر، بينما ستبدأ شركة "توتال إنرجي" الفرنسية شحن النفط الإماراتي إلى أوروبا هذا الشهر. وقام الاتحاد الأوروبي أيضا بالتخطيط لإطلاق إستراتيجية جديدة للطاقة ستتميز 

ويدرك صانعو السياسة الأوروبيون أنه إذا أصبحت البحار المحيطة بشبه الجزيرة العربية بوابة لحصة متزايدة من شحنات الطاقة إلى أوروبا، فإن الأمن البحري في الخليج سيصبح مصلحة استراتيجية للاتحاد الأوروبي. وبالفعل، فإن هذه المنطقة البحرية تمثل حاليا أهمية خاصة لأوروبا من الناحية الاقتصادية حيث يمر أكثر من 10% من التجارة العالمية عبر مضيق هرمز ومضيق باب المندب إلى جانب قناة السويس.

ويأتي جزء كبير من هذه التجارة إما من أوروبا أو يذهب إليها. ولا ترتبط الدول الأوروبية بعلاقات تجارية مهمة مع الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي فحسب، بل أصبحت بعض موانئ دول الخليج أيضًا نقاطًا رئيسية للربط الاقتصادي بين آسيا وأفريقيا وأوروبا.

أخيرًا، فإن الدور الأقوى لأوروبا كمزود للأمن في الخليج له منطق جيوسياسي أيضًا. وفي الواقع، قد يغير ذلك من نظرة الممالك الخليجية إلى الدول الأوروبية في المنطقة. ولا تنظر عواصم الخليج إلى الدول الأوروبية كمزود أمن إقليمي، مع استثناء جزئي لفرنسا والمملكة المتحدة. ومع عدم عدم تقديم نفسهم كجهات فاعلة أمنية أو جيوسياسية، فإن الأوروبيين لا يُنظر لهم أيضًا على أنهم محاورون أمنيون أو جيوسياسيون.

وقد منع ذلك الأوروبيين من التأثير على سياسات الممالك الخليجية في جوارهم المشترك - البحر الأبيض المتوسط ​​- أو من تقديم مساهمات كبيرة لخفض التصعيد بين الخليج وإيران. كما أن ذلك أعاق قدرة القادة الأوروبيين - حتى أولئك الذين لديهم صلات بالممالك الخليجية مثل الرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" - على إقناع الرياض وأبوظبي بالوقوف بشكل لا لبس فيه مع الولايات المتحدة وأوروبا ضد روسيا وسط غزوها لأوكرانيا.

ويتناسب التركيز على دور أكبر للأوروبيين كمقدمين للأمن في المجال البحري مع وثيقة شراكة السياسة الشاملة القادمة، بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي، والتي سيتم نشرها في وقت لاحق من هذا العام، والتي ستشجع المزيد من المناورات المشتركة والتدريبات البحرية.

 

آفاق المستقبل

سيكون لقرار الاتحاد الأوروبي بالانخراط أكثر في الأمن البحري لشمال غرب المحيط الهندي العديد من التداعيات المستقبلية. وسيمّكن "الوجود البحري المنسق" الاتحاد الأوروبي من تبادل المعلومات الاستخباراتية وتفعيل التنسيق في شمال غرب المحيط الهندي وإنشاء روابط فعالة بين "إيماسوه" وعملية "أتالانتا"، وهي عملية تضم  دول الاتحاد الأوروبي في مهمة مكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال. كما أن تحويل مضيق هرمز والبحر الأحمر إلى منطقة متكاملة واحدة من شأنه أن يعزز القدرة على تأمين كليهما.

ويعد تبني الاتحاد الأوروبي لـ"إيماسوه" بمثابة ضوء أخضر لجيل جديد من المهام المخصصة والمرنة التي يمكن نشرها في مناطق حساسة بالنسبة لمصالح الاتحاد الأوروبي، مما يعوض عملية اتخاذ القرار المطولة داخل منظومة السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة للاتحاد الأوروبي. وستصبح هذه الفئة من المهام، والتي تشمل عملية "تاكوبا" في منطقة الساحل بالإضافة إلى المشاركة البحرية الأوروبية في المحيطين الهندي والهادئ، أكثر شيوعًا وستعزز القدرة الأوروبية على الردع.

ونظرًا لأن "إيماسوه" لديها الآن تفويض واضح من الاتحاد الأوروبي، فقد يكون الأعضاء الحاليين مثل ألمانيا والبرتغال والدول الأخرى التي لم تكن جزءًا من المجموعة أكثر ميلًا للمساهمة عسكريًا. وستحتاج "إيماسوه" إلى تعزيز انتشارها البحري وتعزيز قدرات المراقبة الجوية لديها إذا أرادت أن تصبح ذات مصداقية وسط المنافسة المتزايدة متعددة الأقطاب في المنطقة.

في الوقت الحالي، فإن دول الخليج ليست في وضع يمكنها من توفير الأمن البحري حول مضيق هرمز وبحر العرب بمفردها. لقد استمروا في القول بأن المنطقة ذات أهمية عالمية وبالتالي لا ينبغي أن يكونوا الفاعلين الوحيدين المسؤولين عن الأمن البحري. وبالنظر إلى ذلك، فإن الخطر يكمن في أن الجهات الفاعلة الخليجية ستدعو المزيد والمزيد من الشركاء الدوليين - بما في ذلك خصوم الولايات المتحدة وأوروبا مثل الصين وروسيا - للقيام بدوريات في المياه.

وقد يردع الوجود الأوروبي الأكبر الجهات الفاعلة الإقليمية عن مثل هذه التحركات، بينما يسمح للولايات المتحدة بالتخلي عن بعض العبء الأمني ​​الذي تريد التخلص منه.

أخيرًا، يشير المصطلح الجديد "شمال غرب المحيط الهندي" إلى أن الدول الأوروبية قد تتجاوز قريبًا مناطق العمليات الحالية في "أتالانتا" و "إيماسوه". في الواقع، جادلت بعض الاتحاد الأوروبي - على وجه التحديد فرنسا - بأن البحر الأحمر بالكامل ومضيق باب المندب حيويان للمصالح الأوروبية. ومن خلال حماية هذه المجاري المائية، فإن دول الاتحاد الأوروبي ستجني 3 فوائد على المدى القصير والمتوسط ​​والطويل.

أولاً، سيتعزز الوجود الأوروبي في البحر الأحمر الذي تسعى روسيا إلى إحراز تقدم فيه. ثانيًا، قد تمنح مراقبة باب المندب وساحل البحر الأحمر نفوذا أكبر للأوروبيين في الصراع اليمني. ثالثًا وأخيرًا، يمكن أن يقلل ذلك أيضًا من قدرة الحوثيين وغيرها من الميليشيات على استخدام التهديدات ضد الشحن الدولي كوسيلة للابتزاز السياسي.

 

المصدر | سينزيا بيانكو و ماتيو موريتي | معهد الشرق الأوسط - ترجمة وتحرير الخليج الجديد