ألكسندر نازاروف: عفواً الرياض.. لا شيء شخصي إنه البيزنس!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 141
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ألكسندر نازاروف
هل تحتضر المملكة العربية السعودية وغيرها من دول الخليج النفطية جراء مسارات “الطاقة الخضراء”؟
ظهرت أولى بوادر تعامل الرئيس الأمريكي الجديد، جو بايدن، للمملكة العربية السعودية برفضه توريد الأسلحة في الحرب باليمن. فهل تلك مجرد تفاصيل ثانوية أم أن هناك أسباباً أخرى سياسية لبرودة العلاقات الأمريكية السعودية على المدى الطويل؟
تتحرك الإنسانية تدريجياً نحو هاوية أكبر أزمة اقتصادية تواجهها منذ قرون. إنها أزمة فائض الإنتاج، وكذلك أزمة نهاية الدورة التكنولوجية الحالية. فمع التقنيات الحالية، أصبح من المستحيل رفع مستوى الاستهلاك البشري فوق المستوى الحالي. وفي كل مرة كان الخروج من الأزمة مرتبط بانتقال البشرية إلى مستوى جديد من التكنولوجيا، كما حدث من قبل في الانتقال إلى مصانع النسيج، والمحرك البخاري، ومحرك الاحتراق الداخلي، والكهرباء، وغيرها. وهو ما أدى إلى ظهور صناعات جديدة، ومعها إلى دورة استثمار جديدة. لكن الأزمة والخروج منها ربما يستغرقان عقوداً.
الآن، لم يعد هناك مكان يمكن الاستثمار فيه، وليس هناك الكثير من الطلب الفعلي حول العالم لشراء جميع السلع المنتجة. ويجب إفلاس جزء كبير من الإنتاج العالمي، وهو ما سيصاحبه انهيار الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وتحول مركز الاقتصاد العالمي على مدى قرون قادمة إلى آسيا.
المشكلة في أنه لا توجد حتى الآن أي اختراقات علمية وتقنية من شأنها أن تؤدي إلى زيادة كبيرة في الإنتاجية.
في ظل هذه الظروف، يحاول “سادة العالم”، نخب مشروع العولمة الأمريكية، اختلاق مثل هذه الصناعات عمداً، أملاً في تأخير موت المشروع الغربي للعولمة بهذه الطريقة.
في الواقع أن مثل هذه الصناعات الجديدة موجودة، لكنها لا توفر الانتقال إلى مستوى أعلى من الكفاءة والإنتاجية، بل على العكس، هي أقل ربحية.
في عهد الرئيسين أوباما وترامب، كان هناك النفط والغاز الصخريين. وحتى عام 2016، شكّلت هذه الصناعات 45% من جميع الاستثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي وفرت هذه الصناعات نصف إجمالي النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. ولكن، ومع انخفاض أسعار النفط، لم يعد جزء كبير من هذه الصناعة مربحاً. كما أن المزيد من التوسع أصبح موضع تساؤل، بل إن استنفاد هذا المشروع يساهم على نحو كبير في التدهور الاقتصادي الأمريكي الراهن.
لكن النخب الغربية اهتدت إلى مشروع جديد، ألا وهو “الطاقة الخضراء”، حتى أنهم أعدّوا مشروعاً خاصاً تحت اسم “غريتا تونبرغ”، والتي يتعيّن أن تصبح رمزاً للنضال من أجل مستقبل مشرق وصديق للبيئة، الذي يفترض أن تفضي إليه “الطاقة الخضراء”.
إلا أن كل شيء ليس بهذه البساطة. ففي الآونة الأخيرة، ظهرت منشورات تزعم أنه مع زيادة حجم الاستثمارات، سيصبح توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح أكثر ربحية من توليد الطاقة النووية وغيرها من مصادر الطاقة “غير النظيفة”. هذه معلومات مشكوك في صحتها، ناهيك عن أنه ليس لدى جميع البلدان الظروف اللازمة لتوليد الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح. ولكن، وعلى أي حال، فإن الانتقال إلى “الطاقة الخضراء” يتطلب تريليونات، بل وحتى عشرات التريليونات من الدولارات، وهو ما لا يمتلكه أحد في الوقت الحالي.
لكن مهلاً، لقد طبعت البنوك المركزية في الغرب (الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان وأستراليا.. إلخ) في العام الماضي واحده، وفقاً لبعض التقديرات، ما قيمته 14 تريليون دولار من الأموال غير المغطاة.
وبينما يتم تداول هذه الأموال في البورصات العالمية، يستخدمها الغرب لشراء سلع حقيقية ومواد أولية من الدول النامية. باختصار، هناك إعادة توزيع للأرباح في إطار الاستعمار الجديد.
ولكن نفس تلك الأموال، أو حتى عشرات التريليونات الإضافية الجديدة غير المغطّاة، يمكن توجيهها لتوليد “الطاقة الخضراء” في الغرب. وسوف تطبع البنوك المركزية في أوروبا، ما يلزم تلك العملية من أموال.
أمّا بقية العالم، الذي سيقبل هذه الدولارات واليورو والين مقابل السلع والمواد الخام، سوف يدفع ثمن انتقال الغرب إلى مصادر الطاقة المتجددة. في الوقت نفسه، وكما هو متوقع، يجب أن يطلق هذا دورة استثمارية جديدة تقود اقتصادات الدول الغربية للخروج من الأزمة.
ومع ذلك، وكما ذكرت، يقول عدد من الخبراء إن توليد مثل هذه الطاقة “النظيفة” لا يزال غير مربح مقارنةً بمصادر الطاقة التقليدية “غير النظيفة”، مثل الطاقة النووية والغاز وحتى الفحم. حيث ستكون المنتجات التي ستُنتج باستخدام الطاقة “النظيفة” أكثر تكلفة من نظيراتها “غير النظيفة”.
لهذا يخطط الغرب لفرض رسوم إضافية على سلع من دول أخرى، بحجة أن هذه الدول تستخدم مصادر طاقة “غير نظيفة”، ولا يناضلون من أجل البيئة مع “غريتا تونبرغ”.
لتحقيق هذا الهدف يمكن اختلاق أجمل الذرائع وأسمى التبريرات، لكن لا ينبغي أن تكون مضلّلة، فنحن نتحدث هنا عن منافسة مبتذلة وغير شريفة.
لقد أعلن الاتحاد الأوروبي بالفعل عن مثل هذه النوايا، وبعد فوز جو بايدن، الداعم للعولمة، فمن المتوقع أن تنضم الولايات المتحدة الأمريكية إلى تلك الجوقة قريباً.
فمن أين للسودان أو المغرب، على سبيل المثال لا الحصر، بالحصول على عشرات المليارات من الدولارات للتحوّل إلى توليد الطاقة الشمسية؟ من الواضح أن بضائع معظم الدول العربية ستخضع لرسوم إضافية.
بطريقة أو بأخرى، سوف تقع البلدان المصدرة للوقود الأحفوري تحت ضربة مزدوجة، فمن جانب سوف يقلل الغرب من استهلاك المواد الخام التي يستخرجونها، ما سوف يؤدي إلى انخفاض أسعار الطاقة، كما سيسحب جزءاً من أرباحها من خلال فرض ضريبة على السلع المنتجة خارج الغرب.
وبطبيعة الحال، فإن المملكة العربية السعودية ودول الخليج النفطية سوف تكون في طليعة المتضررين، حيث تعتمد اقتصادات تلك الدول بشكل مفرط على أسعار الطاقة، وسيبحث الخليج عن مستهلكين جدد.
لقد كتبت من قبل عن أن أي اتحاد بين دول الخليج والصين هو زواج مثالي من وجهة النظر الاقتصادية. وأعتقد أن الصين سوف تكون مستعدة، في غضون 10 سنوات، لزيادة وارداتها من موارد الطاقة الأحفورية، إلا أن واشنطن لا يمكن أن تسمح بانتقال الخليج إلى قبضة الصين.
وإذا كنت في السابق أتحدث عن هذا الصراع باعتباره احتمالاً بعيداً، فبعد انتصار العولمة في الانتخابات الأخيرة بالولايات المتحدة الأمريكية، أصبح ذلك الصراع ضمن جدول أعمال اليوم وغداً. وأتوقع اشتداد الصراع الصيني الأمريكي على نفط الخليج، وتعقيداً أكبر في العلاقات الأمريكية السعودية في المستقبل القريب، خلال ولاية الرئيس الأمريكي، جو بايدن.
(روسيا اليوم)