تحديات هائلة أمام التسوية السياسية في اليمن.. وموازين القوى كلمة السر

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 125
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

بالنسبة للمسؤولين الأمريكيين الذين عملوا في عهد الرئيس السابق "باراك أوباما"، واقترب الكثيرون منهم من الحصول على أدوار في إدارة الرئيس الحالي "جو بايدن"، فإن الحرب في اليمن تلقي بظلال مظلمة.

وما بدأ في عهد "أوباما" على أنه صراع داخلي على السلطة، تحول منذ ذلك الحين إلى صراع فوضوي معقد متعدد الطبقات. وتعتبر معضلة اليمن الأزمة الإنسانية الأكثر خطورة في العالم، فضلا عن أنها تنطوي على انتهاكات للقانون الدولي، ارتُكب العديد منها بأسلحة أمريكية، وأصبحت محفزا محتملا لنشوب حريق أكبر على مستوى المنطقة.

وبالنسبة للكثيرين في فريق السياسة الخارجية لـ "بايدن"، يمثل اليمن جزءا صغيرا ولكنه مهم في اتجاه تصحيح المسار الأوسع المطلوب في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط.

وربما يفسر ذلك سبب نشاط الإدارة الجديدة فيما يتعلق بالملف اليمني. فمنذ توليه منصبه قبل 3 أسابيع، تحرك "بايدن" لإلغاء تصنيف إدارة "ترامب" للمتمردين الحوثيين كمنظمة إرهابية، وبدأ مراجعة سياسة الولايات المتحدة في اليمن، وعين الدبلوماسي المخضرم "تيموثي ليندركينج" مبعوثا خاصا للبلاد في اليمن.

وفي أول خطاب رئيسي لـ"بايدن" حول السياسة الخارجية، في 4 فبراير/شباط، أعلن أن الولايات المتحدة ستوقف "الدعم الهجومي" للجهود الحربية للتحالف بقيادة السعودية في اليمن، بما في ذلك نقل الذخائر الموجهة بدقة، مع "تصعيد" الدعم الدبلوماسي لجهود الوساطة التي تقودها الأمم المتحدة.

وبالطبع يعد توجه الإدارة الأمريكية نحو إنهاء الحرب أخبارا جيدة، لكن يجب على إدارة "بايدن" المضي قدما وهي تأخذ الصورة الكاملة في الاعتبار. فيجب أن تعمل مع السعودية وغيرها من الأطراف من أجل تنفيذ وقف إطلاق النار أو تهدئة القتال على طول الخطوط الأمامية الرئيسية بقدر ما يمكن، وللتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية كذلك وهذا هو الأهم.

لكن عليها أيضا أن تضع في اعتبارها أن الحرب على الأرض تدور رحاها بين اليمنيين، وأن اليمنيين هم من يحتاجون إلى إنهائها. وبدون دعم واسع من مجموعة واسعة من الجهات الفاعلة المحلية، لن تحقق الإجراءات السريعة سلاما طويل الأمد.

وبإنهاء "الحرب الكبيرة" بين قوات الحوثيين وتلك المتحالفة مع السعودية والرئيس "عبدربه منصور هادي"، فإن اليمن قد يواجه سلسلة من "الحروب الصغيرة" الأكثر صعوبة. ولتجنب ذلك، ستحتاج إدارة "بايدن" إلى تبني نهج أكثر شمولية تجاه اليمن.

 

تدخل سعودي وتردد أمريكي

عندما تدخلت السعودية وشركاؤها في التحالف في الحرب الأهلية في مارس/آذار 2015، اختار "أوباما" تبني نهج متناقض تجاه الصراع. وقبل ذلك بأشهر، أطاح الحوثيون المتحالفون مع إيران بـ"هادي"، عندما استولوا على العاصمة صنعاء. وكان الحوثيون وقتها مدعومين من الرئيس المخلوع "علي عبدالله صالح".

وأراد المسؤولون الأمريكيون أن يظهروا دعمهم لـ"هادي" كما أرادوا طمأنة السعودية بأنهم ملتزمون بأمن المملكة وسط المفاوضات الجارية بشأن الاتفاق النووي مع إيران والذي عارضه المسؤولون السعوديون بشدة.

وفي الوقت نفسه، لم تقبل واشنطن وجهة نظر الرياض في الأزمة بشكل كامل. وكان فريق "أوباما" قلقا من أن السعوديين يبالغون في علاقات الحوثيين بإيران، وأن الأهداف التي أعلن السعوديون أنهم يسعون لتحقيقيها خلال أسابيع أو أشهر طموحة للغاية. وتضمنت هذه الأهداف إعادة "هادي" إلى السلطة، واستعادة الأراضي والأسلحة التي سيطر عليها الحوثيون، وإنهاء التوسع الإيراني والتهديدات الحوثية للمملكة.

كما كان فريق "أوباما" قلقا من أن الجيش السعودي يفتقر إلى القدرة على شن حرب دقيقة باستخدام معدات عسكرية أمريكية الصنع. وفي نهاية المطاف، انتهى الأمر بـ"أوباما" إلى السعي وراء حل وسط محرج، وهو توفير الغطاء السياسي والاستخباراتي والدعم التشغيلي للرياض إلى جانب التدفق المستمر للأسلحة، لكنه لم يصل إلى حد الانضمام إلى التحالف الذي تقوده السعودية في نشاط مباشر على الخطوط الأمامية، وكل ذلك أثناء الدعوة علنا لتسوية سياسية لإنهاء الحرب.

وبحلول أواخر عام 2016، بعد عام ونصف من التدخل السعودي، كانت الخسائر في صفوف المدنيين تتزايد، وظل النصر العسكري الحاسم بعيد المنال بالنسبة لأي طرف، وكانت جهود وساطة الأمم المتحدة تتعثر.

وحاول وزير الخارجية الأمريكي آنذاك "جون كيري" التوسط للوصول إلى حل وسط قدم من خلاله شروطا جذابة إلى حد ما لتحالف "الحوثي-صالح". وكان العرض يقتضي زيادة حصة الحوثيين في السلطة في حكومة ما بعد الحرب ويحد من التنازلات العسكرية المطلوبة منهم، مع تهميش "هادي".

وفي ديسمبر/كانون الأول 2016، أوقفت الإدارة الأمريكية بيع بعض الصواريخ الموجهة بدقة تعبيرا عن القلق بشأن الخسائر المدنية الناجمة عن الضربات الجوية السعودية.

ومع ذلك، كان فوز "دونالد ترامب" في الانتخابات الرئاسية الأمريكية في ذلك العام إشارة للمسؤولين في الرياض وحكومة "هادي" إلى أن الضغط الأمريكي قد يتلاشى قريبا. وأظهر العديد من مسؤولي إدارة "ترامب" بالفعل ميلا إلى دعم المجهود الحربي في اليمن كجزء من حملة أوسع ضد إيران.

لكن سلوك السعودية في أماكن أخرى كان يثير انتقادات متزايدة في واشنطن، وخاصة مقتل الصحفي السعودي "جمال خاشقجي" على يد فرقة اغتيال سعودية في إسطنبول. وكان العديد من الدبلوماسيين والمسؤولين الدفاعيين الأمريكيين متشككين في قدرة الدعم الأمريكي على ترجيح كفة الصراع.

ووسط ضجة الكونجرس بشأن مقتل "خاشقجي"، والتحذيرات من مجاعة محتملة في اليمن، تدخل وزير الدفاع آنذاك "جيمس ماتيس"، في ديسمبر/كانون الأول 2018، لمنع هجوم كبير بقيادة الإمارات على ميناء الحديدة الذي يسيطر عليه الحوثيون ويعتبر شريان الحياة الاقتصادي والإنساني لملايين اليمنيين.

وتراجعت اليمن في قائمة الأولويات الإقليمية للولايات المتحدة منذ عام 2019، إلى أن صنف وزير الخارجية المنتهية ولايته "مايك بومبيو" الحوثيين وكبار قادتهم على أنهم إرهابيون في الأيام الأخيرة للإدارة. وبدلا من تقديم مبادرة سياسية مستدامة، كان التصنيف هدية وداع للرياض وأزمة مغلفة موجهة إلى إدارة "بايدن"، لما للإجراء من عواقب وخيمة محتملة على الوضع الإنساني في اليمن.

 

هل تتبع واشنطن نهجا جديدا في اليمن؟

وجلبت الإدارة الجديدة معها طاقة جديدة وأفكارا حول كيفية إنهاء الصراع ومعالجة الأزمة الإنسانية. وأكد "بايدن" وكبار مستشاريه أيضا أنهم سيحاولون إعادة ضبط علاقة واشنطن بالرياض والعودة إلى الدبلوماسية مع إيران، من خلال العودة إلى الاتفاق النووي الذي انسحبت منه إدارة "ترامب" عام 2018. 

ويأمل بعض الدبلوماسيين العاملين في اليمن والملفات الإقليمية الأخرى في إمكانية إدارة هذه الحلقات السياسية المختلفة بالتوازي، لتحقيق تأثير تكاملي. وفي عالمهم المثالي، تعود الإدارة الجديدة إلى الاتفاق النووي بينما تستخدم تخفيف العقوبات لإقناع إيران بالعودة إلى الوفاء بالتزاماتها بموجب الاتفاق. وفي الوقت نفسه، تعمل الولايات المتحدة من أجل السلام في اليمن من خلال الدبلوماسية، وهو أمر تعتقد الإدارة أنه سيكون أسهل الآن بعد أن أخرجت نفسها بوضوح من الحرب. 

ويعد الموقف الأمريكي الجديد بشأن اليمن تحولا مرحبا به بعد موقفها الغامض على مدى الأعوام الـ 6 الماضية، والتي شهدت دعوة واشنطن للسلام أثناء مشاركتها في الحرب. ويعتبر هذا الموقف الجديد إشارة أولى قوية على التزام حملة "بايدن" بوضع الدبلوماسية في المرتبة الأولى في السياسة الخارجية للولايات المتحدة.

لكن إنهاء الدعم العسكري للحرب والإعلان عن مسعى دبلوماسي جديد لإنهاء الصراع لا ينبغي أن يُنظر إليه على أنه مرادف لإحلال السلام في اليمن. فبينما يجب على إدارة "بايدن" أن تسعى إلى إنهاء القتال من أجل تخفيف الأزمة الإنسانية، يجب أن تضع في اعتبارها أيضا التعقيدات التي من المحتمل أن تواجهها.

ويعتبر التحدي الأساسي الذي يواجه صانعي السياسة الأمريكيين هو توازن القوة العسكرية على الأرض، والذي تأرجح بشكل كبير على مدار العامين الماضيين لصالح الحوثيين. على سبيل المثال، أغلق الحوثيون مؤخرا مدينة مأرب ذات الأهمية الاستراتيجية والرمزية شرق صنعاء.

وتعد مكاسب الحوثيين على الأرض نقطة قلق بين القوات المناهضة لهم والتي تشمل قوات حكومة "هادي" المعترف بها دوليا، والمتمركزة الآن في مدينة عدن الساحلية الجنوبية، وكذلك رجال القبائل في مأرب والمقاتلين على ساحل البحر الأحمر بقيادة الحليف السابق للحوثيين، "طارق صالح"، ابن شقيق الرئيس السابق "علي عبدالله صالح".

وترى هذه الكتلة أن أي صفقة يتم التوسط فيها على أساس حقائق ساحة المعركة الحالية من شأنها أن تمنح الحوثيين موقعا مهما من السلطة والسيطرة على الأراضي. لذلك تعتبر هذه الكتلة التحركات الأمريكية الأخيرة بمثابة تخلي عن نفوذ مهم وأنها ألقت بالكرة في ملعب الحوثيين، الذين كثفوا حملة مأرب بعد أيام قليلة من انتشار أنباء عن خطط إدارة "بايدن" للتراجع عن تصنيف الحركة كمنظمة إرهابية. 

كما يخشى خصوم الحوثيين أن يستخدم المتمردون شروط أي اتفاق لتوسيع نفوذهم من خلال الاستيلاء على مأرب، مع القضاء على أي معارضة داخلية لحكمهم. ويشعر العديد من اليمنيين في هذا المعسكر بالقلق أيضا من أن تصعيد الضغط الأمريكي على الرياض لكبح حملتها العسكرية قد يؤدي بالسعوديين ببساطة إلى إبرام صفقة مع الحوثيين تعالج بالكاد المخاوف الأمنية الرئيسية للسعودية وتحظى بموافقة الأمم المتحدة، لكنها في الواقع تسلم السلطة إلى سلطات الأمر الواقع الحوثية في صنعاء.

وقد يفسر القلق بشأن مثل هذه النتيجة الحملة الصاخبة التي تبناها خصوم الحوثيين لدعم تصنيف إدارة "ترامب" للحركة كجماعة إرهابية في أوائل يناير/كانون الثاني الماضي، بالرغم من الإدانة العالمية لهذه الخطوة من قبل الجماعات الإنسانية.

وخلال الفترة الماضية، كانت حكومة "هادي" تقاوم اتفاقا اقترحته الأمم المتحدة، يتضمن وقف إطلاق النار وتدابير بناء الثقة تليها العودة إلى المحادثات السياسية الوطنية. وقال مسؤولون بالحكومة اليمنية إن الاتفاقية ستفيد الحوثيين إلى حد كبير، بالرغم أن الأمم المتحدة اقترحت المبادرة من أجل منع وقوع معركة مدمرة في مأرب.

وحتى لو تمكنت حكومة "هادي" من التوصل إلى اتفاق مع الحوثيين بشأن وقف إطلاق النار أو اتفاق لتقاسم السلطة، فمن غير المرجح أن تقبله الجماعات المحلية التي كانت تقاتل الحوثيين، تحت مظلة الحكومة وخارجها، خاصة إذا كان الاتفاق يتضمن إعادة تركيز السلطة والقوة في صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

ويعتبر هذا الاتفاق خطا أحمرا للانفصاليين الجنوبيين في عدن والمحافظات المجاورة، وكذلك رجال القبائل في المناطق التي تتمتع بحكم شبه ذاتي مثل مأرب في الشمال. وستتطلب التسوية السياسية المستدامة مشاركة الفصائل المسلحة والسياسية المختلفة التي تشكل الكتلة المناهضة للحوثيين.

وفي الوقت الحالي، تفتقر الولايات المتحدة، مثل معظم اللاعبين الدوليين الآخرين، إلى الاتصالات أو الأدوات اللازمة للضغط لإقناع الحوثيين وخصومهم المحليين بتقديم تنازلات ذات مغزى.

 

التحدي المقبل

ولا يعني أي من هذا أن الإدارة الجديدة لا ينبغي أن توجه المزيد من الجهد نحو إيجاد حل سياسي في اليمن جنبا إلى جنب مع الأمم المتحدة وأن السلام مستحيل في اليمن.

ولكن يجب أن يدرك المسؤولون الأمريكيون ماهية الحرب في اليمن، التي تعتبر صراع معقد متعدد الطبقات، وأن يكونوا على دراية بأن العديد من الدوائر اليمنية تخشى عملية سياسية تؤدي إلى مزيد من زعزعة الاستقرار بقدر ما يرغبون في إنهاء الحرب. وفي غياب التأييد الجمعي، من المرجح أن تستمر الحرب، حتى لو تغير شكل الصراع.

ومن الناحية المثالية، ستجد الولايات المتحدة وشركاؤها طريقة للحصول على الأقل على قدر من هذا القبول للجهود التي تقودها الأمم المتحدة للتوسط في وقف إطلاق النار وإحضار الأطراف إلى طاولة المفاوضات وجها لوجه.

لكن إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن تعزيز السلام في اليمن، فعليها أن تدرك أن بناء تسوية سياسية شاملة حقا سيتطلب عملا دبلوماسيا مضنيا مع جميع أطراف النزاع والذي قد يواجه سلسلة من الإحباطات المتتالية.

ومن المحتمل أن تكون هناك حاجة إلى عملية متعددة المراحل تبدأ بوقف إطلاق النار للتخفيف من حدة الأزمة الإنسانية وتسهيل العودة إلى المحادثات السياسية.

وعندما يحين وقت تلك المحادثات السياسية، ينبغي بذل كل جهد لضمان أن تعكس التسوية السياسية (إلى حد ما على الأقل) وجهات نظر الأطراف المحلية التي سيكون قبولها ضروريا لضمان نجاح التسوية، حتى لو كان ذلك يعني عملية تفاوض طويلة الأمد.

وإذا أرادت إدارة "بايدن" النجاح في اليمن، فستحتاج إلى اتخاذ المسار الأطول.

 

المصدر | بيتر ساليسبري/وورلد بوليتكس ريفيو - ترجمة وتحرير الخليج الجديد