ما مدى صحّة الخِلاف الذي تحدّثت عنه صُحف أمريكيّة بين العاهل السعودي ووليّ عهده حول التّطبيع مع إسرائيل؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 557
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

وما هي المُؤشّرات الأربعة التي تُرجّحه؟ وكيف ستكون انعِكاساته في الدّاخل السعوديّ والمِنطقة العربيّة؟
عندما تتحدّث صحيفة “وول ستريت جورنال” الأمريكيّة المُقرّبة مِن الرئيس دونالد ترامب عن وجود خلاف بين العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز ونجله الأمير محمد، وليّ العهد، حول قضيّة إبرام سلام مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي على غِرار ما فعلته كُل من الإمارات والبحرين أخيرًا، فإنّ هذا الحديث، وبحُكم العديد من القرائن، ينطوي على بعض، إن لم يَكُن الكثير مِن الصدقيّة، ويجب أخذه في عين الاعتِبار بالنّظر إلى الظّروف الحاليّة التي تَمُر بها المملكة.
الصّحيفة التي تُعتبر من الصّحف المُفضّلة أيضًا للأمير محمد بن سلمان، وأعطاها رعايةً خاصّةً، وخصّها بإجراء مُقابلات معه، ومسؤولين سعوديين آخرين، وتغطية الكثير من الفَعاليات في بلاده، وخاصّةً بعض جوانب الحرب في اليمن، أكّدت أنّ الملك سلمان يَرفُض توقيع أيّ اتّفاق تطبيع مع دولة الاحتِلال، ويُعارض نجله الذي قالت إنّه لم يُخبره بالاتّفاقين الإماراتي والبحريني مُسبقًا، وأنّه مُتمسّكٌ بمُبادرة السّلام العربيّة، وقِيام دولة فِلسطينيّة مُستقلّة على عكس وليّ عهده.
هُناك أربعة مؤشّرات رئيسيّة علنيّة تُرجّح بعض ما قالته الصّحيفة الأمريكيّة يُمكن رصدها كالتّالي:
الأوّل: الاتّصال الذي أجراه الرئيس الأمريكي ترامب مع العاهل السعودي الملك سلمان، وحاول فيه إقناعه بضرورة توقيع المملكة “اتّفاق سلام” مُماثل، ولكن هذا الاتّصال لم يُثمِر عن أيّ نتيجةٍ حتّى الآن، واكتَفى الرئيس الأمريكي بالقول “أنّ المملكة ستُقدِم على خطوة التّطبيع ولكن في الوقتِ المُناسب”.
الثّاني: لم يُرحّب البيان الذي صدر عن اجتماع مجلس الوزراء السعودي في جلسة ترأسها الملك سلمان يوم الثلاثاء الماضي بالاتّفاقين الإماراتي والبحريني، بل ولم يأتِ على ذكرهما كُلِّيًّا، وقال البيان “أكّد العاهل السعودي على وحدة وسلامة الأراضي العربيّة، ووقوف المملكة إلى جانب الشّعب الفِلسطيني، ودعم الجُهود الرّامية إلى حلٍّ عادلٍ وشامِلٍ للقضيّة الفِلسطينيّة”.
الثالث: ليس من عادة المملكة أن تكون تابعًا لأيّ دولة عربيّة، وحتى لو كانت تُريد توقيع اتّفاق سلام مع دولة الاحتلال الإسرائيلي فإنّها تُفضِّل دائمًا أن تكون لوحدها، وليس في معيّةِ دولٍ أُخرى أقل منها حُكمًا ومكانةً، فقد جرت العادة أن أيّ مسؤول أمريكي أو عربي يُريد أن يقوم في جولةٍ في المِنطقة فإنّ عليه أن يبدأها بالرياض، أو أن يعود إلى بلاده ثم يأتي لزيارتها، فإذا كان هذا الشّرط البُروتوكولي ينطبق على الزّيارات الرسميّة، فالأَحرى أن يُطبّق أيضًا على خطوات واتّفاقات محوريّة مِثل مُعاهدات السّلام.
الرابع: سفيرة المملكة الأميرة ريم بنت بندر لم تحضر مراسم توقيع الاتّفاقيّات في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، ولم تُرسِل من ينوب عنها أو سفارة بلادها.
من غير المُستَبعد أن يكون الأمير محمد بن سلمان، وليّ العهد، قد أعطى وَعدًا لـ”صديقه” جاريد كوشنر عرّاب هذه الاتّفاقات وصِهر الرئيس، بأنّ المملكة ستسير على النّهج الإماراتي والبحريني نفسه وتُوقّع اتّفاق سلام ثانٍ أو ثالث، ولكنّه فَشِلَ في إقناع والده بمِثل هذه الخطوة، وأخفى عنه السّماح للطّائرات الإسرائيليّة بالمُرور بأجواء المِنطقة، وأعطى الضّوء الأخضر للبحرين بالسّير على نهج الإمارات، ولكنّ جميع هذه التكهّنات المُتداولة تظَل بُدون أدلّة مُقنِعَة في هذا الصّدد.
هُناك نظريّة رائجة، داخل المملكة وخارجها، تقول إنّ “تبادل أدوار” يجري حاليًّا بين العاهل السعودي ووليّ عهده، أيّ يُعارِض الأوّل، أيّ الملك، ويقبل الثّاني، أيّ وليّ العهد، لأنّ المملكة أقدمت على خطوات تطبيعيّة “سريّة” مع دولة الاحتِلال الإسرائيلي، وأرسلت مسؤولين فيها، بعضهم أُمراء في الأسرة الحاكمة مِثل الأمير تركي الفيصل، رئيس الاستِخبارات السّعودي الأسبق، وشجّعت جُيوشها الإلكترونيّة على تهيئة الأجواء، لهذا التّطبيع، وتشجيع التّقارب والسّفر إلى الأراضي الفِلسطينيّة المُحتلّة.
من الصّعب على أيّ مُراقب أن يجزم بصحّة هذه النظريّة أو عدمها، نظرًا لحال التكتّم الشّديد في المملكة حول العديد من السّياسات والمواقف المُتعلّقة بهذا المِلف هذه الأيّام، مُضافًا إلى ذلك أنّ العاهل السعودي مُقِل جدًّا في الحديث واللّقاءات المُباشرة، بينما يختفي وليّ عهده عَن الأنظار مُنذ فترةٍ طويلة، ربّما لأسبابٍ أمنيّة، ويُمسِك بقبضةٍ حديديّةٍ على وسائل الإعلام، ويعتقل كُل من يتجرّأ، سواءً داخل الأسرة الحاكمة، أو في المُؤسّستين الدينيّة والإعلاميّة على التّغريد خارِج السّرب الرسميّ في وسائل التواصل الاجتماعي، وهُناك العديد من كِبار الأُمراء ورجال الدين يقبعون حاليًّا خلف القُضبان لمُجرّد الشّبهة، أو حتّى الانتِقاد في المجالس الخاصّة.
مكانة المملكة العربيّة السعوديّة القياديّة، إسلاميًّا وعربيًّا، تراجعت كثيرًا في الفترةِ الأخيرة بسبب شُبهات التّطبيع مع دولة الاحتِلال، وبسبب حرب اليمن، وتخشَى قِيادتها من أن يُؤدّي إقدامها على أيّ خطوة تطبيعيّة رُضوخًا لضُغوطٍ أمريكيّةٍ، إلى أزماتٍ داخليّةٍ، وفُقدان “هيبتها” ورعايتها المُطلقة للأماكن المُقدّسة في مكّة والمدينة، في ظِل وجود مُنافسة شَرِسَة، وتوجّهات قويّة، من قِبَل دول إسلاميّة باتت تتطلّع إلى انتِزاع هذه الرّعاية مِنها، وتبحث عن ذرائع في هذا المِضمار.
إذا صحّ هذا الخِلاف بين العاهل السعودي ووليّ عهده، حسب رواية الصّحيفة الأمريكيّة المذكورة، فإنّ تَبِعاته خَطيرةٌ جدًّا في المُستقبل المنظور، وربّما تَنعَكِس أهمّها في تغييراتٍ غير مُتوقّعة في هيكليّة الحُكم في الأسابيع أو الأشهر القليلة المُقبلة.. واللُه أعلم.
“رأي اليوم”