السعودية | عزاء المُعدَمين القصّر: لا «رؤوس» تواسي أهالي المفجوعين!

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 71
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

سناء إبراهيم
 بعد قرابة أسبوع على تنفيذ السعودية حكم الإعدام بحق عشرات من بينهم ستة قصّر، يواصل الأهالي في المنطقة الشرقية إقامة العزاء لأبنائهم الضحايا، من دون أن تكون لديهم جثامين أو رؤوس تخفّف وقع المصاب عليهم، في ظلّ رفض السلطات تسليمهم إياها
«إن حزّت السلطة السعودية رأس ولدي، وهو دينها وديدنها عبر التاريخ، فإن الله وأولياءه يحملون رأسه ومعه رؤوس الشهداء... الرؤوسَ المحرومين، نحن الأهالي، من رؤيتها وتقبيلها واحتضانها لمرة أخيرة في هذه الدنيا». تلك كانت كلمات والدة أحد ضحايا الإعدامات التي نفذتها السعودية في الـ23 من نيسان/ أبريل الجاري، وذلك أثناء استقبالها المعزّين برحيل ولدها الذي غُيّب خلف القضبان منذ أكثر من خمس سنوات. كلمات ينقلها إلى «الأخبار» مصدر من داخل القطيف، راوياً في حديثه بعضاً من مشاهد مجالس العزاء المقامة هناك للضحايا، على رغم التهديدات الأمنية للأهالي بالاعتقال في حال إقامة الحداد، والتي تكمن خلفها الخشية من خروج حشود المشيعين. يلفت المصدر إلى أن السلطة امتنعت عن تسليم جثامين المعدَمين إلى ذويهم، وهو ما ضاعف من حجم المصاب لدى هؤلاء، خصوصاً منهم أهالي مَن كانوا قصّراً وقت اعتقالهم (عددهم ستة)، والذين كانوا يعدّون العدّة لاستقبال أطفالهم وفتيانهم، بعدما راجت أنباء عن إمكانية الإفراج عنهم تحت ضغط المنظمات الدولية. لكن السيف كان أسرع من أي شيء آخر، ليحتزّ رؤوس عبد الكريم الحواج ومجتبى السويكت وسعيد السكافي وعبد العزيز آل سهوي وعبد الله آل سريح وسلمان أمين آل قريش.
قبل ظهر يوم الثلاثاء، الـ23 من نيسان/ أبريل، كان شقيق عبد الكريم الحواج متجهاً نحو منزله، حين وصلته رسالة نصية «تزفّ» له خبر إعدام شقيقه. خبرٌ ولّد صدمة كبيرة لدى الشاب، شأنه شأن بقية أفراد عائلته، لا سيما الأم التي يفيد مصدر مقرّب من الأسرة، «الأخبار»، بأنها لم تحتمل هول الفاجعة، فنُقلت إلى المستشفى إثر حالة إغماء لم تصحُ منها إلا على سرير المستشفى وهي تهذي باسم ابنها. والحال نفسه ينسحب على الشقيق الأصغر الذي دخل حالة عصبية استدعت العناية الطبية.
عبد الكريم الحواج، الذي اعتُقل في سنّ الـ16 عاماً في 16 كانون الثاني/ يناير 2016، أُدين بالمشاركة في تظاهرات الحراك الشعبي في المنطقة الشرقية، كما تعرّض لعمليات تعذيب وانتُزعت اعترافات منه تحت وطأتها. ويفيد المصدر عينه بأن عائلة عبد الكريم حاولت تقصّي أثر ابنها لدى «المباحث العامة السعودية»، إلا أن الأخيرة رفضت إجابة طلبها، لكن في اليوم التالي لإعلان نبأ الإعدام، أفجعت «المباحث» العائلة مرة أخرى بتأكيدها لها أن «لا جثمان ولا شي آخر لكم عندنا. قُتل وخلاص. لا عاد تسألون عنه فهو إرهابي. كيف تطالبون به؟». ولدى سؤال المفجوعين عن مكان الدفن أتى الجواب نفسه: «قلنالكم لا تسألون وخلاص. ولا أنتم ما تفهمون؟». أما الأمل الأخير فهو الحصول على أغراض عبد الكريم الخاصة، لكن الجواب جاء ثالثة: «ما في أغراض وانتهينا» بحسب ما يروي المصدر.

مَثَل القصّر أمام محكمة سيئة الصيت، هي «الجزائية المتخصصة» في قضايا الإرهاب
من بين المعدَمين القصّر أيضاً، مجتبى السويكت (مواليد 6 حزيران/ يونيو 1994)، الذي تعرّض للتعذيب كذلك، قبل أن تغلّظ المحكمة الجزائية حكمها بحقه استناداً إلى اعترافات منتزعة بالقوة. كان السويكت يتجهز لصعود الطائرة من مطار الملك فهد في مدينة الدمام وهو في عمر الـ 18 عاماً في 11 كانون الأول/ ديسمبر 2012، ليتجه إلى الولايات المتحدة حيث أراد إكمال تحصيله العلمي في إحدى جامعات ميتشيغن، لكن القوات السعودية سارعت إلى اعتقاله بتهمة المشاركة في احتجاجات القطيف وتصويرها، لتزجّ به إثر ذلك في زنزانة انفرادية لمدة ثلاثة أشهر، لم يسمح له خلالها بالالتقاء بعائلته. وعلى مرّ سنتين وتسعة أشهر من عمر اعتقاله، مُنع من التواصل مع محاميه، فيما كانت أساليب التعليق والضرب والركل وإطفاء السجائر تفعل فعلها في جسده. وفي نهاية مطاف محاكمة سرية، صدر حكم بالإعدام بحقه في 1 حزيران/ يونيو 2016، ليتمّ تنفيذه بعد قرابة ثلاث سنوات، ضمن موجة إعدامات هي الأكبر منذ إعدام الشيخ نمر النمر عام 2016. وإلى جانب السويكت قصّر آخرون، من بينهم سلمان أمين آل قريش، الذي عانى السجن الانفرادي لأكثر من 100 يوم، تعرض خلالها للضرب بخراطيم بلاستيكية ومعدنية ومطاطية سميكة، إضافة إلى الصدمات الكهربائية العالية الجهد، في ما استتبع تجريعه «حبوب الهلوسة»، وفق ما ذكرته مصادر حقوقية.
في تعليقه على تلك الانتهاكات، يصف المحامي والناشط الحقوقي طه الحاجي ما تعرض له المعدَمون القصّر بالـ«الفظيع»، لافتاً إلى أن «هؤلاء يجب أن يكون لهم سجن خاص، ومحاكم خاصة، ومحاكمات خاصة، ولكن المشكلة أنه تمت محاكمتهم أمام محكمة سيئة الصيت والسمعة، وهي المحكمة الجزائية المتخصصة، المختصة في قضايا الإرهاب وأمن الدولة». ويقول الحاجي: «لو فرضنا أن ما قاموا به جرائم تستحق المحاسبة، إلا أن كل ما نصّت عليه لائحة الدعوى لا يرتقي إلى جرائم تستحق عقوبة الإعدام. في الواقع، هي حقوق (يطالب بها أهالي المنطقة الشرقية)، لا تُعدّ جريمة في الأساس»، مستدركاً بـ«(أننا) لو تجاوزنا ذلك، وقلنا إن النظام السعودي يجرّم هذا الأمر أيضاً، إلا أنه في الأساس لم يوجه لهم تهمة مباشرة بالقتل، أو جريمة من الجرائم الكبرى». ويرى الحاجي أن «المذبحة» الأخيرة «كشفت كذب محمد بن سلمان الذي كانت له وعود صريحة بأنه سيقلّل الإعدامات، ويعيد النظر في الأحكام المتخذة، وسيقصر حكم الإعدام على الجرائم الكبرى، والقتل من بينها. كما كانت هناك مؤشرات توحي للناس بأنه ربما لن تُنفّذ هذه الإعدامات، إلا أنه غدر بهم جميعاً»، مضيفاً أن الحكومة السعودية أثبتت أنها «غير قابلة للإصلاح والتعديل، وأنه لا يوجد أمل في إصلاحها، ولا حل معها غير التغيير تماماً، خاصة مع إقدامها على قطع رؤوس القاصرين».