ستراتفور: لماذا تتجه العلاقات السعودية الأمريكية إلى الفتور؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 4109
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير شادي خليفة - الخليج الجديد
 على الرغم من حماسة الرئيس "دونالد ترامب" الحالية للمملكة العربية السعودية، إلا أن العلاقة بين الولايات المتحدة وربما حليفتها الأكثر أهمية في الشرق الأوسط تمر بتحول خطير، حيث يتزايد الضغط السياسي الأمريكي على المملكة، بسبب الانزعاج المتزايد للكونغرس من التدخل الذي تقوده السعودية في اليمن، والظروف المحيطة بمقتل الصحفي "جمال خاشقجي"، ولكن هذا مجرد غيض من فيض.
وتحت سطح السياسة اليوم، تساعد بعض التحولات الجيوسياسية في التباعد بين الحليفين القديمين؛ حيث يتطور النظام العالمي بعيدا عن هيمنة الولايات المتحدة نحو منافسة مكثفة وشبه متناظرة مع الصين، وكذلك فإن هناك عملية إعادة تشكيل أساسية لأسواق النفط والغاز العالمية، التي بنت عليها السعودية ثروتها وقوتها لعقود.
وبما أن كلا البلدين يتكيفان مع هذه الديناميات المتغيرة، فإن علاقتهما الاستراتيجية المشتركة ستتطور بعيدا عن أسس النفط ومكافحة الإرهاب والرغبة المتبادلة لاحتواء إيران. ومن المحتمل، كما تظهر هذه التغييرات، ألا تتماشى أولويات البلدين المستقبلية كما كانت في العقود الماضية.

علاقة مبنية على البراغماتية
وعلى الرغم من خلافاتهما الواضحة، حافظت المملكة والولايات المتحدة على صداقة استمرت قرابة 8 عقود. ومنذ البداية، استندت العلاقة السعودية الأمريكية إلى الاحتياجات المشتركة، وليس بالضرورة القيم المشتركة.
وقد مثل اجتماع في الأسابيع الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، على متن السفينة الحربية الأمريكية "كوينسي"، بين الرئيس الأمريكي "فرانكلين روزفلت" والملك "عبد العزيز"، المعروف في الغرب باسم "ابن سعود"، مثل مهد العلاقة الوثيقة بين البلدين.
ومنذ اللحظة الأولى للعلاقات، لم تكن التباينات بين البلدين خافية على أحد. وكان "روزفلت"، الذي يمكن القول إنه كان زعيم أقوى دولة في العالم وأكثرها تقدما صناعيا، قد حضر لتوه مؤتمر "يالطا"، حيث ساعد في تقرير مستقبل العالم ما بعد الحرب. ومن ناحية أخرى، كان الملك "عبد العزيز" يحكم واحدة من أقل البلدان نموا في الشرق الأوسط، بينما كانت صناعة البلاد النفطية لا تزال في مهدها.
وبعد ثلاثة أرباع قرن تقريبا، أصبحت الاختلافات بين الدولتين صارخة تماما. فالولايات المتحدة، التي تعتبر واحدة من أكثر اقتصادات العالم ليبرالية، هي عبارة عن ديمقراطية تفتخر بالتسامح الديني والثقافي. ومن ناحية أخرى، تعد المملكة العربية السعودية، وهي دولة تستمد شرعيتها من مؤسستها الدينية، واحدة من آخر الملكيات المطلقة المتبقية في العالم، مع مساحة محدودة للغاية للمعارضة السياسية.
وعلى الرغم من أن المملكة قد عملت على عكس صورتها كدولة غير متسامحة، إلا أنها لم تنجح في ذلك في معظم الأوقات. وعلى عكس العلاقات الأمريكية مع الحلفاء الذين يمتلكون مجموعة مشتركة من القيم، مثل كندا والمملكة المتحدة، فإن العلاقات مع السعودية تقوم على البراغماتية في صميمها. وعلى الرغم من أن البلدين يشتركان في المصالح في بعض المجالات، إلا أن هناك خلافات كبيرة بشأن المجالات الأخرى.
وفي وقت اجتماع "كوينسي"، كانت السعودية تتطلع إلى إقامة تحالف وثيق مع راع خارجي قادر على كبح جماح المصالح الاستعمارية في الشرق الأوسط. ومن المؤكد أن المملكة المتحدة، التي سيطرت على معظم أراضي الشرق الأوسط المحيطة بالسعودية، من المؤكد أنها كانت تتطلع إلى احتياطيات النفط المكتشفة حديثا في المملكة.
وفي الوقت نفسه، أرادت الولايات المتحدة الوصول إلى نفط السعودية، ولكن لم تكن لديها رغبة تذكر في تشكيل إمبراطورية استعمارية. وقد قاد هذا التفاهم المتبادل العلاقة بين الطرفين، وكذلك فعلت المعارضة المشتركة لصعود الشيوعية، التي هددت شرعية الملكية. لكن علاقة البلدين خلال العقود الـ 3 التالية لم تخل من التعقيدات. وبقدر أهمية القضية الفلسطينية للسعودية، فلم يكن من الممكن أن تتخلى الولايات المتحدة عن دعمها لـ (إسرائيل)، مما أدى في النهاية إلى حظرين نفطيين.
وقد دفع سقوط شاه إيران عام 1979 العلاقة بين البلدين في اتجاه مختلف. وهذه المرة، وجدت الولايات المتحدة والسعودية التي يهيمن عليها السنة نفسيهما على نفس الجانب من القضية، ضد جمهورية إيران الإسلامية التي يقودها الشيعة في الجهة الأخرى.
وكان الأمريكيون والسعوديون لا يزالون يقاتلون الشيوعيين معا، كما اتضح من تعاونهما ضد الغزو السوفييتي لأفغانستان. وبعد أعوام قليلة فقط من انتهاء الحرب الباردة، ظهر عدو مشترك آخر، وهو "صدام حسين" في العراق. ولقد أدت حرب الخليج، وسياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران في التسعينيات، أدت إلى التقريب بين الولايات المتحدة والسعودية.
لكن الأحداث الأخرى على مر السنين دفعت إلى الفتور في هذه العلاقة. وأدت قضية "إيران - كونترا" إلى تعقيد العلاقة في الثمانينيات، بينما أضاف ظهور الحركة الجهادية العالمية المنبثقة عن الوهابية، والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بالمملكة، مشكلة أخرى خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.
وبالنسبة لمعظم تاريخهما كحليفين، كانت السعودية بحاجة إلى الولايات المتحدة أكثر من العكس. ومن البداية، احتاج الملك "عبد العزيز" إلى الولايات المتحدة لتوفير ثقل موازن للمملكة المتحدة. وفي وقت لاحق، قدمت الولايات المتحدة دعامة قوية ساعدت النظام الملكي ضد الحركات الشعبية، بما في ذلك الشيوعية.
واليوم، تعتمد السعودية على واشنطن لدعم نضالها ضد إيران، ومساعدتها في قتال الجماعات المسلحة العابرة للحدود. وفي كل خطوة، كان على المملكة أن تخطب ود الولايات المتحدة بإثبات فائدتها لواشنطن.

عالم يهتز.. لكن لا يتحرك
وهناك تغيران جيوسياسيان مهمان يغيران الطريقة الأساسية التي تتفاعل بها المملكة والولايات المتحدة، وهما التحول الدراماتيكي في أسواق الطاقة العالمية، وصعود الصين، مما يقلل من هيمنة النظام الغربي بقيادة الولايات المتحدة الذي ظهر بعد الحرب الباردة.
وتدفع ثورة النفط الصخري في الولايات المتحدة إنتاج النفط الخام الأمريكي إلى مستويات قياسية، بأكثر من 12 مليون برميل يوميا، وهو ما يفوق بكثير الـ 5 ملايين برميل يوميا التي كانت تنتجها واشنطن قبل عقد واحد فقط. وتتوقع "رستاد للطاقة" أنه بحلول عام 2025، ستصبح الولايات المتحدة مصدرا صافيا للنفط الخام، حيث من المتوقع أن يبلغ إنتاجها نحو 16 مليون برميل يوميا. ويمثل عام 2018 المرة الأولى منذ 3 عقود التي تستورد فيها الولايات المتحدة أقل من مليون برميل يوميا من السعودية.
ومما لا يثير الدهشة، أن الارتفاع الفلكي في إنتاج النفط في الولايات المتحدة تسبب في تموجات كبيرة في أسواق النفط العالمية، مما ساهم في التضخم الذي تسبب في انخفاض أسعار النفط عام 2014. وقد دفعت رغبة الرياض في موازنة الإمدادات الأمريكية المتزايدة المملكة إلى قيادة الجهود من قبل "أوبك" وغيرها من المنتجين الرئيسيين لخفض الإنتاج، وهو ما دفع السعودية لتكون أقرب إلى روسيا. ويدفع هذا التعاون الوثيق الذي يجب على كلا البلدين تحقيقه من أجل إدارة أسواق النفط تعاونهما السياسي على مستويات أخرى أيضا.
وفي الوقت الذي ينخفض ​​فيه تعطش الولايات المتحدة لنفطها، ركزت المملكة بقوة على آسيا لإيجاد أسواق بديلة. ومع زيادة الاستهلاك الصيني، أصبحت بكين البديل الأكثر جذبا. وبالتالي، تمثل الصين، إلى جانب بقية آسيا، سوق النفط السعودي الأبرز في المستقبل. وكما هو الحال مع روسيا، فإن الاعتماد الاقتصادي المتبادل يدفع التعاون السياسي إلى أعلى مستوى بين الرياض وبكين.
ولكي نكون واضحين، فإنه على الرغم من انخفاض اعتماد الولايات المتحدة على النفط من السعودية والشرق الأوسط، فإن هذا لا يعني أن اهتمام واشنطن ينحصر فقط في الحفاظ على إنتاج مستقر للطاقة في المنطقة نظرا لأن أي أزمة في الشرق الأوسط يمكن أن يتردد صداها عبر جدران الاقتصاد العالمي، ما من شأنه أن يؤثر على الولايات المتحدة، التي ترتبط ارتباطا عميقا بالنظام المالي العالمي. ولكن بعد عام 2030، قد يتغير هذا الأمر، مع استمرار مصادر الطاقة البديلة والسيارات الكهربائية وتكنولوجيا البطاريات في تغيير الهيكل الجيوسياسي للطاقة.

نحو عالم متعدد الأقطاب
بعد انتهاء الحرب الباردة، ظلت الولايات المتحدة تقف كقوة مهيمنة في النظام العالمي. ولكن مع ظهور الصين، يتطور العالم إلى هيكل متعدد الأقطاب. وقد أعادت الولايات المتحدة تركيز اهتمامها بشكل طبيعي على مواجهة منافستها الصاعدة. ولا يشمل ذلك المنافسة الاقتصادية فقط، أو الحرب التجارية، ولكن أيضا تحويل قدراتها الأمنية ​​بعيدا عن أماكن مثل الشرق الأوسط نحو التركيز على إدارة المنافسة القوية مع القوى العظمى.
وفي الواقع، فإن هذا التحول في التركيز الذي أفرز الاتفاق الأمريكي مع إيران في عهد الرئيس "باراك أوباما"، هو ما يهم السعوديين أكثر من غيره. وبالنسبة لـ "أوباما"، كان إبرام الصفقة النووية مع إيران يعني الحد من خطر حدوث صراع آخر في الشرق الأوسط تحت أعين الولايات المتحدة. ولكن بالنسبة للمملكة العربية السعودية، تعني الصفقة فقدان الدعم الأمريكي الوثيق في حملتها ضد عدوها الإقليمي.
ومع وجود إدارة جديدة في البيت الأبيض، حدث تحول في الموقف الأمريكي نحو علاقات أكثر عدائية مع الجمهورية الإسلامية. ومع ذلك، على مدى العقدين القادمين، فإن احتمال التطبيع الجزئي على الأقل مع إيران سوف يمثل خيارا مثيرا للرؤساء الأمريكيين، مع استمرار تغيير الأولويات الوطنية.
وسوف تخلق الأولويات الأمريكية الجديدة حاجة قاسية لمعظم القوى الإقليمية، مثل المملكة العربية السعودية، لتعديل خياراتها. وفي غياب الحاجة لخدماتها، قد تجد الرياض نفسها تلعب دورا أقل أهمية في الاستراتيجية الأمريكية الكبرى، مقارنة بما كانت عليه منذ ما يقرب من قرن. وقد يعني الترابط الاقتصادي المتزايد للمملكة مع الصين وروسيا أنه قريبا، ولأول مرة منذ ذلك الاجتماع بين "روزفلت" والملك "عبد العزيز"، قد تجد المملكة نفسها تسقط من قائمة الشركاء الاستراتيجيين لأمريكا.

علاقة تفتر ولكن لا تنكسر
ولكن حتى إذا انخفضت أهمية السعودية في نظر الولايات المتحدة، فلن تصل علاقتهما بالضرورة إلى نقطة الانهيار، لكنها بالتأكيد ستصبح أكثر تقلبا. ويعني الوضع الجديد أن حجم رأس المال السياسي الذي سيكون رئيس الولايات المتحدة مستعدا لاستثماره في السعودية، سينخفض، على الصعيدين المحلي والدولي.
لكن ربما تكون أخطر نتيجة بالنسبة للمملكة على مدى العقدين المقبلين هي احتمال حتمية أن تتوصل طهران وواشنطن في يوم من الأيام إلى نوع من التفاهم. وسيكون الانقلاب الاستراتيجي مع إيران منطقي بالنسبة للولايات المتحدة لعدة أسباب. فمن ناحية، ستكون إيران أكثر ميلا إلى التعاون مع الولايات المتحدة والهند في جنوب ووسط آسيا، خاصة مع تعميق تعاون باكستان والصين في الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
وعلى المدى القصير، من المحتمل أن يكون التقدم في العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ضئيلا، لكن التحولات الكبيرة التي تمر بها الأجيال في كلا البلدين ستقود إلى السلطة قادة سياسيين جدد لا تتأثر وجهات نظرهم بالأحداث المحيطة بالثورة الإسلامية وما تلاها من أزمة الرهائن في إيران. وسيسمح التراجع في عداء أمريكا لإيران بتعزيز المكاسب الإقليمية التي حققتها طهران في أماكن مثل العراق، ما يعني أن التنافس بين إيران والسعودية على الهيمنة الإقليمية من المرجح أن يزداد.
وسوف يستمر التراجع المحتمل لدور الولايات المتحدة كضامن أمني في إجبار الرياض على تنويع علاقاتها مع أقطاب القوة الأخرى في النظام العالمي. ويحدث هذا بالفعل في مجال مبيعات الأسلحة. وتحاول المملكة بناء صناعة دفاعية محلية.
وبينما تحجم الولايات المتحدة عن تمرير حقوق نقل التكنولوجيا التي من شأنها تسريع تلك العملية، فإن الصين وروسيا أكثر من راغبين في ذلك. ومع ذلك، هناك قيود كبيرة على مدى قدرة المملكة على تنويع محفظتها الحربية بعيدا عن موردي الأسلحة الأمريكيين. ومع ذلك، سيؤدي التحول السعودي نحو منافسي أمريكا بالتأكيد إلى تنفير واشنطن، كما حدث مع مصنع للطائرات بدون طيار قامت الصين ببنائه في المملكة لخدمة السوق المحلية.
ومن المجالات الرئيسية الأخرى التي يجب مراقبتها هو كيف ستمضي السعودية قدما بطموحاتها في مجال الطاقة النووية. وتفاوضت المملكة مع الولايات المتحدة والصين وروسيا وغيرها من الدول بشأن بناء محطات الطاقة النووية في البلاد. لكن المملكة طالبت بأن تحتفظ بالسيطرة على دورة تخصيب الوقود وإعادة المعالجة، وهو ما يزيد مع مخاوف واشنطن حول رغبة الرياض في تطوير أسلحة نووية. لكن إذا كانت الولايات المتحدة غير راغبة في التزحزح عن موقفها، فسوف يفكر القادة السعوديون بالتأكيد في عقد صفقة مع الصين أو روسيا، قد لا تلتزم بالمعايير نفسها.
ومن المرجح أن يزيد سجل المملكة السيء في مجال حقوق الإنسان المسافة بين السعودية والغرب. وتزايدت الاحتجاجات ضد الحرب السعودية في اليمن وقتل "خاشقجي" في الكونغرس الأمريكي. ولكن لا يمكن توقع حدوث تغيير حقيقي في السلوك السعودي طالما بقيت أسعار النفط منخفضة؛ حيث تستمر المملكة في الكفاح من أجل تطبيق إصلاح اقتصادي طويل الأجل في ظل "رؤية السعودية لعام 2030". ويعني هذا أنه مع تراجع الحاجة إلى علاقة وثيقة مع السعودية، من المرجح أن تصبح ردود واشنطن على مثل هذه القضايا قاسية على نحو متزايد.
وفي حين أن العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة لا تتجه نحو الانهيار، من المرجح أن تزداد صخبا على مدار العقدين المقبلين، حيث تستمر الضرورات التي جمعتهما معا في التحول. وسوف تستمر الدولتان في التعاون بشأن القضايا الرئيسية، خاصة إذا استهدفت الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، مثل تنظيم "الدولة الإسلامية" أو تنظيم "القاعدة".
ولكن في النهاية سوف يتم تحديد العلاقة بين السعودية والولايات المتحدة دائما من منظور المصالح المتبادلة، وليس القيم المتبادلة. ويعني هذا أنه مع تطور النظام العالمي إلى مكان لا يحتاج فيه كل طرف الكثير من الآخر، فمن غير المرجح أن تبقى صداقتهما ثابتة.

المصدر | ستراتفور