بروكينغز: لماذا تفشل خرافة الديكتاتور الإصلاحي؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 205
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ترجمة وتحرير زياد محمد - الخليج الجديد
 لدى الكثير من الأمريكيين انبهار غريب بفكرة "المستبد الإصلاحي" الذي يمكنه تحديث وقيادة بلاده من ماضيها المتخلف، وهذا الأمل هو ما رأوه في ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان"، لكنه تضاءل بعد الضربة التي تلقاها عندما بدا أنه أمر بقتل الصحفي "جمال خاشقجي" في تركيا.

إيمان أمريكي بالديكتاتوريين
رأى الأمريكيون المتعاطفون في الأمير "محمد بن سلمان"، شخصية تحويلية يسعى إلى إصلاح اقتصاد بلاده المعتمد على النفط فقط والتوفيق بين الإسلام والحداثة، وإذا كانت مثل هذه الإصلاحات تتطلب سيطرة ديكتاتورية تتضمت حبس رفاقه من العائلة المالكة وناشطي حقوق المرأة، والشخصيات الدينية المعتدلة وحتى الاقتصاديين الشباب الذين يثيرون أسئلة حول الأرقام المشكوك فيها الواردة في برنامجه "رؤية 2030"، فليكن ذلك، فلن يصلح هذا المجتمع التقليدي الجامد إلا "ثورة من الأعلى".
لا يعد هذا المعنى جديدا، فخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين، بدا "بينيتو موسوليني" و"جوزيف ستالين" وحتى "أدولف هتلر" في عيون الكثير من الأمريكيين، أشخاصاً ضروريين لإصلاح بلادهم، وخلال الحرب الباردة، بدا زعماء مثل "فرديناند ماركوس" في الفلبين، و"محمد رضا بهلوي" في إيران، و"بارك تشونغ هي" في كوريا الجنوبية، و"أوغستو بينوشيه" في تشيلي، ديكاتوريين مفضلين "للتحديث" في الولايات المتحدة، وفي حقبة ما بعد الحرب الباردة، اكتسبت الديكتاتورية الصينية إعجاب العديد من الأمريكيين لتعاملها السلس مع اقتصاد البلاد.
وكان تبرير كل هذا التعاطف مع الديكتاتوريين عائداً إلى ما يعتقده الأمريكيون إصلاحاً ضرورياً، وكان على المجتمعات النامية - وفق قناعاتهم - أن تنتقل عبر مرحلة استبدادية قبل أن تصبح بلاداً ديمقراطية، حيث يمكن الوثوق فقط بالحكومات الاستبدادية في اتخاذ القرارات الاقتصادية الصحيحة، دون أن تتأثر بالضغوط الشعبية.
علاوة على ذلك، يُزعم أن المجتمعات غير الغربية تفتقر إلى العديد من العناصر الأساسية اللازمة للحفاظ على الديمقراطية، مثل حكم القانون والمؤسسات السياسية المستقرة والطبقة الوسطى والمجتمع المدني النابض بالحياة، ويعني ذلك أن فرض الديمقراطية عليهم قبل الأوان قد ينتج "ديمقراطية غير ليبرالية" وراديكالية، ويعد دور المستبد الاصلاحي – من وجهة نظرهم - هو إعداد هذه المجتمعات للانتقال إلى الديمقراطية في نهاية المطاف من خلال إرساء أسس الليبرالية.
خلال الستينيات، جادل العالم السياسي "صموئيل هانتينغتون" بأن ما تحتاجه المجتمعات الحديثة هو النظام وليس الحرية، وخلال أواخر السبعينيات، استخدمت "جان كيركباتريك" هذه الحجة للدفاع عن الديكتاتوريات اليمينية "الودية" بناء على نظرية بأنها قد تزدهر في النهاية إلى أنظمة ديموقراطية إذا دعمتها الولايات المتحدة ضد خصومها، لكنها ستفسح المجال للحكومات الشيوعية الراديكالية حال سحبت الولايات المتحدة دعمها.
من اللافت للنظر مقدار القوة التي تحتفظ بها هذه الأنواع من الحجج، على الرغم من أنها معظمها تبيّن أنه هراء، وثبت عكسها، فالحكومات الشيوعية هي التي أجرت إصلاحات أدت إلى تفككها وتحولها إلى الديمقراطية، مهما كانت ضعيفة، في هذه الأثناء، استمرت السلطوية في الشرق الأوسط وأماكن أخرى، باستثناء الأماكن التي سحبت الولايات المتحدة عنها الدعم، كما هو الحال في الفلبين وكوريا الجنوبية وشيلي، الذين تحولوا إلى الديمقراطية بعد سحب الدعم الأمريكي.

نتائج عكسية
كمسألة واقعية بحتة، تبين أن الديكتاتوريات لا تقوم بعمل أفضل في إنتاج النمو الاقتصادي، وأن النمو الاقتصادي لم يظهر أنه سر الديمقراطية، ومر الآن ربع قرن على التوقعات التي قالت إن النمو الاقتصادي الصيني، الذي أوجد طبقة وسطى كبيرة، سيؤدي حتمًا إلى مزيد من الانفتاح السياسي، ومع ذلك، سارت الأمور في الاتجاه المعاكس، مع قيام الحاكم الصيني "شي جين بينغ" بتركيز كل السلطة في يده وتطبيق أساليب أكثر شمولية للسيطرة السياسية والاجتماعية.
أما بالنسبة إلى فكرة "المستبد الإصلاحي"، فقد تبين أنها أسطورة، حيث اتضح أن الاستبداديين لا يرغبون في وضع أسس زوالهم، لهذا لا يقيمون مؤسسات سياسية مستقلة، ولا يعززون حكم القانون، كما لا يمكنهم السماح بمجتمع مدني نابض بالحياة، لأن ذلك من شأنه أن يهدد قبضتهم على السلطة، وبدلاً من ذلك، فإنهم يسعون إلى تدمير المؤسسات وقوى المعارضة التي قد تشكل في يوم من الأيام تحدياً لحكمهم الديكتاتوري.
ومع ذلك فإن الأمريكيين يبقون على هذه التوقعات لأسباب متعددة، بعضها ببساطة عنصري، مثل الكثير من الإمبرياليين العنصريين خلال القرن التاسع عشر، الذين افترضوا فقط أن بعض الناس ليسوا مستعدين للديمقراطية، أو أن تقاليدهم الدينية أو التاريخية لا تؤلهم لها، وهناك سبب آخر ينبع من عدم الرضا عن فوضى الديمقراطية الأمريكية، ووجود توق ملموس للرجل القوي الذي يستطيع أن يقطع كل الهراء السياسي وأن ينجز الأمور فقط، وهو التوق الذي يلعب عليه رئيس مثل "ترامب" بفعالية.
ثم هناك خوف الأمريكيين من نتيجة الديمقراطية في أماكن أخرى. وخلال الحرب الباردة، كان هناك مطالبة بمزيد من العدالة الاقتصادية والاجتماعية، على حساب الاستثمارات الأمريكية، أما اليوم، فمع المطالبة بمجتمع ونظام سياسي أكثر انسجاما مع التعاليم الإسلامية، يخشى الأمريكيون من الخيارات التي سيتخذها الأشخاص الذين يُسمَح لهم بممارسة إرادتهم الحرة، لذلك يفضلون ما يسمى بـ "الثورة من الأعلى".
وبطبيعة الحال، هناك المصالح الاستراتيجية، فقد أراد الأمريكيون حلفاء ضد الاتحاد السوفييتي، والآن يريدون حلفاء ضد إيران، إلا أن ما اكتشفوه خلال الحرب الباردة وربما يعيدون اكتشافه اليوم، هو أن هؤلاء الحلفاء المفترضين قد لا يكونوا بالضبط الحصون التي يتمنونها.
فقد تؤدي أساليبهم في التعامل مع خصومهم إلى خلق معارضة أكثر راديكالية وجعل الثورة أكثر احتمالاً، في كل من مصر والمملكة العربية السعودية، وقد نجد في نهاية المطاف أن دعم الديكتاتوريين في تلك البلدان سوف ينتج بالضبط النتيجة التي كانت أمريكا تأمل في تجنبها، والأسلحة التي كانت تتوسل إليهم ليشتروها منها سوف تنتهي في أيدي المتطرفين الذين كان من المفترض أن ينقذ المستبدون أمريكا منهم.
ويتساءل اليوم الداعمون الأمريكيون الذين دعموا وليّ العهد السعودي: لماذا كان أحمقاً جداً لدرجة أن يأمر بقتل خاشقجي؟ ولكن من الحمقى هنا؟ الديكتاتوريون يفعلون ما يفعله الديكتاتوريون، ودعمهم على أمل خدمة مصالح أمريكا الخاصة، يضر هذه المصالح فحسب.

المصدر | روبرت كاغان - بروكينغز