لماذا سيفشل الإصلاح السلطوي في السعودية؟

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 326
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

 يشير التزام المملكة العربية السعودية بمبادرة «رؤية 2030»، التي أطلقها ولي العهد السعودي «محمد بن سلمان» في عام 2015، إلى نية الإدارة الجديدة تحت حكم الملك «سلمان» في البدء بتحويل اقتصادي واجتماعي كبير، وكسر نظام الدعم المكثف الذي عرف علاقات الدولة بالمدنيين في المملكة لأجيال متعاقبة. وتتعدد دوافع هذه الإصلاحات، لكن في صميمها، يبقى دافع الحفاظ على النظام السلطوي ضد التحديات المحلية مع التراجع عن دوره كراع اجتماعي هو التحدي الحقيقي، ويعد هذا تحديا هائلا لأي نظام.

الإصلاحات السابقة

وتمثل «رؤية 2030» المحاولة الثالثة لإجراء إصلاح اجتماعي واقتصادي رئيسي من قبل السلطات السعودية منذ تأسيسها عام 1932، وخلفت الجهود السابقة في هذا الصدد نتائج مختلطة. وحتى الآن، كانت أكثر الخطط نجاحا هي سلسلة خطط التنمية الخمسية التي تم تنفيذها في عهد الملك «فيصل» خلال الستينيات والسبعينيات، ونشأت المحفزات الرئيسية وراء هذه المبادرات من المخاوف بشأن قبضة العائلة المالكة على السلطة، حيث شهدت الخمسينات والستينات سقوط العديد من الملكيات في الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والعراق وشمال اليمن. وبالنسبة للنظام السعودي أصبح الجواب على ذلك هو خلق نظام من الاعتماد الشديد على الدولة بين مواطنيها.

وهكذا، أرسى الملك «فيصل» جدول أعمال الإصلاح للتوجه إلى الدولة الحديثة والبيروقراطية، التي أصبحت تضم غالبية العاملين السعوديين. وباستغلال ثروة المملكة النفطية المزدهرة، عملت الإصلاحات على بناء مؤسسات وإدارات ومنظمات حكومية لا تعد ولا تحصى، شكلت معا الدولة السعودية الحديثة. وشهدت هذه الفترة أيضا نموا هائلا في التعليم السعودي، وفي غضون عقد من الزمان، نما الإنفاق على التعليم بأكثر من 1000%، حيث نما من 2.5 مليار دولار في عام 1970، إلى 28 مليار دولار بحلول عام 1980. ولم يقتصر هذا الأمر على بناء القدرات المحلية من خلال توسيع المدارس والجامعات فحسب، بل كذلك على أعداد متزايدة من المنح الدراسية والدعم للسعوديين للدراسة في الخارج واكتساب المهارات الفنية والبيروقراطية.

ولعل الأهم من ذلك، أن «فيصل» كان يركز على تأسيس نظام حديث للرفاهية السعودية، وإلغاء جميع ضرائب الدخل وتحويل دور الدولة من مستقبل إلى ممول للمواطنين. ولم تكتف الدولة بتقديم رواتب لغالبية السكان العاملين فحسب، بل دعمت أيضا بشكل كبير الغذاء والوقود وغير ذلك من الضروريات، مما أدى إلى انخفاض كبير في تكاليف المعيشة، مع ازدهار النفط في السبعينيات. وأصبحت إعادة تشكيل العلاقة بين النظام والشعب مركزية في السلام والاستقرار الذي شهدته مملكة الصحراء في العقود الأربعة ونصف العقد منذ وفاة «فيصل». ومن خلال إقامة علاقة واسعة بين الراعي مع جزء كبير من شعبه، تمكن النظام السعودي من تجنب العديد من المواجهات التي ميزت العلاقات الأخرى بين الدولة والمجتمع في البلدان الأخرى في المنطقة.

وكانت محاولات الإصلاح التي قام بها الملك «عبد الله» أقل فاعلية. وعلى الرغم من صعوده إلى العرش عام 2005 مع صورة كمصلح، أصبح طموح الملك مقيدا بجدر راسخة مقاومة للتحديث داخل المجتمع السعودي، والدولة، والعائلة المالكة.

وركز جدول أعمال «عبد الله» على الأهداف الاقتصادية، بدافع من المخاوف طويلة المدى بشأن استدامة نظام الرعاية الاجتماعية الذي أنشأه «فيصل»، حيث انخفضت الموارد الطبيعية بشكل حتمي، وتذبذبت الأسعار. وشملت هذه الإصلاحات فتح الأسواق السعودية لمزيد من الاستثمار الأجنبي، وحماية الملكية الفكرية، والسماح بخصخصة أوسع. واستثمر الملك أيضا عشرات المليارات في عدة مدن اقتصادية، في محافظات مثل «جيزان»، وأشرف على بناء جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية، وهو معهد مصمم خصيصا لتحفيز الإنتاج المحلي، وتعزيز التعليم العلمي والابتكار.

ولكن على نطاق واسع، فإن إعادة الهيكلة الاقتصادية هذه لم تحقق سوى نتائج رمزية في أحسن الأحوال. وفشل هدف التنويع إلى حد كبير، تاركا المدن الاقتصادية تعاني من نقص النمو والتخلف، وتكافح جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية لتأسيس قاعدة كبيرة من الطلاب من السكان الأصليين. وبالرغم من الدفاع عن حقوق المرأة في العمل، ازدادت الفجوة بين معدلات بطالة الإناث والذكور بشكل ملحوظ في عهد «عبد الله». كما أن التحركات نحو خلق الكفاءة والبساطة في القطاع العام اصطدمت أيضا بجدار من البيروقراطيين المتعصبين وغير الراغبين في إعادة التفاوض أو التنازل عن الفوائد التي يستفيدون منها.

وتبين أن تجربة إصلاح الاقتصاد الكلي المتواضع في عهد الملك «عبد الله» كانت مخيبة للآمال بالنسبة للكثيرين ممن كانوا ينظرون إلى الملك في البداية على أنه المنقذ من الركود الاقتصادي الذي تفشى في عهد سلفه «فهد».

أهداف وتحديات «رؤية 2030»

تتنوع الدوافع وراء إصلاحات «رؤية 2030» الحالية، ولكنها تتعلق في المقام الأول بالمخاوف بين النخبة السعودية الحاكمة من تبعات الربيع العربي. وينصب القلق بشكل خاص على الإمكانات المتنامية للشباب في منتصف العمر القادرين على الثورة. ومع استمرار ارتفاع معدلات المواليد في البلاد، فإن قدرتها على توفير الأمن الاقتصادي والاجتماعي على نطاق واسع لأغلبية السكان السعوديين، كما هو الحال في العقود السابقة، تنخفض باضطراد، مما يؤدي إلى الإحباط مع إمكانية أكبر للاضطرابات الاجتماعية من خلال زيادة نسبة الحرمان. وكانت هذه المخاوف موجودة في عهد «عبد الله»، ولكن مع وصول الإدارة الجديدة وديناميكية ولي العهد «محمد بن سلمان»، جاءت التغييرات في كل من السياسة المحلية والدولية سعيا لإنتاج سياسة متماسكة وطويلة المدى تسعى إلى مواجهة هذا التحدي المتمثل في استيعاب النمو السكاني للشباب.

وكما هو الحال مع غالبية دول الشرق الأوسط، تشهد المملكة زيادة كبيرة في أعداد الشباب، حيث تشير تقديرات عام 2016 إلى أن نحو 50% من السكان يقعون تحت سن 25 عاما، وهو رقم سيزداد مع الوقت. وفي الوقت نفسه، فإن نسبة البطالة في أوساط العاملين في نفس هذه الفئة الديموغرافية تجاوزت 35٪ في عام 2017. وفي أوقات أكثر رفاهية، كانت الدولة السعودية توسع مجالها العام لاستيعاب هذه التركيبة السكانية المتغيرة. ومع انخفاض أسعار النفط بشكل عام وتراجع احتياطيات العملة، فإن هذه الهبات لم تعد مستدامة في ظل إدارة «سلمان» على النحو الذي كانت عليه قبل 4 عقود.

ويدرك السعوديون جميعهم ما يمكن أن تحدثه الاضطرابات الداخلية المنبثقة عن أولئك الذين يشعرون أنهم تعرضوا للخيانة المالية من قبل الدولة، وكان نفس السكان المحبطين أساس «حركة الصحوة» في التسعينيات. وقد تحدت هذه الحركة الشبابية، المستوحاة من جماعة الإخوان المسلمين، حكم الحكومة السعودية سلميا، بعد أن وجدت نفسها محرومة من الانخراط في القطاع العام بعد الانكماش الاقتصادي في الثمانينات من القرن الماضي. وعلى الرغم من أن هذه الحركة لم تتحول أبدا إلى العنف، إلا أنها أثرت كثيرا على الإدارة، وأدت إلى عمليات قمع شديدة من قبل الأجهزة الأمنية. وبعد أن شهود مصائر دول الشرق الأوسط الأخرى نتيجة لثورات الشباب في دول مثل ليبيا وسوريا ومصر في عام 2011، تم إثارة هذه المخاوف من الاضطرابات الجديدة داخل الديوان الملكي السعودي.

ويتمثل أحد الأهداف الرئيسية للرؤية في تحفيز الاقتصاد السعودي عبر فطامه من اعتماده الكبير على النفط الذي يشكل 90٪ من عائدات التصدير، و87٪ من الميزانية الوطنية. وتشمل الوسائل لتحقيق هذه الغاية نمو مساهمة الشركات الخاصة في الناتج المحلي الإجمالي، من 40٪ إلى 65٪. وخصخصة العديد من الخدمات الحكومية، بما في ذلك التعليم والرعاية الصحية، وتقليص كبير في القطاع العام، وكذلك فرض ضريبة القيمة المضافة بنسبة 5٪ على السلع والخدمات.

وتطرح هذه الإصلاحات إعادة تشكيل جذري للعقد الاجتماعي الأساسي للبلاد، الذي ضمنت فيه الدولة الامتثال السياسي والهدوء من قبل السكان مقابل كونها المزود الرئيسي للمنافع، وبدلا من ذلك، يسعى النظام الآن إلى دفع الأجيال الحالية والمقبلة إلى ما يأمل في أن يصبح قطاعا خاصا نابضا بالحيوية، ومتنوعا ورياديا، وفطام الشعب من الاعتماد على الدولة، التي تستخدم نحو 67٪ من العمال السعوديين الأصليين في البلاد بما يعادل أكثر من مليوني شخص.

لكن تلك الإصلاحات لاقت الكثير من عدم النجاح حتى الآن، وفشلت العديد من السياسات التي تتضمنها «رؤية 2030» قد فشلت في تحقيق توقعات المخططين لها حيث تم التخلي عن محاولات تقليص الفوائد في القطاع العام في العام الماضي، بعد ضجة واسعة النطاق بين البيروقراطيين. وعلى الرغم من الحماس الذي أبداه صانعو السياسة السعوديون له، فإن الاكتتاب العام في شركة «أرامكو»، شركة النفط الوطنية في البلاد، لم يحظ بحماسة كبيرة من المستثمرين الدوليين، وفشل في جذب الاستثمار الأجنبي المتوقع بقيمة 100 مليار دولار. ولا تزال المملكة تعاني من نقص في المهارات والمواهب، الأمر الذي يتفاقم بسبب التوجه نحو «السعودة». وهناك أيضا دلائل قليلة على أن توسيع وتعظيم القدرة الصناعية المحلية في البلد، لا سيما في مجالات الدفاع، قد أسفر عن أي نتائج ملموسة، وفي الوقت الحالي، هناك بعض النجاحات القليلة التي تضاهي هذه القائمة المتزايدة من الفشل.

ومن الواضح أنه مع «رؤية 2030»، تحاول الإدارة السعودية الحالية محاكاة نجاحات «فيصل» في إعادة التفاوض الهائل على العقد الاجتماعي الأساسي داخل المملكة، الذي يحافظ على الحكم السلطوي للنظام الملكي. ومع ذلك، هناك تناقض واضح هنا، حيث أن الطبيعة الأساسية للمبادرة تتخلى عن هياكل الضمان التي وضعتها الخطط الخمسية في الستينات والسبعينات. وقدم الملك «فيصل» للمجتمع السعودي تحسنا كبيرا في نوعية حياتهم، مع الوظائف المدعومة من الحكومة، والدعم المستمر لتكاليف الحياة العامة، والانتشار العام للاستقرار الاجتماعي والأمان المستقبلي. لكن الوضع مخالف اليوم؛ فأولئك الذين يعملون لحساب الحكومة السعودية قد يتوقعون رواتب أعلى بكثير شهريا من نظرائهم في القطاع الخاص بينما يتمتعون أيضا بأمان أكبر وظروف أقل إرهاقا. إلى جانب ذلك، تسعى «رؤية 2030» إلى تقليص أو إلغاء العديد من هذه الظروف نفسها بالنسبة للسكان السعوديين، ودفعهم إلى ظروف تنافسية لا يمكن التنبؤ بها في سوق نيوليبرالية حرة. وفي الوقت نفسه، تتوقع الدولة، بصفتها مهندس هذه الإصلاحات، الحفاظ على سلطتها الاستبدادية وقبضتها على السلطة، دون تقديم أي تنازلات في طريق التحرر السياسي الموضوعي، أو ترتيبات تقاسم السلطة، ويبقى الوقت وحده ليقرر ما إذا كان النظام الملكي سيتمكن من الحفاظ على سلطته بينما يسعى إلى البقاء على قيد الحياة.

المصدر | بين ريتش - إنترناشونال ريليشنز