الأوامِر المَلكيّة السعوديّة تُعيد الأمير بن سلمان إلى الأضواء مُجدَّدًا وتَوسيع صلاحِيّاته لإحكام السَّيطرة على جميع مفاصِل الدولة

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 194
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

وتقديمه خادم الحرمين الشريفين القادم.. تقليص صلاحيّات أمير مكّة.. وتعيين نائب وزير الداخليّة من خارج “آل
عمان – “رأي اليوم” – خالد الجيوسي:
 اقترنت الثقافة بالإعلام على مدارِ عُقودٍ طويلةٍ في العربيّة السعوديّة، فحملت الوزارة المعنيّة بهما كُلاً من اسميهما، ولكن مع عصر الانفتاح والترفيه، قرّر العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز فجر اليوم السبت، أن يَفصِلهما فأعلن ضمن حُزمةِ قراراتٍ ملكيّةٍ ليليّة كما العادة، إنشاء وزارة باسم وزارة الثقافة، وتعديل اسم وزارة الثقافة والإعلام لتُصبح وزارة الإعلام، وعَيّن الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود وزيراً للثقافة.
المُثقَّفون السعوديون أبدوا إعجابهم بالخَطوة، واعتبروا أنّ مسألة فصل الثقافة عن الإعلام، يُعبِّر عن اهتمام الدولة بالثقافة الذي كان مُقيّداً بطبيعة الأحوال بالإعلام، وبالتالي فتح المجال أمام الأنشطة الثقافيّة، وهو إعجابٌ منطقي لكنّه يتخطّى حدود الثقافة المُتعارف عليها في البِلاد التي تنزع عنها العباءة الدينيّة تماماً، ويُعزِّز مكانة هؤلاء أي المُثقَّفين الذين باتوا يتحدَّثون عن قوّة حُضورهم بمُساندة الدولة، وآخرهم الفنان ناصر القصبي، بصفته رائداً للمسرح السعودي في زمن “الشدائد” زمن الصحوة والصحويين الإسلاميين.
وبالنَّظر إلى من أُوكلت إليه مهام تلك الوزارة الجديدة، وهو الأمير بدر بن عبدالله الذي قالت تقارير إعلاميّة أمريكيّة أنه المُشتري للوحة المسيح المُخلّص لدافنشي في نهاية العام الماضي وكيلاً عن وليّ العهد الأمير محمد بن سلمان، فإنّ الثقافة السعوديّة فيما يبدو ستدخل عصراً كان يُوصَف بالأمس القريب بالعصر الضلالي، وبالنظر إلى اهتمامات الوزير، فإنّ المتاحف العالميّة بما تحتويه من تماثيل “أصنام” الماضي، والمسارح بعناوين مسرحياتها الأدبيّة ومفاهيمها “الكُفريّة الانحلاليّة”، ستنقل تجاربها إلى السعوديّة، وهذه كلها نشاطات ووجهات، ستُعزِّر بطبيعة الأحوال الجانب الاقتصادي، الذي يبحث بصعوبة عن تنويع مصادر الدخل، والاعتماد على غير الثروة النفطيّة.
قد يكون دور الثقافة هامِشيّاً تذهب وجهة نظرٍ أخرى في تحليلها لواقع قرار الفصل بين الثقافة والإعلام الذي ترى فيه فصلاً “عُنصريّاً” قد تُعطى فيه كامل الحُقوق للإعلام بصفته ابن السُّلالة البيضاء بالمفهوم العُنصري، بل وحتى فصلاً ساذجاً لا يُراعى فيه الأُسس التي نشأ عليها المجتمع السعودي، وحتى أن أُعطِي الضَّوء الأخضر للنشاطات الثقافيّة المُنفلتة عن المعايير المحليّة، فالمتاحف والمسارح بطبيعة الحال في الدول العربيّة “الحضاريّة” لا تلق رواجاً، وبات الإعلام التلفزيوني والسينمائي هو المُسيطر، فكيف هو الحال بالنسبة لمُجتمع، أصلاً المفهوم الثقافي فيه، لا يتعدّى سيطرة وسائل إعلامه، وامبراطوريتها الخارجيّة التي يتم تدعيمها بوسائل إعلام (قنوات) جديدة، لا بل تم إيكال المُهمّة إلى وزارة “إعلام” حملت صفة الأخير للتَّفرُّغ.
إلى جانِب التَّغييرات على صعيد الثقافة والإعلام، شَمِلت الأوامر الملكيّة إنشاء هيئة ملكيّة لمدينة مكة المكرمة والمدينة، وهي التي سيرأسها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وفق القرار الملكي، وهي فيما يبدو هيئة عُليا ستضع كافّة صلاحيّات إدارة المُقدّسات بين يدي الأمير الشاب، وهي إدارة تُضاف إلى قائمة المناصب والصَّلاحيّات التي تُطلق العنان ليد بن سلمان لإحكام السيطرة على جميع مفاصل الدولة، وبالتالي البدء بتقليص صلاحيّات أمير مكة، ألا وهو الأمير خالد الفيصل، وبالنظر إلى التسلسل الإداري المُفترض لهيئة المُقدسات الجديدة سيخضع الأمير خالد الفيصل تلقائياً إلى أوامر بن سلمان الشاب الذي يَصغُره سنّاً، والأمير خالد من الأُمراء الذي يُشكِّلون عقبة بصفته أمير العاصمة الدينيّة للبلاد، وقد تردَّد أن بن سلمان حاول اعتقاله، وتناقلت الشائعات عن وضعه تحت الإقامة الجبريّة، إلا أن ظُهور الفيصل في مُناسبات عامّة دحضها أو على الأقل نفى الخلافات مُؤقّتاً.
وفي العربيّة السعوديّة جرت العادة، أن يتولّى كِبار القوم مهام إدارة البلاد، بل يتم تقسيم إدارتها بين الكبار الذين لا يقل عمر الصغير فيهم عن 60 عاماً، وهي قاعدة يبدو أن الأمير بن سلمان يُريد تحطيمها، أو على الأقل إيجاد مُسوِّغات لتخطّيها، وترأسه مجلس إدارة هيئة “عُليا” لمُقدّسات مكة والمدينة بقرار من والده الملك سلمان “الكبير سنّاً”، فيه ربّما رسائل مُبطَّنة مفادها أنّه ليس فقط الملك القادم، بل هو خادم الحرمين الشريفين كذلك بصفته الاعتباريّة التي سبقت خدمة الحرمين كرئيس مجلس هيئة عُليا يُعيِّنها رئيس مجلس الوزراء، وهو أمر يُثير الجدل بين أفراد الأُسرة الحاكمة أساساً، فمتى كان خادم الحرمين الشريفين شابّاً في مُقتَبل العُمر؟، حتى وإن كان اللقب الديني يأتي مع مُميِّزات التَّربُّع على العرش السُّعودي.
وكان لافِتاً في القرارات الملكيّة الجديدة تعيين نائب وزير الداخليّة من خارج العائلة الحاكمة وهو ناصر الداود، وهو أمر غير مألوف كثيراً أن يأتي مسؤولين من خارج العائلة الحاكمة خاصّةً في الوزارات الحسّاسة كالداخليّة والدفاع، وقد سبقه إلى ذلك وزير الخارجيّة عادل الجبير.
ويعود تعيين الداود الذي لا يحمل ختم “آل سعود” إلى وجهتيّ نظر، الأولى تقول أن العداءات الكثيرة التي صنعها الأمير بن سلمان داخل عائلته، جعلت هُناك صُعوبة في ضمان الولاءات له، وبالتَّالي تسليمهم مناصب حسّاسة قد يُؤثِّر في المدى البعيد على استمرار حُكمه، و عليه تأثير الآتين من خارج العائلة محكوم وأقل خطراً، ومُسيطر عليه، ومضمون بولاء التعيين والانبهار بالمنصب ذاته، وينتهي بالإقالة من المنصب في حال الخروج عن الطاعة ومقدورٌ عليه، وحتى ربّما يكون عينه داخل وزارة الداخليّة.
وجهة النظر الثانية تقول أنّ حال نائب وزير الداخليّة وجرى تعيينه لأنه لن يكون مُختلفاً عن المنصب الصُّوري الذي يتمتّع به زميله في الخارجيّة الوزير عادل الجبير من خارج العائلة، فالأخير لا يرسم سياسات المملكة كما كان يفعل من قبله مثلاً الوزير الراحل سعود الفيصل، ويقرأ بيانات جاهزة، وعليه ربّما يكون مفهوماً لماذا قد تَكثُر التَّعيينات من خارج “آل سعود”.
وأطاحت القرارات الملكيّة السعوديّة فجر السبت، بوزير العمل علي بن ناصر الغفيص الذي أُعفِي من مَنصِبه، وعُيّن مكانه رجل الأعمال أحمد بن سليمان الراجحي، ويبدو أن الوزير المُقال فَشِل في حل مُشكِلة البطالة، حيث تبلغ نسبة البطالة في البلاد 12.8 بالمئة، كما أنّ القيادة السعوديّة تطمح إلى سعودة جميع الوظائف، وخلق مليون ونصف فرصة عمل قبل الوصول إلى عام تحقيق الرؤية العام 2030، ويبدو أنّ القيادة السعوديّة تضع آمالها بوزير العمل الجديد أحمد الراجحي، وهو ابن سليمان الراجحي الملياردير المصرفي، ورئيس مجلس غرفتها التجاريّة، وهو الخبير في مجتمع الأعمال، والقطاع الخاص.
ولتمكين عصر الانفتاح، وشطب هَويّة البِلاد المُتَّهمة بالتًّطرف نهائياً، أوكل العاهل السعودي وزارة الشؤون الإسلاميّة والدعوة والإرشاد إلى رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر السابق عبداللطيف آل الشيخ المعروفة أيّامه يين عاميّ 2012- 2015 بقص جناحات رجال الهيئة، ومنعهم من مُطاردة الناس في الشوارع العامّة، ويتّهم آل الشيخ من الإسلاميين المُتطرِّفين بأنّه إسلامي انفتاحي، أضاع هيبة الهيئة، في الزمن الذي سبق العهد الانفتاحي الشاب، وبالتالي تعيينه على رأس وزارة “الأوقاف” يتماشى تماماً مع توجّهات الدولة الحاليّة، ويخدم مصالحها في الترويج كما تقول لإسلام وسطي مُعتدِل.
يعود إذاً، الأمير محمد بن سلمان إلى الأضواء، بعد اختفاءٍ لشهر ساده الشُّكوك حول مقتله، أو إصابته، خاصَّةً أن الرجل مُحِب للظُّهور الإعلامي، ويُكثِر منه في الكثير من المُناسبات العامّة والخاصّة، واقتصر ظُهوره أخيراً على الصور التي شكّك البعض في تاريخها وزمانها لعدم توثيقها، يعود الأمير الشاب إذا من باب قرارات ملكيّة، كلها تصب في صالحه، وتوسيع صلاحياته، ليبقى السُّؤال عالقاً في الأذهان، هل بات تنصيبه ملكاُ على مملكة بلاد الحرمين قريباً، أم أنّ تعبيد الطريق أمامه حاليّاً بانتظار رحيل والده هو فقط الغاية؟