أفول ممالك النفط بعد تداعي مشاريع الإصلاح

  • طباعة
  • PDF
  • مشاركة عبر الفيسبوك
  • مشاركة عبر تويتر
  • مشاركة عبر G+
  • مشاركة عبر انستقرام
  • مشاركة عبر تلغرام
  • مشاركة عبر الوتساب
  • عدد الزوار 94
  • عدد التعلیقات 0
  • -
    +

ليس معلوما بعد ما إذا كانت الأزمة التي افتعلتها الدول الأربع بقيادة السعودية مع قطر «سحابة صيف» في قيظ الخليج الحارق أم ظلاما دامسا ناجما عن كسوف شمس العقل لدى بعض الزعماء المبتلين بداء العظمة. أيا كان الأمر فما حدث خلال الأسابيع التي أعقبت قرار التحالف الرباعي يكشف مرة أخرى سرعة حركة الرمال في الجزيرة العربية وصعوبة التنبؤ بمآلاتها.

الأمر المؤكد حتى الآن أن ذلك التحالف لم يتقن حساباته بشكل دقيق ففوجئ بالموقف القطري الصلب الذي أحدث هزة في التحالفات الإقليمية غير مسبوقة منذ سنوات. وكان من أولى نتائج ذلك سرعة التحركات الدبلوماسية التي تبدو وكأنها سباق مع الزمن بين قطر الدولة الصغيرة والتحالف الرباعي الذي يواجه تصدعات داخله لأسباب عديدة.

ويمكن تسجيل بعض التطورات المذكورة في ما يلي:

أولا: إن الموقفين الأمريكي والبريطاني كان رسالة عملية واضحة وجهت للسعودية بشكل خاص مفادها أن مجلس التعاون ليس ملكا خاصا لها، وبالتالي فليس مسموحا لها بتدميره بسياساتها الانفعالية. فالمجلس يعتبر مشروعا مشتركا بين دوله الست من جهة، وبين هذه الدول وكل من أمريكا وبريطانيا اللتين كان لهما دور في تأسيسه قبل 36 عاما. وليس من حق السعودية القيام بما من شأنه التأثير على مسارات المجلس.

ولتأكيد ذلك فحين أعلنت الرياض عزمها على إنشاء «الاتحاد الخليجي» وقف الغربيون ضده عندما عارضته سلطنة عمان بشكل خاص. وكان حضور رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي القمة الماضية في الرياض حاسما ورسالة واضحة للسعودية بأن عليها أن لا تتصرف من طرف واحد بما يؤثر على تماسك المجلس. فبعد الضجة الإعلامية التي سبقت القمة حول الاتحاد الخليجي، انتهى الحديث عنه بعد خطاب السيدة ماي مباشرة.

فحوى الرسالة أن منطقة الخليج لا تخضع للإرادة السعودية، فلا يحق لها فرض مشروع الاتحاد الخليجي إذا كان ذلك بديلا للمجلس أو قد يؤدي لتصدعات داخله أو انسحاب بعض أعضائه. هذه المرة رفضت واشنطن ولندن إقرار الخطوة السعودية الهادفة لصرف الأنظار عن المصادر الحقيقية للإرهاب وتوجيهها نحو قطر. الغربيون لهم رأي آخر أكده قانون «جاستا» الأمريكي الذي أصدره الكونغرس العام الماضي والذي يحمل السعودية جزءا من المسؤولية عما حدث في 11 سبتمبر/ايلول 2011.

ثانيا: إن إيران هي اللاعب السياسي الآخر في المنطقة، لها مصالحها ونفوذها، وبالتالي فليس من مصلحة أية دولة أن تدخل في عداء معها. وتسعى دول مجلس التعاون لانتهاج سياسات توازن فيها بين كل من السعودية وإيران اللتين تتنافسان على النفوذ الإقليمي.

وبرغم الجهود السعودية لإحداث حالة استقطاب سياسية حادة إلا أن بعض دول المجلس خصوصا سلطنة عمان رفضت ذلك وأصرت على الاحتفاظ بعلاقات متوازنة مع كل من الرياض وطهران. وعندما قطعت السعودية علاقاتها مع إيران بعد حادثة الحج قبل عامين التي قتل فيها أكثر من 400 من الحجاج الإيرانيين وحادثة السفارة السعودية في طهران بعد ذلك، رفضت مسقط قطع العلاقات.

الملاحظ أن السعودية أضعفت موقفها كثيرا عندما استهدفت قطر بشكل مباشر، فخلقت بذلك أزمة كان يمكن تلافيها، وأصبحت تبحث عن مخارج سريعة منها لوقف التداعيات السلبية على المصالح السعودية. وفي الأسبوع الماضي أعلنت الدوحة عن إعادة سفيرها إلى طهران، وهو إجراء جريء أحرج الرياض لسببين: الأول إنه إجراء فردي من قطر بدون علم السعودية وثانيا إنه رسالة للرياض بأن زمن الهيمنة على قرارات دول الخليج الأخرى قد انتهى.

الخطوة القطرية كانت استباقية ولم تنتظر إعادة السعودية علاقاتها مع الجمهورية الإسلامية. وهكذا بددت السعودية حظوظها الضاغطة على إيران، وفتحت المجال أمام دول مجلس التعاون الأخرى لاتخاذ القرارات التي تناسبها.

وتدرك السعودية أن توازن القوى في المنطقة لم يعد لصالحها لأسباب ثلاثة: أولها ضعف التماسك الخليجي وغياب قرارات المجلس الإلزامية، ثانيها: إن حربها على اليمن أضعفتها وخلقت تصدعات في المنطقة وقللت من شأن الهيبة السعودية التي حاولت تكوينها بشن تلك الحرب قبل ثلاثين شهرا. ثالثا: إن التحالف السعودي (المزمع) مع الكيان الإسرائيلي وتشكيل تحالف قوى الثورة المضادة أضعف موقعها القيادي على صعيد العالم العربي، كما أن حربها مع اليمن أظهرت ضعفا بنيويا غير متوقع، بينما كانت تأمل أن تكون الحرب إعلانا عن عهد جديد تبدو السعودية فيه ماسكة بزمام الأمور وقادرة على ضرب مناوئيها وهزيمتهم. هذا لم يحدث، فتراجعت هيبتها حتى لدى حلفائها.

ثالثا: لوحظ هرولة السعودية نحو العراق بعد سنوات من توتر العلاقات. الهرولة السعودية جاءت بعد انتهاء حادثة خطف السياح القطريين من قبل بعض المجموعات المسلحة العراقية. تزامن مع الإفراج إعلان الحكومة العراقية وضع يدها على أموال قطرية كانت في طريقها للخاطفين، حسب ما أعلن. ويبدو أن السعودية انزعجت كثيرا من هذه الخطوة وربما اعتبرتها «دعما لجهات غير صديقة» وإنها لم تكن على علم مسبق بها.

إعلان العراق عن ذلك كان مفاجئا وصادما للبعض، وربما كان محاولة لاسترضاء السعودية. ويعتبر ترطيب العلاقات بين الرياض وبغداد ضعفا للدبلوماسية السعودية وليس قوة، وتعبيرا عن تراجع السياسة السعودية التي كانت تسعى للصعود من خلال دعم المجموعات المسلحة في العراق وسوريا. وبفشل هذه المجموعات في تحقيق تقدم ملحوظ، بادرت الرياض لاتهام قطر بدعم تلك المجموعات، الأمر الذي استسخفه الكثيرون. وثمة انتقادات كثيرة وتململ لدى قطاعات واسعة من الأوساط العراقية بسبب الاستعجال في تطبيع العلاقات مع السعودية. وليس بعيدا عن التصور القول بأن العراق قرر الانحياز إلى المحور السعودي ـ الإماراتي بشكل واضح، الأمر الذي ستكون له تردداته الداخلية.

السعودية تتسابق مع قطر لإقامة العلاقات وعقد التحالفات مع الدول الكبرى في المنطقة خصوصا العراق وإيران. وبرغم ما يكرره وزير خارجيتها، عادل الجبير، عن ضرورة تنحي بشار الأسد عن الرئاسة السورية، فليس مستبعدا أن تعيد الرياض علاقاتها مع دمشق. فماذا يعني ذلك؟ لا شك أن فتح الجبهة مع قطر قد كلف الدبلوماسية السعودية ثمنا باهضا ودفعها لإجراءات وخطوات غير متوقعة وربما غير محسوبة. وسينعكس ذلك على الثقل الاستراتيجي للمملكة العربية السعودية.

رابعا: أزمة اليمن هي الأخرى أصبحت عاملا ضاغطا على السياسة السعودية. فبعد ثلاثين شهرا من الحرب ما زال الوضع يراوح مكانه. وتوحي تطورات الوضعين السياسي والعسكري على الساحة اليمنية بأمور مقلقة للسعودية. أولها أن السعودية أصبحت تتلقى الانتقادات والشجب خصوصا بعد انتشار وباء الكوليرا وإصابة أكثر من نصف مليون يمني بالوباء ووفاة أكثر من 2000 منهم حسب إحصاءات اليونيسيف. ثانيها: إن الامارات هي التي تحصد ثمار الحرب في مقابل تضحيات أقل.

فهي التي تسيطر على الجنوب اليمني وميناء عدن ومطارها، وتمعن قواتها في إهانة مسؤولي حكومة هادي المدعومة من الرياض. وحتى الذين كانوا متحمسين للحرب أصبحوا يعتبرون الوجود الإماراتي «احتلالا». ومن المتوقع توتر العلاقات بين السعودية والإمارات بسبب التمدد الإماراتي في اليمن وفي ليبيا ومنافستها السعودية بشكل غير مسبوق.

حكومة الرياض التي استهدفت قطر ستستهدف الإمارات عما قريب لأنها أصبحت تنافس السعودية. الكويت التي انتهجت سياسات خارجية قريبة من السياسات السعودية، سعت لاسترضاء الرياض، فاعتقلت عشرات المواطنين المشمولين بقضية «العبدلي». ويرى البعض أن سعيها للتوسط بين السعودية وقطر من قبل أمير الكويت نفسه دليل لرغبة الكويت تجنب الغضب السعودي. ولكن تراجع الحظوظ السعودية في مغامرتها مع قطر يساهم في تقليص الرهبة من الغضب السعودي.

ويلاحظ أن أزمة اليمن أصبحت مركبة ومعقدة ومتداخلة. فثمة صراع على النفوذ بين جماعة «أنصار الله» الذين يطلق عليهم «الحوثيون» وجماعة علي عبد الله صالح. كما أن مواقف الدول الخليجية متباينة. فثمة محاولات إماراتية لاستمالة علي عبد الله صالح بهدف إضعاف المقاومة الداخلية للعدوان الخارجي. بينما تتهم قطر بأنها تميل للحوثيين. وهذا يعبر عن التقارب القطري ـ الإيراني وكذلك عن العلاقات بين قطر وجماعات الإسلام السياسي مثل الإخوان المسلمين وحماس وحزب الله.

هذه الفسيفساء السياسية قد تكون طبيعية، ولكنها مؤشر لفشل الطروحات السياسية التي قامت بعد ضرب ثورات الربيع العربي. فماذا يعني ذلك؟ هذه التوترات السياسية توحي بحتمية انفجار الوضع العربي مجددا بحثا عن أوضاع سياسية مختلفة يحترم فيها الإنسان وتضمن فيها حقوقه ويعترف بإنسانيته.

العالم العربي إذن على موعد مع انفجار شعبي عام على غرار ما حدث قبل ستة أعوام، لكن مع اختلاف واحد: هذه المرة لن تخدع الشعوب بوعود الحكام ولن تقبل بأقل من التغيير الحقيقي الشامل.

الغرب ليس مستعدا لتغييرات كبيرة وقد لا يدعمها، خصوصا نظرا لخطرها على الكيان الإسرائيلي، ولكن إرادة الشعوب أقوى، وهي قادرة على تحييد شيطنة الأنظمة. هذه المرة سيحدث التغيير لأنه سنة تاريخية وحتمية سياسية ورغبة شعبية.

٭ د. سعيد الشهابي - كاتب بحريني

المصدر | القدس العربي